هشام روزاق يكتب: حالة الطقس… غرق بين بيصارة السيمو ودموع أخنوش
ما الذي حدث ما بين ليلة 11 و12 يناير، حتى انتقل أخنوش من “قائد” يريد تمديد ولايته وولاية أجهزة حزبه، إلى رجل لا ولاية له، يبكي ويغادر؟
… الذين يعشقون بيصارة السيمو، لم يحتاجوا لأكثر من دموع كي يواصلوا حفلات “التغماس”.
كان يكفي أن يبكي أخنوش، ويبكي معه رشيد الطالبي العلمي ومن معهما، خلال المؤتمر الاستثنائي بالجديدة، حتى تخرج لنا وصفة صحافية جديدة، تكاد ترقى لما يعرف في المغرب بــ “التعداد على الميت”، وكأن الخبر في النهاية، هو دموع أخنوش والطالبي العلمي، وليس دموع مغرب يفقد يوما بعد يوم، كثيرا من الثقة في مؤسساته وأحزابه وانتخاباته…
… من يتابع أخبار “حالة الاستثناء المناخي” الذي يعيشه المغرب، ومعه بعض دول المنطقة خلال الأيام الأخيرة، سيقف بالضرورة على عنواننا المعتاد والمزمن: “حالة الاستثناء المغربي”.
حالة استثناء، تحول المغربي إلى قلب مفتوح على مشاعر متناقضة وصراع أحاسيس قمتها الفخر بالانتماء لبلد يستبق الكارثة حفاظا على أرواح أهله مهما كانت التكلفة، وسفحها الخجل من هذا العقم المزمن الذي جعل الإرادة الشعبية والاختيار الديموقراطي مرادفا لرؤساء جماعات ومدبري شأن محلي أغرقتهم الأمية والفشل قبل أن يصلهم ماء المطر.
في النهاية… الرسالة الأكثر وضوحا وسهولة وقدرة على القراءة، كانت بقدر بساطتها، فيضانا مزمنا يخبرنا في كل مرة، أن تدبير الشأن المحلي يعيش على وقع جفاف مؤبد، وان كل مياه المطر التي داهمتنا خلال هذه الأيام، هطلت على جغرافيات سياسة مغربية، لا تتقن العيش إلا إذا توفر لها المناخ القاحل.
… كانت الرسالة واضحة، بسيطة، وفعالة: القوات المسلحة، عناصر الشرطة والدرك والوقاية المدنية ووزارة الداخلية والكثير من المتطوعين والمواطنين، كانوا يترجمون على الأرض، تلك الكلمة التي طالما رددها المغاربة البسطاء (البلاد عندها مّاليها).
الدولة، تلك الواقعة خارج صناديق الاقتراع والأحزاب وأعيان الانتخابات و”شناقة” الأصوات… تلك الدولة، كانت تبدع في مواجهة كارثة بيئية استثنائية، وتركت للمنتخبين، في النهاية، دورا يليق بالكثير منهم… دور “البرّاح” في الأسواق الأسبوعية الشعبية، يحدث الناس بأن: “قاليكم القايد ردوا بالكم… قاليكم المخزن بعدوا من الواد”.
بينما كانت عناوين الديمقراطية التمثيلية تواصل الجفاف في عز المطر، وبينما كانت بعض قطع الإعلام و”النخبة” المكسرة تحتفي بثقافة “البيصارة” التي أسس لها “سيمو” القصر الكبير، كانت الدولة “ديال بصاح” تعمل “باش تفك هاد الحريرة بسلام”…
تلك ببساطة، هي الرسالة الأهم في كل ما نعيشه اليوم، مع حكاية إجلاء سكان القصر الكبير وغيرها من مناطق المغرب التي واجهت التطرف المناخي الأخير.
هي في النهاية، ليست رسالة بسيطة. هي بكل برود اللغات، عنوان مغرب، يبدو واضحا اليوم، أن عقيدته الأساسية، لم تكن قط الرهان على الديمقراطية التمثيلية أو الديمقراطية التشاركية، وأن كل تفاصيل تدبير حالات الرخاء والشدة، تقع في مجال آخر بعيد كليا عن المؤسسات الناتجة عن تلك العملية الديمقراطية… التي أنتجت في حالة الشدة، كائنا مثل “السيمو”، وفي حالة الرخاء، أمرا جللا اسمه “أخنوش”.
كانت الدولة (ديال بصاح) تدبر حالة الاستثناء المناخي الذي تعيشه البلاد منذ مدة، ولم نكن مهتمين ولا حتى منشغلين بجدوى كل هذا الاستثمار المكلف في المال العام بدعوى بناء ديمقراطية مغربية، نكتشف في كل مرة وكل محطة، أنها حين لا تكون جزءا من المشكل، فهي بالضرورة… ليست جزءا من الحل.
… كانت الدولة، تلك الواقعة خارج صناديق الاقتراع والاختيار الشعبي والتنافس الحزبي، تؤبد فكرة وجودها الضروري في يوميات المغاربة وتقدم نفسها كصمام أمان حقيقي وفعال أمام كل المخاطر، وتهيمن، باستحقاق، على كل مجال الفعل والمبادرة الممكن، بينما كانت كل عناوين الديمقراطية التمثيلية، ومعها كل ما تبقى من حروف المجتمع المدني والإعلام، تقف عاجزة حتى عن “رد الفعل”. وتلك بالضبط، أخطر جمل الرسالة التي كان علينا قراءاتها.
في النهاية، لم ننتبه جيدا لقراءة هذه الرسالة، لأن الإعلام المهيمن اليوم في بلدي، يرتاح أكثر لــ “بيصارة” السيمو، ويجد نفسه أكثر هشاشة وحساسية، أمام دموع أخنوش ومن معه. ولا غرابة في الأمر فمع أخنوش والسيمو “تا يولي كلشي أزرﮒ” (لا نعني لون الحزب بالضرورة).
منذ أعلن (لا نقول قرر) أخنوش خبر نهاية خدمته (السياسية!)، وعدم ترشحه لولاية حكومية ولا حزبية جديدة، بدا وكأن بعض الصحافة في بلدي، قد تحولت فجأة، إلى ما يشبه أخبار الانقلابات العربية القديمة… تلك التي كانت تخبرنا أحيانا أنه قد تم العثور على قائد جيش منتحرا في بيته، بعد أن أطلق ثلاث رصاصات من مسدسه على… رأسه.
عوض مساءلة الخبر (وهو في الحالة هذه، لم يكن خبرا، بل قدرا نزل على رأس الملياردير)، وعوض الوقوف عند بعض الارتباك الذي رافق لحظة إعلان نهاية الخدمة، بدا وكأن الهاجس المسيطر على الإعلام المهيمن، هو النزوع نحو التأسيس لحكاية حزن شعبي ومؤسساتي عميق أصاب الدولة والناس، وحوّل البلد إلى مأتم أقامه أيتام أخنوش.
بدا واضحا منذ البداية، أن الهدف كان هو الانتصار لحكاية قرار شخصي، مستقل وواع، فرضه أخنوش على نفسه وأتباعه، وأن أي تساؤل عن ظرفية (القرار؟) وسياقه ودواعيه، لن يكون إلا نوعا من الوصفة الجاهزة عند “عشاق بيصارة السيمو”: عدمية وشعبوية.
والحال أن…
الحكاية الأصل، لم تبدأ يوم الأحد 12 يناير، أي اليوم الذي أعلن فيه أخنوش نهاية خدمته. الحكاية الأصل، بدأت يوم 11 يناير…
يوم السبت 11 يناير، كان أخنوش يترأس المجلس الوطني “للتجمع الوطني للأحرار”، وكان يخطب في أتباعه ويحدثهم عن الذي “تحقق مع حكومته” وعن الذي ينتظر التحقق. لكن الذي يهمني هنا، هو بالضبط الآلية التي ارتأى أخنوش أنها ضرورية لمواصلة العمل من أجل تحيق ما لم يتحقق بعد.
خلال ذلك اليوم (11 يناير) قال أخنوش حرفيا:
“المكتب السياسي وفقا للمادة 34 من القانون الأساسي للحزب سيدعو غدا إن شاء الله في اجتماعه إلى تمديد انتداب مختلف هياكل الحزب، وذلك حرصا على ضمان استمرارية العمل الميداني دون انقطاع، حيث سنواصل ذلك من خلال تدشين مسار المستقبل بتعميق النقاش العمومي وتوسيع المشاركة عبر إشراك المنظمات الموازية وكافة الفاعلين”.
ثم قال ماذا؟ (على رأي إخوتنا هناك)
يعني… يوم السبت 11 يناير، قرر أخنوش تمديد ولايته وولاية كل أجهزة وهياكل الحزب، أي تأجيل أي مؤتمر ممكن لتجديد هذه الأجهزة ومواصلة عملها إلى أجل غير مسمى، ولكن…
يوم الأحد 12 يناير (من نفس الأسبوع والشهر والسنة) سيقرر، ليس فقط عدم تمديد ولاية أجهزة وهياكل الحزب، وليس فقط، عدم الدعوة لمؤتمر عادي للحزب، بل… سيعلن نهاية خدمته، وسيدعو إلى عقد مؤتمر استثنائي (ﮜـاع).
طبعا… بالنظر لطبيعة أخنوش، وطبيعة الحزب الذي تم تسليمه لأخنوش كي يكون قائده، كان الأمر يفترض بعض أسئلة…
كان الأمر، يفترض على الأقل، محاولة فهم التطورات الدرامية التي يفترض أنها وقعت بين ليلة 11 و12 يناير، والتي نقلت أخنوش من قائد يريد تمديد ولايته وولاية من معه، إلى رجل… “لا ولاية له”.
الذي حدث، عكس ذلك، كان محاولة لتبرير قرارين متناقضين لم تفصل بينهما سوى بضع ساعات بين يومي السبت والأحد. محاولة، بقدر ما كانت أدواتها يائسة ومرتبكة، بقدر ما أكدت للناس حقيقة بسيطة، هي أن لسان أخنوش، كان هو العضو الجسدي الوحيد الذي ساهم في إعلان نهاية الخدمة… وأن الضغط على زر الــ (Game over) تم بأصابع (extracorporel).
في النهاية… الذين يعشقون بيصارة السيمو، لم يحتاجوا لأكثر من دموع كي يواصلوا حفلات “التغماس”.
كان يكفي أن يبكي أخنوش، ويبكي معه رشيد الطالبي العلمي ومن معهما، خلال المؤتمر الاستثنائي بالجديدة، حتى تخرج لنا وصفة صحافية جديدة، تكاد ترقى لما يعرف في المغرب بــ “التعداد على الميت”، وكأن الخبر في النهاية، هو دموع أخنوش والطالبي العلمي، وليس دموع مغرب يفقد يوما بعد يوم، كثيرا من الثقة في مؤسساته وأحزابه وانتخاباته…
الدولة في النهاية، أرسلت رسالتها الواضحة والبسيطة:
الدولة في الفياضانات دايرة خدمتها.
الدولة في مواجهة التطرف المناخي حاضرة وواقفة على شغلها.
ولكن السؤال هو:
شكون اللي دار الخدمة ما بين ليلة 11 و12 يناير، حتى انتقل أخنوش من “قائد” يريد تمديد ولايته وولاية أجهزة حزبه، إلى رجل يبكي ويغادر؟
والسؤال الأهم…
رشيد الطالبي العلمي اللي بكا بالدموع على وداع أخنوش… زعما غايكون بكا بنفس الطريقة والحرقة، حين اكتشف أكثر من 100 عامل، كانوا يشتغلون في شركة “نورفي كوير”، أن مالك الشركة (الطالبي العلمي) لم يُمَكنهم من حقوقهم ولم يصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وأنه تهرب، منذ 1991، إلى غاية 2017، من أداء ضرائب بقيمة 1 مليار و300 مليون للدولة…؟؟
زعما تكون شدّاتو البكية حينها؟؟
ولا يكون شبع ضحك؟
وهذا… بعض من كلام.



