المغربية حورية اسلامي… هذه حكاية أول امرأة قادت رئاسة الفريق الأممي المعني بالاختفاء القسري
من رحم المعاناة الشخصية وفاجعة الاختفاء القسري التي طالت عائلتها، صنعت الحقوقية المغربية حورية اسلامي مسارا استثنائيا حوّلها من مدافعة عن حقوق الضحايا بالمغرب إلى قامة حقوقية دولية تقود إحدى أهم الهيئات التابعة للأمم المتحدة.
في أحد أيام شتاء 1997، بدأت رحلة حورية اسلامي الحقوقية لتصل إلى رئاسة الفريق الأممي المعني بالاختفاء القسري داخل مجلس حقوق الإنسان بجنيف سنة 2014.
مسار لم يكن في الحسبان، إذ إن المناضلة الحقوقية لم تدخل هذا الملف من بوابة المنصب، بل من باب الجرح الشخصي، بعدما اكتوت عائلتها بنار الاختفاء وفقدت أخاها.
من لجنة تنسيق العائلات، ومن المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، الذي ساهمت في تأسيسه سنة 1999، وصلت اسلامي إلى أعلى هرم أممي يعنى بقضايا المختفين قسريا.
طفولة متنقلة
ولدت حورية اسلامي بقرية تويسيت بإقليم وجدة لعائلة متوسطة مكونة من ثمانية إخوة، حيث كان والدها يعمل دركيا.
بحكم عمل والدها، تنقلت حورية اسلامي إلى جانب أسرتها في عدد من مناطق المغرب؛ حيث بدأ مسارها بمدينة الناظور في التعليم الأولي، قبل أن تتجه إلى الجنوب الشرقي للمملكة، لتتلقى تعليمها الابتدائي بأكدز بإقليم زاكورة، ثم المستوى الإعدادي ببومالن دادس بإقليم تنغير، ولتختم مشوارها الثانوي التأهيلي بمدينة ورززات التي حصلت فيها على شهادة البكالوريا علوم تجريبية.
من ورززات إلى فاس، بدأت حورية اسلامي مسارا جامعيا في شعبة الآداب الفرنسي، ثم انتقلت إلى مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة. وبمجرد تخرجها من المدرسة تم توظيفها بقسم الترجمة لدى الأمانة العامة للحكومة، والتي مكثت بها سبع سنوات.
بعد ذلك، ستواصل اسلامي مسيرتها في مجال الترجمة، وهذه المرة من بوابة الإيسيسكو، حيث عملت هناك بقسم الترجمة، ومنذ سنة 2007 عملت بصندوق الإيداع والتدبير في مديرية التواصل.
إلى ردهات الأمم المتحدة
بدأت رحلة حورية اسلامي الحقوقية بمأساة، ففي يوم 29 نونبر 1997، كان شقيقها محمد الذي ناقش حينها أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه، يزورها في شقتها في الرباظ، في لحظة خرج فيها لإجراء مكالمة هاتفية، لم يعد.
كان محمد اسلامي ناشطا سياسيا في كلية الطب بالدار البيضاء، وتم اعتقاله في كثير من المرات، قبل أن يختفي بلا رجعة.
حينها بدأت حورية اسلامي مسارها النضالي.
تحكي حورية اسلامي عند هذه التجربة لمرايانا قائلة: “في بحثي الأول حول اختفاء أخي محمد، كانت المؤشرات كلها تدل على أن الأمر ليس حالة اختفاء عادية، فبدأت أتساءل: هل كانت له أنشطة سياسية؟. لم أتوقف عند التساؤل، بل قدت أبحاثا دقيقة لدى أصدقائه وزملائه ومحيطه الجامعي في البيضاء، ثم وجّهت شكايات إلى عدد من المنظمات الحقوقية، وكانت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في طليعتها”.
تضيف اسلامي:” التحقت سنة 1998 بلجنة تنسيق عائلات المختفين قسريا والناجين من الاختفاء القسري. ومن هناك كان أول اتصال لي بالفريق الأممي المعني بحالات الاختفاء القسري، إذ بعثت إليه نحو عشر شكايات من أسر المختفين، ثم كنت ضمن العائلات المؤسسة للمنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف سنة 1999″.
حين تقدمت حورية اسلامي سنة 2014 بترشيحها لعضوية الفريق الأممي المعني بالاختفاء القسري، كانت قد أمضت نحو سبع عشرة سنة تشتغل على هذا الملف، وتنقلت خلالها بين ثلاث دوائر متدرجة: العمل الجمعوي، ثم المؤسسات الوطنية، ثم الفضاء الدولي.
بدأ كل شيء من داخل العمل الجمعوي. فمنذ تأسيس “المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف” في نونبر 1999، بمشاركة لجنة تنسيق العائلات وبرئاسة إدريس بنزكري، انخرطت في هيئاته، فكانت عضوة بمجلسه الوطني، لتصل إلى مكتبه التنفيذي في ولايته الثالثة، حيث قضت ولاية واحدة.
تصف حورية اسلامي تلك السنوات، التي ناهزت العقد من الزمن، بأنها مدرسة نضالية وسياسية وحقوقية. وفيها شاركت في التحضير لمناظرة نونبر 2001 حول الانتهاكات الجسيمة، التي أوصت بإحداث لجنة للحقيقة والإنصاف، ثم رافقت العائلات في متابعة عمل هيئة الإنصاف والمصالحة بعد 2004. غير أنها، وفق ما روته لمرايانا، لم تعرف مصير أخاها.
بعد ذلك، تولت حورية اسلامي إدارة مؤسسة إدريس بنزكري لحقوق الإنسان والديمقراطية سنة 2010، ثم بانضمامها سنة 2011 إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان ضمن مقاعد المجتمع المدني، بترشيح من منتدى بدائل المغرب الذي كانت في مكتبه التنفيذي، قبل أن ترأسه نصف ولاية.
وفي الدائرة الدولية، التحقت بالائتلاف العالمي ضد الاختفاء القسري، وكانت من مؤسسي الفيدرالية الأورومتوسطية المعنية بالظاهرة، وعملت على حث المغرب وبلدان أخرى على المصادقة على الاتفاقية الدولية المتعلقة بها. ومن هذه الخبرة المتراكمة خرج ترشيحها الأممي.
خلال هذه الفترة، تسترسل حورية اسلامي في حديثها لمرايانا: “كانت لي صلة بالفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي التابع للأمم المتحدة في جنيف، وهو فريق يتألف من خمسة خبراء مستقلين، يمثل كل واحد منهم إحدى المجموعات الجغرافية الخمس”.
كان، حينها، منصب ممثل المجموعة الإفريقية في الفريق شاغرا، بعد أن كان يشغله خبير من جنوب إفريقيا؛ فكانت الفرصة من أجل ترشحها لهذا المنصب. فكرة الترشح كانت فكرة شخصية بعد مشاورة مع رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
كيف جاء ترشحها على رأس الفريق الأممي؟
قرار تعيين اسلامي على رأس الفريق الأممي المعني بالاختفاء القسري جاء يوم الجمعة 18 دجنبر 2015، وبذلك تكون حورية اسلامي أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ الفريق الأممي.
تقول اسلامي لمرايانا: “جاء الترشح لرئاسة الفريق بمبادرة شخصية مني، ثم عزّزه دعم الزملاء الذين اقترحوا عليّ أن أكون أول امرأة تترأس الفريق، بعد 37 سنة على تأسيسه لم يعرف خلالها سوى رؤساء رجال. كانت المهمة صعبة والتحديات كبيرة، فعدد حالات الاختفاء المسجلة بلغ نحو 57 ألف حالة، وكنا في كل دورة نبحث حوالي ألف حالة. وفوق ذلك كله، هناك مهمة أخلاقية تقتضي أن نجد جوابا لهذه العائلات، ولهذه المآسي التي نراها في جميع الدول، ولذلك لا بد أن تسخّر كل قدراتك العقلية والفكرية والأخلاقية”.
تضيف اسلامي: “ومنذ تسلّمي الرئاسة، وضعت خطة عمل للتسريع بدراسة جميع الملفات التي كانت متأخرة من 2010 إلى 2015. كما نظّمنا زيارات إلى مجموعة من الدول التي لم يسبق للفريق أن زارها، إلى جانب العمل على كيفية التواصل والتفاوض مع الدول، وهو جانب لا يقل أهمية عن الملفات نفسها”.
هكذا قادها سؤال شخصي عن مصير أخ مفقود إلى رئاسة هيئة أممية تبحث في مصير عشرات الآلاف، لتصبح قصتها شاهدا على أن الوجع الفردي قد يتحول إلى قضية عامة.



