هشام روزاق يكتب: السوط والصورة… تكريم العلوي أغضب عرشان - Marayana
×
×

هشام روزاق يكتب: السوط والصورة… تكريم العلوي أغضب عرشان

السوط والصورة. الجلاد في بلدي ليس “حاج” المعتقل وكوميسير التعذيب وحده.
الجلاد في بلدي… هو صوت إعلام برر الجريمة، وصنع وجها مشوها للمغربي/ة وللمغرب. الجلاد، أحزاب ومؤسسات شرعنت القمع وقتل الأمل.
الجلاد في بلدي… ليس عرشان وحده. الجلاد سوط وصورة تحرف ذاكرة المغرب والمغاربة، وتصنع البشاعة باسم مشترك جميل يواصل النزف.
الأصل في الحكاية أننا… بلد تفرق دمه بين الجلادين.

… صيف 2024، نظمت إحدى الجمعيات حفلا لـ “تكريم” مصطفى العلوي، مقدم أخبار النشرات الرئيسية الأشهر في التلفزة المغربية خلال عهد الراحل الحسن الثاني. كان المفجع يومها، أن “تكريم” العلوي، ساهم فيه بعض من المنتمين لـ “مدارس” سياسية، كان العلوي يخوِّنها، ويمنح الغطاء الإعلامي لقمعها وسجنها.

كان المفجع… أن يتم تكريم شخص، هو في النهاية، صوت وصورة سنوات الجمر والرصاص.

يومها، كتبت تدوينة بسيطة على وسائل التواصل الاجتماعي، قلت فيها بالحرف:

“الذي في الصورة اسمه مصطفى العلوي.

هو… في أجمل التعريفات وأكثرها لطفا للصحافة… ليس صحافيا.

هو… مصطفى العلوي… بوق نظام يفترض أننا قطعنا معه بكثير من جروح ودماء. هو عنوان نظام وصف المغاربة بالأوباش وخوَّن المعارضة وباع للمغرب والمغاربة صورة مشوهة عنهم.

اليوم …. هناك من يحتفي به ومن يكرمه…

وأنا…. سأذكره دوما كما أذكر مغربا قبيحا نقاتل من أجل ألا يتكرر.

الذي في الصورة اسمه مصطفى العلوي…. وهو بالنسبة لي، عنوان قبح لن أُطبع معه… ولن أنساه… 

هو عنوان مغرب نحارب لنقطع معه، ولنتذكره كي نكرم الذين ناضلوا ضده… لا لنكرم بوقه الوقح.

مع جميل التحية لمغرب يحترم ذاكرته”.

… يومها، ومن بين مئات التعليقات التي استوقفها جرح “التكريم” ومرارته، علقت بذهني بضع تعليقات تبرير، لا زلت أذكر بعضها بالحرف، من بينها تعليق لأحدهم، يزعم أنه أحد منظري وحراس الذاكرة المغربية، اعتبر أنني بموقفي هذا، أعلن كفري البواح بمسلسل الإنصاف والمصالحة المغربي، إضافة إلى تعليقات أخرى ذهبت إلى اعتبار موقفي متجنيا وقاسيا ضد مصطفى العلوي/ الطيب الودود (كما أصروا على توصيفه)، مادام الرجل في النهاية، كان مجرد منفذ لما يؤمر به…

طبعا، ليست هناك حاجة اليوم للقول إن الموقف في النهاية، لم يكن ضد مصطفى العلوي كشخص، ولا ضد طيبوبته ووده الذي يتحدث عنه البعض، ولكنه كان، ببساطة، ضد كل ما يمثله مصطفى العلوي، من صوت/سوط إعلام سنوات القمع والجمر، وإعلام تخوين كل الحالمين بمغرب أفضل، وضد الصورة المشوهة التي قدمها عن المغرب للمغاربة.

في رد على واحد من هذه التعليقات، كنت قد سألت أحد الذين انتصروا لتكريم مصطفى العلوي، على اعتبار أنه كان “فقط” منفذا لسياسة إعلامية وأوامر يتلقاها بالتالي:

… ألم يكن اليوسفي قدور وكل “حجاج” المعتقلات السرية والعلنية، ينفذون فقط ما يؤمرون به؟ كيف سيكون الأمر والحالة هذه، لو فكرت جمعية ما أن تقوم بتكريمهم؟

هذا بالضبط ما استحضرته خلال الأيام الأخيرة، وأنا أتابع بكثير من قرف، خرجات الكوميسير عرشان، وردود الفعل عليها.

الذي أثارني، بكثير من سخرية، هو أن عددا من الذين باركوا تكريم صوت وصورة مغرب سنوات الرصاص/ مصطفى العلوي، غضبوا واستنكروا اعتلاء سوط نفس المرحلة/ عرشان منصة البرلمان، كي يعيد فتح جراح ذاكرة لازالت في الأصل تنزف.

ليس في الأمر مفاجأة ولا حتى بعض ارتباك في المنطق. سنوات الرصاص والجمر، ومغرب القمع والسجون، لم يكن فقط أسماء جلادين وعناوين معتقلات سرية وعلنية. كان ذاك المغرب، يستعمل “حجاج” المعتقلات في التعذيب الجسدي، كما استعمل القضاء في التنكيل، باسم القانون، بالمعارضين… كما استعمل الإعلام للتخوين وتزييف الوعي وبث شعور الخوف والرعب في نفوس المغاربة، الذين ظل يصفهم بالرعايا، مستكثرا عليهم حتى أن يحلموا بدرجة مواطنين.

… ليس في الحكاية تراتبية ولا درجات. هي في النهاية، نفس الخيبة. نفس الطعم المر الذي يحول مذاقات المغرب إلى ذاكرة يريد البعض أن “يطبخها” على المقاس، وعلى نار غير هادئة بالمرة. ذاكرة، يحاول البعض اليوم، إعادة تشكيلها بكثير من أدوات النزعة التنقيحية/ التحريفية للتاريخ.

جزء من هذه الذاكرة المشوهة، هو تلك العملية التحريفية الكبرى، التي حاولت و(نجحت إلى حد كبير) في تشكيل تاريخ مزيف جديد لأحزاب “الكوكوط مينوت”/ الأحزاب الإدارية التي خُلقت وصُنعت في دهاليز وزارة الداخلية وأسوار المخزن العتيق، والتي شاركت، خلال سنوات الجمر والرصاص وبعدها، في تأبيد نموذج دولة تقمع معارضيها وتنكل بهم، وتمنح الشرعية التي لم تكن تملكها، لكثير من قرارات وسياسات أوصلت البلد إلى سكتة قلبية، والتي صارت اليوم تُقدَّم كبديل مضمون وذي مصداقية، للخروج بالمغرب من حالات تعبه المزمنة، ومن وضعية انسداد الشرايين.

…هي في النهاية، نفس آلة النزعة التحريفية التي تسيدت المشهد باسم (Le révisionnisme)/ (Revisionism) لتتجرأ على ذاكرة المغرب قبل المغاربة، ولتنتصر لتغول القائم ضد كل قادم محتمل…

هي نفس الآلة التي، تراهن اليوم على الشوفينية باسم الوطنية، لتقسم المغاربة إلى خونة ووطنيين ولتوزع عليهم بطائق الانتماء لوطن، يريدهم رعايا لا مواطنين. وهي نفس الآلة، التي تجلد المغاربة باسم نزعة عرقية تفرق بين المغربي وانتمائه باسم نقاء العرق والأسبقية في الأصل…

هي نفس الآلة التي اخترعت إعلاما على المقاس، لتشكل به وجها جديدا للمغربي/ة. وجه يريدونه مرادفا لفيديوهات تمتهن كرامة المغاربة في فقرهم وأميتهم، ويريدونه، في نفس اللحظة، معتزا بانتمائه وعرقه النقي. لو كان “يوزف غوبلز” حيا… لكان أفشل تلميذ في هكذا مدرسة.

في أصل الحكاية…

الجلاد في بلدي سوط وصورة. الجلاد ليس “حاج” المعتقل وكوميسير التعذيب وحده.

الجلاد في بلدي… هو صوت إعلام برر الجريمة، وصنع وجها مشوها للمغربي/ة وللمغرب. الجلاد، قضاء ساهم في محاكمات صورية. والجلاد… أحزاب ومؤسسات شرعنت القمع وقتل الأمل.

الجلاد في بلدي… ليس عرشان وحده. الجلاد سوط وصورة تحرف ذاكرة المغرب والمغاربة، وتصنع البشاعة باسم مشترك جميل يواصل النزف.

الأصل في الحكاية أننا… بلد تفرق دمه بين الجلادين.

وهذا… بعض من كلام.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *