×
×

ذكريات السبت الأسود… قتال التشجيع … حرب البسوس في عصر غير ذي جاهلية

رعب وصراخ ودماء… جروح وجثث وأشلاء… شباب قتلى وأمهات ثكلى… إنها حرب لم يحقن فيها الدم، والقاتل والمقتول أبناء عم. لا يسمع في هذا اليوم البئيس غير تأوه الجرحى، وتكبير …

رعب وصراخ ودماء… جروح وجثث وأشلاء… شباب قتلى وأمهات ثكلى… إنها حرب لم يحقن فيها الدم، والقاتل والمقتول أبناء عم. لا يسمع في هذا اليوم البئيس غير تأوه الجرحى، وتكبير وتهليل على أرواح الطرحى. هذه ليست مشاهد من حرب البسوس الضارية، هذه مشاهد “السبت الأسود” من مدرجات ملعب محمد الخامس.

سويعات قبل موقعة “سطاد دونور”

قبل سنتين من اليوم، كنا ندق أبواب العشر الأواخر من شهر مارس. كانت معظم أيام ذلك الشهر معتدلة الجو. غير أنه، في مطلع ذلك اليوم، تلبدت السماء بالغيم، وزأرت برعدها وأسمعت الهزيم، ونزل الغيث بوفرة على حين غرة. بدت السماء كأنها تشاءمت من حلول ذلك السبت، وأنذرت بأن ليله لن ينجلي إلا وجفون الأمهات ممطرة كمطرها الغزير.

تم تكليفي من قبل إدارة الجريدة التي كنت أشتغل بها حينها بطلب اعتماد صحافي وتغطية مباراة في كرة القدم برمجت مساء ذلك اليوم، ستجمع بين فريقي الرجاء البيضاوي وشباب الريف الحسيمي إن لم تخني الذاكرة… وكنت ملتزما بأن أحل بمنصة الصحافيين بملعب دونور وكتابة تقرير عن أحداث المباراة ونتيجتها، وتقرير آخر عن الاحتفالية التي اعتزم جمهور “المگانة” القيام بها بمناسبة ذكرى تأسيس نادي الرجاء. إلى حدود الساعة، الأجواء عادية ولا أحد يتوقع الكارثة.

صافرة البداية ونذائر الشؤم

دقائق قبل المباراة، جلست في مكاني بمنصة الصحافيين. أطلق الحكم صافرة البداية. لم أكن أشغل بالي بالمباراة الملعوبة داخل المستطيل في الحقيقة. كنت أكتفي بخطف نظرات عابرة بين الفينة والأخرى، وكان تركيزي منصبا على المدرجات أمامي: جماهير الرجاء على غير عادتها تتموضع في منطقة “الدار” بدل المدرج الجنوبي، الذي كان قيد الإصلاحات آنئذ.

الجمهور يصدح بأهازيجه ويسمعها في كل أرجاء “سطاد دونور”، يقدم ملحمة متناغمة متجانسة. صوت موحد وحركة موحدة، إلى أن ظهر بينهم شخص يحمل عصى ويلوح بها اتجاه كل من يقربه. يصيب بها تارة ويهدد بها تارة أخرى. بدا كأنه مقاتل في قلب معركة يحمل حساما يقطف به رؤوس خصومه. كان هذا المشهد نشازا في سمفونية الجمهور الأخضر. حل لطف الله وحال دون تفاقم الأمور وسجلت الرجاء هدفا، وتعانق صاحب العصى الجلاد مع من جلده قبل لحظات، وتبددت مظاهر العدوانية وعم السرور. استعادت سمفونية الجمهور ميزانها وغطى شذى أهازيجها على نشاز الشغب، كان نشازا عابرا لكنه كان ذا عودة.

فوز واحتفال بقطع الرؤوس واندلاع حرب البسوس

أستأذنكم في الخروج عن سياق قصة المباراة ونقلكم لبرهة صغيرة إلى زمن الجاهلية، لنسترجع أحداث حرب البسوس الضارية التي اندلعت بين قبيلتي بني بكر وبني تغلب، وهم أبناء عمومة. كان سبب اندلاع هذه الحرب هو مقتل ناقة امرأة تدعى البسوس، على يد أمير يدعى كليب بن ربيعة التغلبي؛ وكان قد رمى درع الناقة بسهم فأرداها قتيلة لأنها رعت في حماه.

كان للبسوس ابن أخ يقال له جساس بن مرة البكري، لم يقبل على نفسه تجبر كليب وظلمه لعمته، فلاقاه بواد فقتله. وكان لكليب أخ اسمه عدي بن ربيعة التغلبي، عرفناه بلقب “الزير سالم” أو “المهلهل”. أقسم هذا الزير أن يبيد قبيلة البكريين عن بكرة أبيها، ولا يذر منهم أحدا، ثأرا لأخيه كليب؛ وهذا ما قد حدث.

اندلعت شرارة الحرب وأوقدت وزندت مدة أربعين عاما… حتى أباد الزير أبناء عمه البكريين كلهم ولم يبق فيهم فردا.

سأسأل وأجيب: هل يقبل العقل أن مئات البشر ماتوا من أجل ناقة؟ قطعا لا، لا يمكن لأحد أن يقبل الأمر أو يصدقه حتى.

نعود لأجواء المباراة. صفر الحكم لنهاية المباراة وكان فريق الرجاء قد فاز بها… وكأنه صفر ليعلن اندلاع حرب البسوس في المدرجات. مشجعوا فريق الرجاء يقتلون بعضهم أمام أنظارنا. مات منهم من مات وجرح منهم من بقي على قيد الحياة، وصدمنا من هول المشهد الذي رأيناه أمامنا. حرب بين أبناء العم، في عصر النور والعلم والتقدم…

سأقولها بصريح العبارة، ولا أخشى في قولي هذا لومة لائم: نحن قوم لم يتخلص بعضنا من جاهليته بعد… قد يشفع للزير سالم أنه عاش في عصر جاهلي لا يقدم فيه الناس الرزانة والحكمة على سن السيف. لكن ماذا سيشفع لقاتل تخضبت يداه بدم أخيه، في عصر جاء بعد الجاهلية بآلاف السنين؟ كيف لذلك الشخص أن ينام وضميره مرتاح وقد أردى أخاه قتيلا بسبب خلاف على طريقة تشجيع نفس الفريق؟ على الأقل كان للنوق والجمال قيمة في الجاهلية أكثر من قيمة الدم… لكن كيف أن يكون الدم في عصرنا أرخص من انتماء مبتذل؟

ليلة بيضاء وشرود في مشاهد الدماء

من رأى مشاهد السبت الأسود وصوره عبر الإعلام، فما بلغه إلا قدر قليل من فظاعة تلك الليلة. أكاد أجزم أن كل من حضر تلك المعركة أمضى ليلة بيضاء لم تقو جفونه على النوم فيها. كذلك كان حالي بعد عودتي للمنزل. كان الرعب باد على إخوتي الذين تنفسوا الصعداء بعد أن رأوني أدخل البيت مجددا، رغم أنني طمأنتهم عبر الهاتف.

ما كدت أجلس وأرتاح حتى سمعت ابن أختي يروي ما رآه. لقد كان هناك، في قلب المعركة… لم يكن في منطقة مؤمنة. كان من الممكن أن ألج بيتي على وقع الصراخ والبكاء. كان واردا أن يصير عشاؤنا تلك الليلة ميتما… حرب البسوس كادت أن تأتي على أهلي… حرب بسوس جديدة!

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *