جماعات صديقة للفتيات: عندما تغير المخططات الترابية الولوج إلى المعلومات والخدمات والحماية - Marayana
×
×

جماعات صديقة للفتيات: عندما تغير المخططات الترابية الولوج إلى المعلومات والخدمات والحماية

جماعات صديقة للفتيات،ومن خلال عشرين جماعة، من بينها خمس جماعات برزت كنماذج متميزة، تتجسد سياسات عمومية ذات بعد إنساني، يصبح فيها الاستثمار في حقوق الفتيات رافعة استراتيجية لتحقيق التنمية المستدامة بجهة الشرق.
تجربة تشكل تحولا عميقا نحو مقاربة أكثر تشاركية، تُدمج فيها أصوات الفتيات تدريجيا في تحديد الاحتياجات ورسم الأولويات، بما يعزز سياسات محلية أكثر شمولا، ويجعل الجماعة شريكا حقيقيا في بناء مستقبل الفتيات والمجتمعات.

“لطالما تم النظر إلى الجماعات الترابية على أنها شبابيك إدارية مكلفة بتقديم الخدمات الأساسية”، تقول لنا نهال بركة، مستشارة جماعية بوجدة.

ومع ذلك، لم تكن انتظارات المواطنين من الجماعات يوما أكبر مما هي عليه اليوم، خصوصا في المناطق التي تواجه سؤال البعد الجغرافي، والتحديات المستمرة على مستوى البنيات التحتية، والآثار المتزايدة للتغيرات المناخية. في هذه المناطق، حيث تظل الرهانات المرتبطة بالولوج إلى الخدمات الأساسية كبيرة، يبقى ولوج الفتيات إلى المدرسة من أبرز الصعوبات.

يؤكد محمد مخفي، مستشار جماعي بأولاد ستوت: “كان نقص المياه يُفرغ أقسام الدراسة تدريجيا من التلميذات: فمن أصل أربعين تلميذا، لم تكن الفتيات يمثلن أحيانا سوى ثماني تلميذات في بداية السنة الدراسية، ثم لا يبقى منهن سوى أربع بعد بضعة أشهر.”

وعندما تغادر الفتيات مقاعد الدراسة، فإن الأمر لا يقتصر على الانقطاع عن التمدرس، بل يمثل تراجعا دائما في فرصهن في الاستقلالية والحماية والازدهار. إذ أن كل سنة تعليمية مفقودة تزيد من هشاشتهن أمام خطر زواج الأطفال، وتحد من فرص ولوجهن مستقبلا إلى سوق الشغل، وتقلص قدرتهن على المشاركة الكاملة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. إلى جانب المسارات الفردية، فإن المجتمع بأكمله يحرم نفسه من طاقة أساسية لتحقيق تنمية عادلة.

في هذا السياق، تفرض الجماعات نفسها كفاعل محوري في التنمية والابتكار العمومي والحكامة الترابية؛ فهي تمتلك إمكانات استراتيجية في بناء المجالات الترابية وتحويل العمل العمومي.

ولأنها مدعوة إلى رسم معالم التنمية المحلية، وتعزيز المشاركة المواطنة، وصناعة مستقبل المجالات الترابية، فإن الجماعات اليوم تحتل موقعا استراتيجيا في ترسيخ الحقوق الفعلية للفتيات، من خلال تحويل العمل العمومي القريب من المواطنين إلى رافعة للإدماج والحماية والمساواة.

تضيف نهال بركة: “نسعى اليوم إلى بناء جماعة ملتزمة، تنتقل فيها الفتاة من وضعية المستفيدة إلى وضعية الفاعلة وصاحبة المبادرة في التنمية المحلية.”

في هذا الاتجاه، شرعت عدة جماعات بجهة الشرق في عملية تحول، لا تهدف فقط إلى تحسين ولوج المراهقات إلى المعلومات والخدمات الأساسية، بل أيضا، إلى تفكيك الحواجز الاجتماعية والمعيارية، وبناء بيئة آمنة تضمن الحماية والمواكبة.

وقد أُطلقت هذه المبادرة تحت قيادة ASTICUDE، في إطار مشروع سفيرة الذي يشرف عليه صندوق الأمم المتحدة للسكان بالمغرب، بدعم من الشؤون العالمية الكندية.

من خلال عشرين جماعة، من بينها خمس جماعات برزت كنماذج متميزة، تتجسد سياسات عمومية ذات بعد إنساني، يصبح فيها الاستثمار في حقوق الفتيات رافعة استراتيجية لتحقيق التنمية المستدامة بجهة الشرق.

في جماعة وجدة، تُكتب اليوم فصول جديدة من التحول الذي تقوده سياسات عمومية تجعل الفتيات في صلب الأولويات الترابية.

في إطار انخراطها في مشروع “الجماعة الصديقة لحقوق الفتيات”، تعمل جماعة وجدة على أن تصبح جماعة منفتحة تقوم على أربعة مبادئ: الشفافية، والمواطنة، والحق في الولوج إلى المعلومة، والرقمنة، وهي كلها مرتكزات تضع الفتيات في قلب التنمية.

وتتبنى البرامج الحالية مقاربة شمولية ومستدامة. فعلى سبيل المثال، تتيح “قافلة الأحياء” الانتقال إلى لقاء المواطنين، ولا سيما اليافعات، من أجل تحديد احتياجاتهن وإدماجها في مخططات التنمية المستقبلية، بما يشمل الإنارة العمومية، وفضاءات الترفيه، والبنيات التحتية السوسيو-ثقافية.

وفي جماعة النعيمة، حيث جرى تحديد بُعد المؤسسة التعليمية كأحد أبرز التحديات أمام تمدرس الفتيات، أصبح النقل المدرسي، المدمج ضمن مخطط التنمية الجماعية، بمثابة جسر حقيقي للحد من الهدر المدرسي وتعزيز الولوج إلى فرص التمكين. وهكذا، لم تعد الحافلة المدرسية مجرد وسيلة للتنقل، بل أصبحت فضاءً آمناً يحمي اليافعات من المخاطر المرتبطة بالتنقلات اليومية.

اليوم، تراجع الهدر المدرسي في صفوف الفتيات بشكل كبير. توضح سهام جردان، مستشارة جماعية، في هذا الإطار: “أصبحت الفتيات قادرات على متابعة دراستهن دون عراقيل كبرى.”

وتقول سارة، التي أصبحت اليوم طالبة جامعية: “بفضل النقل المدرسي، تمكنت من مواصلة دراستي وتعرفت على صديقات جديدات.”

طموحات الجماعة لا تقف عند النقل المدرسي، إذ تبرز “دار الطالبة” كفضاء سوسيو-تربوي متكامل، يجمع بين الإيواء والحماية والتنمية الشخصية.

وتضيف سهام جردان: “إن انخراطنا في مبادرة “الجماعة الصديقة لحقوق الفتيات” مكننا من إدماج مقاربة الحقوق بشكل كامل في سياساتنا المحلية.”

مسار التغيير هذا، يقود بعد ذلك إلى جماعة أولاد ستوت، حيث فرضت قضية الماء نفسها كرهان محوري للتنمية المحلية. في السابق، كانت العديد من الفتيات يضطررن إلى قطع عدة كيلومترات للتزويد بالماء، وهو عبء كان يؤثر بشكل كبير على مواظبتهن على الدراسة، ويقودهن أحيانا إلى الانقطاع المدرسي. أما اليوم، فقد تغير الوضع بفضل مشاريع مهيكلة أُنجزت بشراكة مع مؤسسات مختلفة، ولا سيما تركيب أكثر من أربعين نافورة عمومية، والربط التدريجي لعدد من المنازل بشبكة الماء الصالح للشرب.

كما ساهمت هذه المبادرات في الحد بشكل ملحوظ من الهدر المدرسي وزواج الأطفال.

تقول خديجة، وهي تلميذة في المرحلة الثانوية: “بفضل الجهود التي بُذلت مع الجماعة، أصبحت الفتيات قادرات على مواصلة دراستهن.”

وبالتوازي مع ذلك، أنجزت الجماعة مشاريع مثل “دار المرأة” وبرنامج “الفرصة الثانية”، اللذين يتيحان للفتيات فرصا للتكوين وإعادة الإدماج.

في الناظور، تتواصل هذه المقاربة من خلال مدارس “الفرصة الثانية”، التي تمكن الفتيات اللواتي غادرن المنظومة التعليمية من استئناف دراستهن وبناء مستقبلهن.

وتوضح حنان، البالغة من العمر 17 سنة: “لقد فتحت لي هذه المبادرة آفاقاً جديدة في مجالي التعليم والصحة. واليوم، أقدم الدعم للفتيات الأخريات.”

ويؤكد المستشار محمد الجدي: “لا ينبغي أبدا أن يختفي الحق في الحلم.”

كما تدعم الجماعة مراكز للتكوين ومبادرات مثل “منصة الشباب”، التي توفر للفتيات المواكبة والتمويل المباشر لتطوير مشاريعهن، دون اللجوء إلى الاستدانة.

وتقدم جماعة بركان بدورها نموذجا لافتا، حيث طورت مراكز للتكوين من أجل تعزيز ولوج الفتيات إلى سوق الشغل، ولا سيما اللواتي يوجدن في وضعية هشاشة.

من جهة أخرى، أدمجت هذه الجماعة بُعد حقوق النساء ضمن سياسة التهيئة الحضرية، وجعلت من الإنارة العمومية ركيزة أساسية في استراتيجيتها الخاصة بـ”المدينة الآمنة”، بهدف تعزيز الأمن في الفضاء العام والوقاية من العنف الحضري، ولا سيما ضد النساء والفتيات.

ويؤكد إبراهيم فتشات، مستشار جماعي: “رفعنا عدد نقاط الإنارة من خمسة آلاف إلى خمسة عشر ألف نقطة، من أجل ضمان الحماية والأمن.”

وتضمن الإنارة الشاملة المحيطة بالمؤسسات التعليمية وفي الأحياء للفتيات والشابات حرية التنقل بأمان.

وتقول إيمان، البالغة من العمر 19 سنة، والمستفيدة من أحد مراكز التكوين ببركان: “اليوم، ومع وجود الإنارة حول المؤسسة وفي الحي، أصبح بإمكاني التنقل بطمأنينة أكبر. بالنسبة إلي، لا يتعلق الأمر فقط بوجود الإنارة في الشارع، بل بإمكانية مواصلة أنشطتي، والعودة إلى منزلي دون خوف، والشعور بأن المدينة تفكر أيضاً فينا نحن الفتيات.”

وهكذا، تُجسد تجربة جماعات جهة الشرق تحولا عميقا نحو مقاربة أكثر تشاركية، تُدمج فيها أصوات الفتيات تدريجيا في تحديد الاحتياجات ورسم الأولويات، بما يعزز سياسات محلية أكثر شمولا، ويجعل الجماعة شريكا حقيقيا في بناء مستقبل الفتيات والمجتمعات.

 

 

تم نشر هذا المقال ضمن العدد الرابع لمجلة Resilience والذي تم إنجازه في إطار مشروع سفيرة، الذي يشرف عليه صندوق الأمم المتحدة للسكان بالمغرب، بدعم من الشؤون العالمية الكندية.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *