سناء العاجي الحنفي عن السفر والحرية والنساء: مسافرة زادها… الأمن والأمان
حين يقال إن الحديث عن الفوارق بين النساء والرجال مبالغ فيه، وإن النساء حصلن على حقوقهن جميعها، ربما علينا ألا نبحث فقط عن الأمثلة الكبرى والصادمة والأرقام والإحصائيات وعن المساواة في سوق الشغل ومدونة الأسرة والممارسات المجتمعية.
أحيانا، يكفي أن ننظر إلى أشياء عادية جدا، مثل التخطيط لعطلة وتحقيق رغبة في السفر بحرية.
في عطلتي هذه السنة، نظمت لنفسي رحلة إلى بلدين بعيدين عن المغرب، جغرافيا وثقافيا. سهرت بمفردي على كل تفاصيل الرحلة، من تخطيط وحجوزات، دون الاعتماد على وكالة سفر، وذلك حتى تناسب كلُّ تفاصيل الرحلة، ما أريده من هذا السفر.
سبق أن سافرت بمفردي، لكن لرحلات قصيرة مدتها يومان أو ثلاثة. هذه المرة، اخترت وجهتين بعيدتين، لمدة ثلاثة أسابيع. كانت تجربة جميلة جدا وفريدة جدا، من تلك الرحلات التي نعود منها محمّلين بالصور والذكريات والحكايات.
متعة السفر الفردي أنك لا تحتاج أن تفاوض رفاق الرحلة ولا هم يحتاجون ذلك. السفر مع من نحبهم رائع أيضا، لأنك تقتسم معهم تفاصيل وذكريات مميزة. لكنك بالضرورة تفاوض، تماما كما سيفعلون: سيرضخون لرغبتك في زيارة مكان معين لا يريدونه بالضرورة، وستتنازل عن سهرة ممتعة لأنهم ربما تعبوا ويفضلون النوم، إلى غير ذلك من التفاصيل اليومية التي ترتبط بالعيش المشترك.
هذا ليس سلبيا بالضرورة، لكن السفر الفردي يجعلك تكتشف متعة اتخاذ القرارات بشكل حر تماما. تحتاج مزيدا من النوم؟ ممكن. تريد تغيير الوجهة في آخر لحظة؟ ممكن. تكتشف مكانا مميزا وتقرر البقاء فيه مدة أطول؟ ممكن…
لكن هذا ليس صلب الموضوع الذي أرغب في اقتسامه معكم اليوم. في النهاية، للسفر مع الأصدقاء والعائلة متعة مميزة، كما للسفر بشكل فردي متعة مختلفة. هناك من يفضل الصيغة الأولى وهناك من يرغب في الثانية، وهناك، مثلي، من يحب الصيغتين… لكن، هناك ملاحظة أخرى استوقفتني بشدة:
بعد عودتي، انتبهت لتفصيل صغير يتكرر في أغلب النقاشات حول الرحلة.
حين أخبر أصدقائي أو زملائي أنني سافرت وحدي، يكون من بين الأسئلة الأولى، بل أحيانا السؤال الأول: “هل السفر لتلك البلدان آمن بالنسبة لفتاة تسافر وحدها؟”.
في البداية، لم أعر للأمر اهتماما بالغا. والحقيقة أني أنا نفسي فكرت في الأمر قبل السفر: بحثت عن مستوى الأمان في الوجهات التي اخترتها، وقرأت تجاربَ نساء سافرن بمفردهن، وأخذت هذا المعيار بعين الاعتبار في تخطيط تفاصيل الرحلة. والحقيقة أيضا أن هناك بلدانا أرغب في زيارتها، لكنني أعرف أنني لن أختار السفر إليها وحدي لأني لست متأكدة من كون السفر إليها آمنا بالنسبة لفتاة تسافر بمفردها.
لكن المثير للاهتمام هنا ليس وجود تخوف من سفر النساء لوحدهن لاحتمال تعرضهن للمضايقات. المثير للاهتمام وللفضول هو التالي: لو كان المسافر رجلا، هل كنا سنطرح نفس السؤال؟
حين يقرر رجل أن يسافر بمفرده، قد يختار وجهته بناء على ميزانيته، أو المناخ في تلك المنطقة، أو الطبيعة، أو الثقافة، أو نوع الرحلة التي يحبها. المرأة تفكر في كل هذه الأشياء طبعا، لكنها تضيف إليها سؤالا آخر: هل سأكون آمنة هناك؟ هل سأستطيع أن أتجول في الفضاء العام بحرية؟ هل وسائل النقل هناك متوفرة وآمنة؟ هل البلد معروف عنها حالات التحرش بالنساء؟ هل ملابسي التي أضعها في الحقيبة مناسبة لثقافة تلك الوجهة وهل ستسبب لي المضايقات؟
كذلك، حين يعود الرجل من السفر، نسأله عادة: كيف كانت المدن التي زرتها؟ كيف كان الأكل؟ هل البلد غال؟ يأي لغة تواصلت مع الناس هناك؟ ماذا زرت؟
نسأل المرأة عن الأشياء نفسها… لكن، غالبا، يسبق هذه الأسئلة سؤال إضافي: هل كانت الوجهة آمنة لك كامرأة تسافر بمفردها؟
قد يبدو هذا تفصيلا صغيرا. لكنه واحد من تلك التفاصيل اليومية التي تكشف أن الرجال والنساء لا يتحركون دائما في العالم بالشروط نفسها وبالإكراهات نفسها.
لذلك، حين يقال إن الحديث عن الفوارق بين النساء والرجال مبالغ فيه، وإن النساء حصلن على حقوقهن جميعها، ربما علينا ألا نبحث فقط عن الأمثلة الكبرى والصادمة والأرقام والإحصائيات وعن المساواة في سوق الشغل ومدونة الأسرة والممارسات المجتمعية. أحيانا، يكفي أن ننظر إلى أشياء عادية جدا، مثل التخطيط لعطلة وتحقيق رغبة في السفر بحرية.
لأنه، في الواقع، حتى الحرية البسيطة في أن تقرر وجهة، وتحمل حقيبتك وتذهب… لا تبدأ، بالنسبة للجميع، نساء ورجالا، من النقطة نفسها.
وهذا أيضا يفترَض أن يدعونا للتفكير…


