“تاشناقت 26” الوباء الذي قزّم الكوفيد
ملايير “المخطط الأخضر” والمحروقات ربما كانت بمثابة قص شريط المضي في طريق اللاعودة، بوابة “تاشناقت” التي أدخلت المجتمع جحيم الجشع والطمع وباقي الخطايا المميتة.
“الوقت غلات.. كلشي غلا ماشي غير الحولي”.. خطاب وفكر اقتصادي ومعاملاتي جديد عملته الفوضى وقانونه الفساد في ظل غياب رقابة حقيقية للسوق وللسلع.
بداية، لا بد من الوقوف على معنى كلمة “تاشناقت” المرتبطة أساساً بالشناق؛ فبحسب “لسان العرب” الشنّاق هو الشخص الذي يجذب خطام الدابة ويكفّها بزمامها إلى الأعلى ليتملكها ويتحكم في حركتها، فيقال “شنَقَ الدابة أو البعير”، و”شَنَّاق” على وزن (فَعَّال) هو الشخص الذي يمارس هذا الفعل بكثرة.
والكلمة ـ عكس ما يظنه الكثيرون ـ عربية فصيحة وليست عامية أو دخيلة، في حين أنها ارتبطت بالدارجة لتداولها في أسواق المواشي، وتحديداً في الوقت الذي كان فيه الفلاحون يعانون عند دخولهم الأسواق مع سماسرة يمنعون عملية بيعهم للمواشي بإمساكهم لشناقها (أي حبالها)، قبل إرغامهم على بيعها لهم بأقل ثمن في باب السوق، لإعادة بيعها داخله بثمن أعلى بكثير. وهذه هي اللصوصية، أو لنقل: “تاشناقت”.
وللأسف، لم تعد “تاشناقت” مقتصرة فقط على لصوص تجارة المواشي أو من يمتهنونها متجردين من الأخلاق، بل إنها تطورت بتطور أولئك اللصوص من شكلهم الكلاسيكي المفضوح إلى أشكال متعددة خفية، انتشرت في المجتمع في غفلة منه.
وباعتباره وباءً خفياً لم نستشعر حلوله إلا بعد فوات الأوان، نجد أن المواشي خلال السنوات الأخيرة هي من ضحت، بل وجاهدت من أجل إيقاظنا من غفلتنا وإزالة الغشاوة عن أعيننا، صائحة في كل ركن من البلاد وبصوت واحد موحد: “بااااع-وكم-“. حتى من لم يكن في أذنه صمم والتقط الصوت، ضيع شفرة تفكيك الرسالة؛ لأن المواشي لم تقصد “شناقة” الرحبة فقط.
نعم، لقد انتشر الوباء بظاهرة الحث ودون تماس، فاستنبط الكل الفكرة الشيطانية للربح الأعمى ومضى في تطبيقها بائعاً سلعتَه، حتى إذا ما افتقر الشخص لأي سلعة، باع نفسه… ولو للشيطان.
ملايير “المخطط الأخضر” والمحروقات ربما كانت بمثابة قص شريط المضي في طريق اللاعودة، بوابة “تاشناقت” التي أدخلت المجتمع جحيم الجشع والطمع وباقي الخطايا المميتة. “الوقت غلات.. كلشي غلا ماشي غير الحولي”.. خطاب وفكر اقتصادي ومعاملاتي جديد عملته الفوضى وقانونه الفساد. ففي ظل غياب رقابة حقيقية للسوق وللسلع، أضحى من الطبيعي اعتماد “ضريب الفال” وطلب أثمنة غير مبنية لا على هامش ربح ولا مقاربة رأس مال.
سوق الخضر ـ مثلاً ـ تشهد فوضى خانقة، يباع فيها المشتري ويستباح جيبه أسبوعياً. أما سوق اللحوم المرتبطة بالمواشي و”ديناصورات” المجال التي راكمت ثروات خيالية وأسهمت بأكبر قدر في انتشار الوباء، فقد أحلت دماء المواطنين بامتصاص عروقهم عبر ارتباطها المباشر بالجزارة و”كرنة اللحوم”، قبل أن تفقدهم آدميتهم وتحولهم من أبرياء إلى مجرمين أيضاً.
كيف لا وبيننا كمواطنين من هو أستاذ بات يعطي دروساً خصوصية بتسعيرة “درهم للثانية”، وحلاق يقص الشعر بـ “درهم للزغبة”، وسائق طاكسي يقبض “درهماً عن كل لفة عجلة”… وسياسي بـ “درهم للحرف المنطوق” ولو سراً في قرارة نفسه، رغم أنه يمتلك الحق كله ما دام من الفئة الناجية المرابطة على احترام القانون، لأنه ببساطة يشتري الأصوات من سوق الجملة قبل أن يعيد بيعها بالتقسيط!
كثيرة هي المجالات التي فتك بها وباء “تاشناقت”، بل منعدمة تقريباً هي تلك التي لم يأتِ عليها؛ وباءٌ أبرزُ أعراضه الجشع، وآخر مراحل مرضه انعدام الرحمة. وباءٌ سيتطلب بكل تأكيد أمداً طويلاً للوصول إلى لقاح مضاد له، دون أي حاجة للكلام عن تكلفة ذلك… لأن الأطباء كانوا أول من أُصيب به ومنذ زمن بعيد.


