من فاس إلى الصويرة.. “الملاح” كشاهد على قرون من المواطنة المشتركة
“الملاح في السياق المغربي.. الذاكرة والهوية والفضاء الحضري”، هو عنوان ندوة انعقدت بالرباط على هامش الدورة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب.
الندوة كشفت عن بعض خصوصيات أحياء “الملاح” في عدد من المدن المغربية، كونُها مجالا وفضاء للذاكرة المغربية، وأمكنة ساهمت في بناء اقتصاد وحضارة المملكة.
لم تكن أحياء “الملاح” بالمدن المغربية العتيقة، مجرد جدران شهادة على مرور المكون اليهودي بالمغرب، بل شكلت فضاء للتعايش والعيش والمشترك وعنوانا للهوية المغربية المتعددة.
لا يمكن الحديث عن فسيفساء الهوية المغربية دون الوقوف عند عتبات “الملاح“؛ ذلك الفضاء المكاني الذي جسد على مر العصور أسمى معاني الجوار المشترك بين المسلمين واليهود.
في مدن المغرب العتيقة، يشكل حي الملاح ذاكرة حية تختزل فصولا من تاريخ ضارب في القدم. فهذه الأحياء، والتي أسست لتكون مقرا للمغاربة اليهود ، لا تزال جدرانها وأزقتها الضيقة تفوح بروح العيش المشترك.
التجوال اليوم بحي الملاح هو بمثابة رحلة عبور نحو الزمن، حيث تتجاور المعابد اليهودية مع المحلات التقليدية، في لوحة عمرانية تعكس فرادة الهوية المغربية المتعددة الروافد، والتي جعلت من المكون اليهودي جزءا لا يتجزأ من مكونات الشخصية الوطنية.
الملاح… أصل التسمية
تتضارب الروايات وتختلف حول أصل تسمية الأحياء التي كان يقطن بها اليهود المغاربة بـ”الملاح”، إذ يُرجح البعض أن تسمية الملاح مركبة من كلمتين: “الماء” و”لاح“؛ بمعنى ألقى، وعند الجمع بين الكلمتين يكون المعنى هو “من رماهم الماء“، والذي يشير إلى تاريخ وصول اليهود من إسبانيا عبر البحر بعد فرارهم من محاكم التفتيش.
في المقابل، تشير الروايات الأكثر ترجيحا إلى أن هذه التسمية لا ترتبط باليهود، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن حي الملاح سمي بهذا الاسم لأن أول حي يهودي تم بناؤه في المغرب كان في مدينة فاس، في منطقة كان يُجمع فيها الملح من أجل تصديره عبر القوافل لأوروبا، وتحديدا في فترة المرينيين، قبل أن تعمم التسمية على كل التجمعات السكنية لليهود بالمغرب.
حكايات من حي الملاح
دافيد طوليدانو، الكاتب العام للطائفة اليهودية بالرباط، يقول إن: “الحضور اليهودي في المغرب يمتد لأكثر من ألفي سنة، ويعتبر العبرانيون أنفسهم مغاربة دون أي مجال للتفاوض، ورغم أن أكثر من مليون يهودي من أصول مغربية يعيشون اليوم في الخارج، فإن علاقتهم بالمغرب لا تزال عميقة، حيث يزورنه بشوق كبير ويحنون إليه بصدق”.
دافيد طوليدانو، أضاف خلال ندوة حول موضوع “الملاح في السياق المغربي.. الذاكرة والهوية والفضاء الحضري“، والتي نظمت على هامش فعاليات الدورة 31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، أن اليهود كانوا يعيشون في مختلف الحواضر المغربية (فاس، مراكش، تطوان، مكناس…)، علاوة على حضورهم في المدن القريبة من الموانئ، بل وتواجدوا كذلك في مختلف المراكز الهامشية مثل سجلماسة وقصور تافيلالت وتارودانت…
وكشف المتحدث خلال مداخلته، أن البعض كان يرى في فضاء الملاح مكانا مغلقا ومعزولا يُفصل فيه اليهود عن غيرهم، باعتبار أن أغلب الأحياء كانت قريبة من القصر الملكي، ما وفر لهم نوعا من الحماية خصوصا في زمن “السيبة”. لكن، بعض الأماكن في طنجة وآسفي وفي العالم القروي، عرفت أحياء مفتوحة لليهود. مشيرا إلى أن الجماعة اليهودية تميل إلى التجمع، غير أن العزل كان بمنطق الالتزام الديني والاجتماعي الذي يتطلب عيشا مشتركا.
وعرفت بعض المناطق، وفق الكاتب العام للطائفة اليهودية بالرباط، تسجيل نسبة بلغت أكثر من 50% من عدد سكان المنطقة؛ ففي مدينة “دبدو” الواقعة شرق المغرب مثلا، كان عدد المسلمين يتراوح بين 4 و5 آلاف، مقابل 10 آلاف من اليهود. كما سجلت الصويرة عدد يهود بلغ نحو 17 ألف يهودي، مقابل 10 آلاف من المسلمين.
في ما يخص نمط التدبير والتسيير، سجل طوليدانو، أن فضاء “الملاح”، كان ذاتي التسيير، حيث كان الناس ينظمون شؤونهم بأنفسهم، وكان يعين شيخ يعرف بـ”شيخ اليهود” يتكفل بشؤون النظام والسلطة داخل الحي، مشيرا إلى أن “الناجيد” (رئيس الجماعة اليهودية) يتولى العلاقة مع السلطة ويتم تعيينه بموافقتها.
من جانب آخر، يوجد مجلس يتكون من سبعة من أعيان الحي يدبرون الشؤون العامة، إلى جانب الحاخامات الذين كانوا يشرفون على الأمور الدينية.
بالنسبة للجانب القضائي، أشار المتحدث إلى أن لليهود نظامهم الخاص في الأحوال الشخصية وفق الشريعة الموسوية، على أن القضايا الجنائية كانت تُعرض على الباشا.
من جهته، كشف الباحث في التاريخ والتراث، أحمد بومزكو، أن الملاح السوسي تميز بطابعه القروي والجبلي والانفتاح التام على محيطه القبلي، مشيرا إلى أن اليهود كانوا مندمجين في سوس بشكل عميق مع المسلمين ضمن شبكة علاقات تقوم على الجوار وتبادل المصالح المشتركة تحت حماية الأعراف القبلية.


