النظام السجني الأمريكي: حين انتقل السود من عبيد إلى سجناء - Marayana
×
×

النظام السجني الأمريكي: حين انتقل السود من عبيد إلى سجناء

في تحليلها لواقع النظام السجني الأمريكي، تضع أنجيلا ديفيس السجن في قلب النقد الاجتماعي، بوصفه أداة لاستدامة السيطرة، لا لتحقيق العدالة.
الجسد الأسود والأنثوي يُدار داخل منظومة تُعيد إنتاج العبودية بوسائل قانونية، وتحول العقاب إلى لغة للهيمنة.

في كل مرة يُفتح فيها ملف السجون في الولايات المتحدة، يظهر تناقض صارخ بين صورة العدالة كما تروّجها المؤسسات الرسمية، والواقع الذي يكشف عن بنية اجتماعية تُدار عبر الخوف والإقصاء.

منذ القرن التاسع عشر، ظل السجن أداة لإعادة تنظيم المجتمع لا لإصلاحه، فانتقل من كونه عقوبة محدودة إلى مؤسسة ضخمة تمتص الفائض البشري وتعيد توزيع السيطرة الطبقية والعرقية والجندرية. هذا ما تناوله كتاب أنجيلا ديفيس ?Are Prisons Obsolete بوصفه سؤالاً جوهرياً حول معنى العدالة في زمن تتكاثر فيه الأسوار أكثر مما تُبنى المدارس والمستشفيات.

تنطلق ديفيس من ملاحظة بسيطة: لم يعد السجن في أمريكا مكاناً استثنائياً، بل جزءاً من الحياة اليومية. ملايين البشر يعيشون داخل جدرانه أو في ظله. أسرٌ بأكملها تعيش على هامش وجود سجني، سواء بالاعتقال المباشر أو بالوصم الاجتماعي الذي لا ينتهي مع نهاية العقوبة. بهذا المعنى، لم يعد السجن ردّاً على الجريمة، بل وسيلة لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي، فمن يُحبس ليس دائماً من ارتكب الجريمة، إنما من جسّد ملامح الهامش: اللون، الفقر، الانتماء الجغرافي، أو حتى النوع الاجتماعي.

من إرث العبودية إلى هندسة العقاب

تستحضر ديفيس التاريخ لتبيّن أن النظام السجني الأمريكي لم ينشأ من فراغ. بعد إلغاء العبودية عام 1865، نصّ التعديل الثالث عشر في الدستور على منع الاستعباد، لتتحول السجون إلى الامتداد القانوني للعبودية. آلاف الرجال والنساء السود اعتُقلوا بتهم بسيطة، ثم أُجبروا على العمل في المزارع والمناجم لصالح شركات خاصة. بذلك، لم ينتهِ نظام الاستعباد، بل غيّر شكله، محتفظًا بجوهره: السيطرة على الجسد الأسود وتحويله إلى قوة عمل قسرية.

مع بدايات القرن العشرين، أخذت هذه البنية بعداً جديداً، مع صعود الرأسمالية الصناعية والحاجة إلى ضبط العمالة المتقلبة. السجن لم يكن فقط وسيلة للعقاب، إنما أيضاً أداة لتنظيم اليد العاملة وتدريبها وفق منطق الانضباط، وتحوّل مفهوم “الإصلاح” إلى شعار يُغطي استمرار المنظومة نفسها.

في هذا السياق، تقرأ ديفيس السجن كإحدى المؤسسات التي ورثت وظيفة العبودية: إنتاج الطاعة وتثبيت السلطة.

ديفيس تشرح أن تطور السجون في الولايات المتحدة ارتبط بانتقال الدولة من مرحلة الزراعة إلى الصناعة، ومن ثم إلى اقتصاد الخدمات: كل تحوّل اقتصادي كان يتبعه تعديل في شكل العقوبة، فحين تراجعت فرص العمل، تضاعفت أعداد السجناء. وفي كل مرحلة، وُجدت فئة اجتماعية تُحمَّل مسؤولية الأزمة: السود في البداية، ثم النساء الفقيرات والمهاجرين.

هكذا تتجدد وظيفة السجن كآلية لإعادة تعريف من يستحق أن يُعتبر “مواطناً كاملاً”.

المُجمّع الصناعي السجني: اقتصاد الخوف

في النصف الثاني من القرن العشرين، ومع صعود النيوليبرالية، دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة من خصخصة العقاب. بدأت شركات الأمن والمقاولات والاتصالات تتعامل مع السجن كسوق مربحة. تحوّل “المُجمّع الصناعي السجني” إلى منظومة اقتصادية متكاملة، تُشغّل ملايين العاملين وتستهلك مليارات الدولارات سنوياً، كل سجين يعني عقداً جديداً، وكل زنزانة تُترجم إلى أرباح.

تشير ديفيس إلى أن هذا النظام يعتمد على آلية دقيقة لإدامة نفسه: إنتاج الخوف. الإعلام يضخّ صور الجريمة، والسياسيون يوظفونها لتبرير تشديد العقوبات، والشركات الخاصة تترجم ذلك إلى استثمارات جديدة. بذلك، تتكوّن دائرة مغلقة لا يمكن كسرها بسهولة: الخوف يولّد تمويلاً، التمويل يبني مزيداً من السجون، والسجون تحتاج إلى مزيد من السجناء لتبرير وجودها. في هذه الدورة، يصبح المواطن مادة أولية لصناعة الأمن، ويُختزل الجسد الإنساني إلى رقم في ميزانية الدولة.

النتيجة أن الولايات المتحدة، التي تمثل خمسة بالمئة من سكان العالم، تحتجز أكثر من عشرين بالمئة من سجناء الكوكب. هذه الأرقام لا تعكس مستوى الجريمة، بل مستوى الاعتماد على السجن كآلية حكم، في هذا المناخ، يُعاد إنتاج العنصرية في ثوب قانوني، ويُختزل الحل الاجتماعي في فكرة العقاب بدل العدالة.

الجسد الأسود: هدف السيطرة ومسرحها

لا يمكن فهم هذا النظام دون النظر إلى موقع السود فيه. تبيّن ديفيس أن الجسد الأسود هو المساحة التي تُجرَّب عليها أدوات السيطرة الحديثة، فمنذ الحقبة الاستعمارية، ارتبطت فكرة “النظام” في المخيال الأمريكي بضرورة ضبط السود، كأنّ وجودهم في ذاته تهديدٌ للاستقرار. لذلك، تحوّل الاعتقال إلى وسيلة لإدارة الهوية أكثر منه لمواجهة الجريمة.

الإحصاءات تكشف أن الرجال السود يُسجنون بمعدل يفوق ست مرات نظراءهم البيض، وأن الشباب السود أكثر عرضة للاعتقال من أي فئة أخرى. هذا التفاوت لا يفسَّر بالانحراف الفردي، إنما بالتمييز البنيوي الذي يربط بين السواد والانحراف. الشرطة لا تتعامل مع الجريمة كمخالفة قانونية، بل كمؤشر عرقي. وهكذا يُعاقب السود على صورتهم الاجتماعية قبل أفعالهم.

تشرح ديفيس أن هذا المنطق يجعل من الحيّ الأسود مساحة مراقبة دائمة، تُدار كمنطقة حرب داخلية. في هذه المناطق، تُختزل المواطنة في الخضوع، ويُحوَّل العنف اليومي إلى واقع مألوف. الدولة لا تواجه أسباب الفقر والعنف، بل تردّ عليهما بالاعتقال، مما يعمّق الدائرة نفسها. وحين يخرج السجين من الزنزانة، يجد نفسه أمام سجن آخر اسمه الوصم الاجتماعي: لا عمل، لا سكن، لا حق في التصويت. بذلك، يصبح الإفراج مجرّد انتقال من حبس مادي إلى حبس رمزي.

النساء والسجن: جسد مضاعف في القمع

في الفصل المخصّص للنساء، تقدّم ديفيس إحدى أكثر قراءاتها جرأة. ترى أن النظام السجني يعيد إنتاج العنف الأبوي داخل مؤسسة الدولة، فالسجن صُمم أصلاً لاحتياجات الرجل، وجرى تطبيقه على النساء دون اعتبار لاختلاف السياقات، تُسجن النساء لأسباب ترتبط في الغالب بالفقر، أو الدفاع عن النفس في حالات العنف الأسري، أو الانخراط في تجارة صغيرة لتأمين العيش. ومع ذلك، تُعامَل قضاياهن كجرائم أخلاقية قبل أن تُعامَل كجرائم قانونية.

داخل السجن، تتضاعف معاناتهن بسبب البنية الذكورية التي تنظر إلى الجسد الأنثوي كمصدر للفوضى. التفتيش الجسدي المهين، الحرمان من الرعاية الصحية، العزلة الطويلة، والفصل عن الأبناء، كلها أشكال من السيطرة التي تجرّد المرأة من إنسانيتها. وتشير ديفيس إلى أن النساء السود واللاتينيات يتعرضن لأعلى معدلات العقوبة، ما يعكس تداخلاً بين التمييز العرقي والنوعي.

غير أن ديفيس لا تكتفي بوصف المأساة، بل تلتقط من داخلها لحظات مقاومة، فالكثير من السجينات أسسن حركات للدفاع عن الحقوق، ونجحن في تحويل الزنازين إلى فضاءات تضامن. هذه التجارب الصغيرة تكشف عن إمكانية إعادة تعريف الحرية داخل أماكن يُفترض أنها نقيضها.

من هنا يصبح نقد النظام السجني جزءاً من النضال النسوي نفسه، لأن التحرر من الجدران مرتبط بتحرير الجسد من التراتب الأبوي والاقتصادي.

خطاب الإصلاح واستمرار السيطرة

منذ السبعينيات، ارتفع صوت المطالبين بإصلاح السجون، وظهرت شعارات مثل “إعادة التأهيل” و“إدماج السجناء”. غير أن ديفيس ترى في هذه الخطابات شكلاً من أشكال التمويه، فالإصلاح لا يغيّر جوهر المؤسسة، بل يجمّلها. البرامج التعليمية والعمل داخل السجن لا تهدف إلى تحرير السجين، إنما إلى جعله أكثر قابلية للطاعة. وهكذا يتحول “الإصلاح” إلى وسيلة لتطبيع النظام نفسه.

تنتقد ديفيس أيضاً فكرة أن العدالة تُقاس بصرامة العقوبة. فكل تشديد في العقاب يُقدَّم للرأي العام بوصفه حماية للمجتمع، بينما هو في الواقع تعزيز لسلطة الدولة. إن الخوف من الجريمة يُستثمر سياسياً لتبرير توسيع الجهاز العقابي، فيتضخم السجن كجهاز إداري حتى يغدو دولة داخل الدولة، وهذا التراكم يجعل السؤال عن العدالة يتحول إلى سؤال عن السيطرة: من يحمي من، ومن يحكم من؟

الإعلام وصناعة الرضا

في المشهد الأمريكي، يلعب الإعلام دوراً مركزياً في تثبيت فكرة السجن كضرورة: المسلسلات، نشرات الأخبار، والأفلام تصوغ وعياً جمعياً يرى في العقوبة ضماناً للأمان. تُغذّى المخيلة الشعبية بصور السجين كوحش أو مجرم بالفطرة، ما يجعل الجمهور متواطئاً مع منظومة الإقصاء، وهكذا يُبنى الرضا الاجتماعي حول سياسات العقاب، ويُغلق باب النقاش حول البدائل.

تؤكد ديفيس أن هذا المخيال الجمعي جزء من بنية السيطرة؛ فحين يُختزل الشر في “الآخر”، يُبرّر النظام عنفه دون مساءلة. الإعلام هنا لا يكتفي بتغطية السجون، بل يخلق مبررها الأخلاقي. والجمهور، حين يخاف، يطلب المزيد من الجدران. في هذا المناخ تُهمَّش الأسئلة الجوهرية حول العدالة والمساواة، ويُستبدل النقاش العام بخطاب أمني مهيمن.

نحو عدالة بلا أسوار

ديفيس لا تطرح إلغاء السجون كمطلب شعاراتي، بل كمشروع أخلاقي وسياسي لإعادة تعريف العدالة، وما تقترحه هو عدالة “تحويلية” تقوم على الترميم لا الانتقام، وعلى إصلاح الجرح الاجتماعي لا تعميقه. فالعنف لا يعالج بالعنف، والفقر لا يُحاصَر بالأسوار. من هذا المنظور، يصبح إغلاق السجون خطوة نحو بناء مجتمع لا يحتاج إليها.

تدعو ديفيس إلى استثمار موارد الدولة في التعليم والرعاية الصحية والسكن والعمل، لأن تلك المجالات تشكل البنية الوقائية الحقيقية ضد الجريمة، وتشدد على أهمية دعم المجتمعات السوداء والنساء عبر سياسات تستعيد الثقة بين المواطن والمؤسسة، بدل تحويل كل خطأ فردي إلى مبرر للعقاب الجماعي. العدالة التي تنشدها ليست ترفاً نظرياً، بل شرطاً للكرامة الإنسانية.

في نهاية تحليلها، تكتب ديفيس أن السجن مرآة تعكس عيوب المجتمع أكثر مما تصلحها، فكل جدار جديد يُبنى يشهد على فشل الدولة في معالجة جذور الظلم. من يطالب بعدالة أعمق عليه أن يجرؤ على تخيّل عالم بلا سجون، لأن استمرارها يعني استمرار النظام الذي يحتاج إليها ليبقى، الحرية لا تُقاس بخروج الفرد من الزنزانة، بل بقدرته على العيش في مجتمع لا يحكم عليه مسبقاً.

النظام السجني الأمريكي يقدّم نموذجاً صارخاً لتشابك السلطة والاقتصاد والعنصرية والجندر في منظومة واحدة. ما تكشفه ديفيس هو أن السجن ليس خطأ عارضاً في بنية العدالة، بل نتاجها المنطقي حين تنفصل عن المساواة. ومن هنا تأتي قوة سؤالها: “هل السجون قد أصبحت بالية؟” لأن الجواب، أياً كان، يختبر استعداد المجتمع لإعادة اختراع مفهوم الحرية ذاته.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *