مراد الرايس… القرصان الهولندي الذي أسس “جمهورية سلا” - Marayana
×
×

مراد الرايس… القرصان الهولندي الذي أسس “جمهورية سلا”

لا تزال إحدى بلديات الجزائر تحمل اسم “مراد الرايس”، تكريما لشخصية اختارت من القرصنة والجهاد البحري سبيلا نَحو الانتقام من السياسات الاستعمارية والطرد المتوحش لمسلمي الأندلس.
لم يكن مراد الرايس مجرد قرصان، بل كان ديبلوماسيا محنكا، يتقن العديد من اللغات، بل ولعب دورا حاسما في صراعات السلطة التي عرفتها الدولة السعدية.
عُلو وشموخ وسطوة الراس بدأت من المغرب، واختار في آخر أيامه أن يعود إلى المغرب، البلد الذي احتضنه واحترمه ورقاه في أعلى مراتب الدولة.
في هذا البورتريه، نفصل بعض خيوط حكاية قرصان هولندي حكم جمهورية سلا.

شكل البحر الأبيض المتوسط، لعقود طويلة، مجالا للصراع بين العالمين الإسلامي والمسيحي، كبد خلالها البحارة المسلمون السُّفن البحرية الأوروبية خسائر كبيرة، مستغلين في ذلك تحول جزء كبير من التجارة العالمية صوب المحيط، وبسط البحارة بذلك سيطرتهم على الحوض الفاصل بين القارتين الأوروبية والأفريقية.

هيمنة، قادها بشكل أكبر مع بداية القرن الخامس عشر، مجموعة من القراصنة، كان على رأسهم مراد الرايس، الذي دفعه الفقرُ والحاجة إلى ممارسة القرصنة، ليُصبح من أهم علامات حركة القرصنة البحرية في المغرب والجزائر وتونس.

البدايات… من بلاد الأراضي المنخفضة

جان جانزون فان هارلم، أو الكابتان جون أو مراد الرايس… أسماء وألقاب لشخصية واحدة، ولدت بهولندا سنة 1575 بمدينة هارليم الواقعة في شمال هولندا لعائلة مسيحية.

لا تذكر المصادر التاريخية الكثير عن طفولة أو نشأة مراد الرايس، ما عدا أنه ترعرع ونشأ في هذه المدينة، وبها تزوج في سن مبكرة فتاة تدعى ساوتغينكايفيس وأنجب منها طفلة.

مع مطلع القرن 17، كان البحر الأبيض المتوسط ساحة للقرصنة، وبسبب عشقه للبحر، اختار الرايس الانخراط مبكرا في سن الخامسة والعشرين في أعمال القرصنة، متنقلا بين الموانئ في خدمة الدولة الهولندية، حيث كان مُكلفا بتعقب القراصنة، بالإضافة إلى استهداف السفن الإسبانية خلال حرب الثمانين عاما بين الدولتين الهولندية والإسبانية.

لم تكُن هذه الوظيفة تحقق لمراد الرايس دخلا مربحا بشكل كاف. لذلك، قرر أن يصبح قرصانا، وأن يُوسع من نشاطاته إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط.

من الأسر إلى تأسيس “جمهورية بورقراق” بسلا

لهذا الغرض اقتنى مراد الرايس سفينة بسيطة وبدأ في عمله الجديد حوالى سنة 1600م.

لم يكُن مراد الرايس في بداية نشاطه يُفرق بين السفن، إذ كانت غايته أن يجمع أكبر قدر من الذهب والأموال…

حول ذلك، يقول الكاتب الأمريكي بيتر لامبورن ويلسن، صاحب كتاب “يوتوبيا القراصنة“: “لم تكُن تهمه السفن المسيحية أو الإسلامية أو غيرهما. لكنه كان يفضل الإغارة على السفن الإسبانية انتقاما منها ومن عقليتها الاستعمارية”.

كان الرايس يضع العلم الهولندي على سفينته حين يهجُم على سفن المسلمين، وعندما يهاجم السفن الأوروبية، كان يرفع العلم العثماني من أجل التمويه، قبل أن يسقط في الأسر من طرف البحارة العثمانيين سنة 1618، قبالة جزر الكناري الإسبانية، ومن هناك تم نقله لأحد سجون الجزائر العثمانية.

لحظة السجن هاته، كانت مرحلة فاصلة في حياة مراد الرايس، حيث التقى هناك بسجنه، بحارا آخر من أصول هولندية، هو البحار سليمان الرايس، والذي كان أحد قادة الأسطول البحري العثماني بإيالة الجزائر، والذي أسهم في إسلام مراد الرايس وإطلاق سراحه. حينها بدأت رحلة الثنائي في القرصنة.

توسعت نشاطات الرجلين، وظلا ينشطان في مجال القرصنة والجهاد البحري ضد السفن الأوروبية، إلى أن أصبح مراد الرايس، لشجاعته، قائدا بحريا في صفوف الأسطول العثماني الجزائري، قبل أن تؤثر اتفاقيات السلام والحماية التي وقعتها إيالة الجزائر العثمانية مع العديد من الدول الأوروبية على مصالحه، إذ لم تعد مرافئها مناسبة لبيع السفن المحتجزة أو حمولتها، علاوة على مقتل قائده الرايس سليمان سنة 1619.

حينها، قرر مراد الرايس التوجه إلى ميناء سلا… وهناك بدأت حكاية جديدة.

رحيل مراد الرايس إلى مدينة سلا سيتزامن مع إصدار ملك إسبانيا فيليب الثالث، مرسوم طرد المورسكيين عام 1609.

حينها، احتضن المغرب الهجرة الجماعية للمورسكيين في مناطق مختلفة منه، وكانت مدينة سلا، باعتبار موقعها، واحدة من أهم محطات الاستقبال.

قبل الحديث عن تأسيس مراد الرايس لجمهورية سلا أو بورقراق، لا بد من الإشارة إلى حدث تاريخي هام سيكون له ما له في تأسيسه الجمهورية خلاله وصوله إلى المغرب.

يتعلق الأمر بهجرة الهورناتشوس (مسلمو منطقة اكسترامادورا). اختارت عشيرة “الهورناتشوس” من الموريسكيين الاستقرار بالضفة الجنوبية لنهر أبي رقراق بسلا.

قدومهم سيغير من وجه مدينة سلا، باعتبار أن هؤلاء كانوا أثرياء، جلبوا معهم أموالهم عكس باقي مسلمي الأندلس، إضافة إلى قوتهم وصلابتهم في الحرب. بذلك، أدخلوا معهم إلى سلا، خبرتهم في الميدان البحري من حيث صناعة السفن البحرية وصيانتها، وهو ما سيستفيد منهُ مراد الرايس في تأسيس الجمهورية.

في البداية، كان مراد الرايس ينتقل من المغرب الأقصى إلى المغرب الأوسط، قبل أن يتعرف على الموريكسيين الذين عادوا من إسباينا. حينها، وانتقاما من الإسبان، بدأ التعاون بين الطرفين عبر أنشطة الجهاد البحري وأعمال القرصنة والاستيلاء على السفن البحرية والتجارية الإسبانية.

استفاد مراد الرايس من مرسى سلا وأطلق من هناك حملاته ضد الاسبان، ومنها حملته على جزر الكناري، التي نجح خلالها في نهب مدينة لانزروت وأسر ما يقارب 300 شخص.

مهاراتُ مراد الرايس في القرصنة وانتصاراته في حوض البحر الأبيض المتوسط، وصل صداها إلى السلطان المغربي مولاي زيدان، وهو ما جعل هذا الأخير يعينه حاكما لسلا سنة 1624، حسب كتاب “يوتوبيا القراصنة”.

من جانبه، يذكر عبد الله بوصوف في مقال له على جريدة هسبريس أن “السلطان بن زيدان الناصر استعان بالأورناتسيوش في حربه ضد أخيه الشيخ المأمون، المتحالف مع الإسبان؛ وهو ما ساهم في ترسيخ قوتهم بالمدينة واستقلالهم عن السلطة المركزية”.

خلال ذلك، ظهرت شخصية مراد الرايس، حسب بوصوف، إذ سيصبح القاسم المشترك لمرحلة تاريخية مهمة، ودينامو سياسي ودبلوماسي مهم، خاصة إذا صحت فرضية زواجه من ابنة السلطان زيدان سنة 1624م. ما يقوي هذا الزواج هو تصادفه مع رئاسته لجمهورية بورقراق 1624 /1627، وهو ما سيجعل من مراد الرايس حليفا عسكريا ونائبا للسلطان وقائده في جمهورية سلا، وأيضا الأمين على تحصيل العشر من الغنائم لصالح خزينة الدولة السعدية.

عرفت فترة رئاسة مراد الرايس لجمهورية سلا نجاحا باهرا، حيث ساهم في تعزيز نشاطها الاقتصادي من خلال أنشطة الجهاد البحري والقرصنة، وتحوليها قاعدة لذلك، قبل أن يُعلن رحيله عن المدينة اتجاه الجزائر العثمانية سنة 1627.

استمرت حملات مراد الرايس، كما وسع من نطاق نشاطه البحري إلى شمال المحيط الأطلسي، وسيصل خلالها إلى إسلندا وكورسيكا وسردينيا.

سنة 1635، سقط مراد الرايس في أسر فرسان مالطا، التابعين للقديس يوحنا بالقرب من الساحل التونسي، والذين كانوا يتخذون من مدينة طرابلس قاعدة لهم بالقرب من الساحل التونسي.

قضى مراد الراس خمس سنوات في جزيرة مالطا، تعرض خلالها للتعذيب وسوء المعاملة، قبل أن ينجح العثمانيون في تحريره سنة 1640، ويعود إلى المغرب شيخا سبعينيا مثقلا بالتجارب والآلام النفسية والصحية، واختار في أيامه الأخيرة أن يقطن المغرب البلد الذي رفعه إلى أعلى المراتب.

عينه السلطان المغربي حاكما لمنطقة الواليدية، إلى أن توفي حسب بعض المصادر سنة 1641، ليُنقل جثمانه، بطلب من الجنرال دوغول، إلى فرنسا سنة 1961.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *