صحافيات بين الظهور والخفوت: قصص وتجارب تكشف حدود الصوت والسلطة في الإعلام المغربي - Marayana
×
×

صحافيات بين الظهور والخفوت: قصص وتجارب تكشف حدود الصوت والسلطة في الإعلام المغربي

صحافيات الإعلام المغربي، لا يظهر تهميشهن فقط في الغياب عن الواجهة، بل أيضا في تحميل النساء أدوارا غير مرئية، أو في التضييق على اختياراتهن التحريرية حين تتقاطع مع قضايا النوع وحقوق الإنسان.
بذلك، يصبح حضور الصحافية في الكواليس أو في الواجهة جزءا من معركة أوسع حول من ينتج الخطاب، ومن يحدد زاوية المعالجة، وكيف يمكن للإعلام أن يتحرر من إعادة إنتاج منطق ذكوري وأحادي، نحو ممارسة أكثر عدلا وتعددا وإنسانية.

لم تلتقِ حنان وليلى في غرفة أخبار واحدة، ولم تجمعهما شاشة ولا ميكروفون ولا قلم، لكنهما كانتا هناك، في المشهد نفسه، في الزمن نفسه، تسيران بخطوتين مختلفتين داخل الفضاء الإعلامي ذاته. حنان جاءت إلى الصحافة محمَّلة بأسئلة مبكرة عن جدوى الصوت، عن معنى أن تكوني شاهدة لا زينة.

أما ليلى، فدخلت المجال من باب آخر، أكثر حذرا، وأكثر وعورة، حيث تعلمت منذ البداية أن الحضور لا يعني التمثيل، وأن الظهور لا يضمن بالضرورة الاعتراف.

في مساراتهما المهنية، لم تكن الصعوبة في المهنة ذاتها، بل فيما يحيط بها: سقوف غير مرئية، أدوار جاهزة تُوزَّع بصمت، وخطاب مهني يبدو محايدا في ظاهره، لكنه مشحون بتوقعات غير محايدة.

كانت حنان، في لحظات كثيرة، تشعر أن عليها أن تعمل ضعف ما يُطلب منها لتُؤخذ بجدية، بينما كانت ليلى تدرك، مع كل تجربة جديدة، أن سؤال “التمثيل” لا يُطرح فقط حين نتحدث عن النساء في المضامين، بل أيضًا حين نتحدث عن النساء داخل غرف القرار والتحرير.

قصتاهما، حين توضعان جنبا إلى جنب، لا تحكيان سيرة فردية بقدر ما تكشفان عن مرحلة كاملة من تحول حضور الصحفيات داخل الإعلام، وعن انتقال غير مكتمل من الهامش إلى المركز، ومن الحضور الشكلي إلى الفاعلية المهنية.

هما قصتان عن صحافيتين، لكنهما في العمق قصتان عن الإعلام ذاته: كيف يستقبل النساء، كيف يعيد تشكيل أدوارهن، وكيف يفاوض أحيانا بصمت على حدود الصوت، والسلطة، والمعنى.

من هاتين التجربتين، لا يخرج السؤال عن مسارات مهنية معزولة، بل عن بنية أوسع تحكم اشتغال الصحفيات داخل الإعلام، وعن الكيفية التي يُعاد بها إنتاج الحضور النسائي: حضور مرئي أحيانا، لكنه محدود التأثير، ومسموح به ضمن شروط غير معلنة.

هنا، لا يصبح الحديث عن النساء في الإعلام حديثا عن أرقام أو مواقع شغل فقط، بل عن تمثيل داخل الفضاء العمومي، وعن سلطة القرار والتحرير، وعن طبيعة الخطاب الذي يُنتج حين تتغير الوجوه ولا تتغير القواعد.

فإلى أي حد أسهم حضور الصحفيات في تفكيك الخطاب الأحادي والذكوري؟ وهل انتقل هذا الحضور فعلا من مرحلة الظهور إلى مرحلة الفعل والتأثير؟ أم أننا أمام تحولات جزئية، تعكس مرحلة انتقالية لا تزال تفاوض، بصمت أحيانا، على حدود الصوت والسلطة والمعنى؟

المرونة والتكيف المستمر يصنعان موطئ القدم في الصحافة

ليلى العلوي، صحافية منتجة بالقطاع الرقمي لشبكة الجزيرة، تقول إن دخولها مجال الصحافة قبل 15 سنة كان “بسبق إصرار وترصد لكل فرصة”، في مسار مهني لم يخلُ من الصعوبات التي تعتبرها جزءًا من جوهر التجربة، بل “ملح المسير” الذي يصنع الشغف والانتصارات الصغيرة اليومية

خلال هذه الرحلة، “اشتغلت في الصحافة المكتوبة قبل الانتقال إلى الصحافة الرقمية، كما راكمت تجارب متعددة في الإعداد، والنقل المباشر بالصوت من خلف الكاميرا، ثم كمحللة للأحداث بحكم تخصصها في الصحافة السياسية”.

وترى المتحدثة أن “أكبر التحديات التي تواجه الصحافي، رجلاً كان أو امرأة، هو اكتساب المرونة والقدرة على التحول المستمر، وصقل مهارات تمكنه من إيجاد موطئ قدم داخل المجال، خاصة بالنسبة لمن يطمح إلى مناصب داخل غرف التحرير وإدارات النشر، حيث تبرز تحديات مرتبطة بالعقليات وبالإرادات الاقتصادية والسياسية المتحكمة في نموذج المقاولة الإعلامية السائد بالمغرب”.

وفيما يتعلق بضغط الوقت وتراكم المهام، تؤكد العلوي أنها “تعلمت أن الشيء الوحيد الذي لا يتغير هو مفهوم التغيير نفسه”، مشددة على “أهمية العمل اليومي على تطوير المهارات، والقدرة على الوصول إلى المعلومة، وعدم هجر الكتاب والمطالعة لتفادي الوقوع في النمطية”.

أما بخصوص تقييم العمل خلف الكاميرا، “فترفض اعتباره أقل شأنا من العمل أمامها، معتبرة أن ما يُنجز في الكواليس هو ما يصنع الفرق في المنتوج الإعلامي، من خلال الإلمام بالتفاصيل، وامتلاك تصور شامل عن المادة والجمهور وإكراهات المقاولة، والخروج بمادة صحافية متكاملة تحترم الأخلاقيات، دون إسفاف أو استغلال للمآسي أو ترويج للأخبار الكاذبة، وهو ما يمنح، في نظرها، إحساسًا يوميًا بالإنجاز، حتى وإن ظل اسم المعد بعيدًا عن ذاكرة الجمهور مقارنة بالمذيع”.

حين تصبح الدقة اختيارا أخلاقيا داخل غرف الأخبار

من خلال تجربتها المهنية كصحافية مهتمة بقضايا حقوق النساء، واشتغالها مع وكالات إعلامية دولية، تتعامل حنان حارت مع العمل الصحفي بوصفه مسؤولية أخلاقية وحقوقية بقدر ما هو ممارسة مهنية، في غرف الأخبار، حيث يفرض الإيقاع السريع نفسه يوميا.

وتضيف قائلة: “أحرص على ألا تكون العجلة على حساب الدقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة تمس حياة نساء وأفراد من المجتمع في وضعيات هشة؛ فالتحقق من المعطيات، وعدم الاعتماد على مصدر واحد فقط لتأكيد معلومة، ومقارنة المعلومات بين أكثر من مصدر قبل النشر للتأكد من صحتها، لتجنب نشر أخبار خاطئة أو منحازة، والانتباه لتفاصيل الصياغة ليست إجراءات تقنية فقط، بل اختيارات واعية تهدف إلى حماية المعنى وضمان احترام حقوق الإنسان لجميع الأطراف”.

في سياق متصل، تؤكد حارت أنها “تحرص في عملها الصحفي على معالجة القضايا داخل سياقها البنيوي والاجتماعي والسياسي، بدل اختزالها في قصص فردية معزولة، معتبرة أن هذا الاختزال يساهم في طمس الجذور الحقيقية”.

بين منطق المهنة وسؤال الأخلاق: تقاطع التجارب واختلاف المواقع

يكشف تصريحا ليلى العلوي وحنان حارت عن تقاطعين مختلفين داخل التجربة الصحفية النسائية، لكنهما يلتقيان عند جوهر واحد: الصحافة كفعل مسؤول لا كمساحة استعراض. ليلى تنطلق من سؤال المهنة والتحول والمرونة داخل بنية إعلامية محكومة بإكراهات اقتصادية وسياسية، حيث يصبح العمل خلف الكواليس فعلا تأسيسيا غير مرئي، لكنه حاسم في جودة المنتوج.

في المقابل، تضع حنان الدقة والاختيار الأخلاقي في صلب الممارسة، خاصة عند الاشتغال على قضايا تمس النساء والفئات الهشة، معتبرة أن الصحافي لا ينتج خبرا فقط، بل يشارك في تشكيل وعي وتمثلات. بين التجربتين، يظهر أن اختلاف المواقع لا يلغي وحدة الرهان: مقاومة التبسيط، وحماية المعنى، والاشتغال ضد منطق السرعة والسطحية.

من خلال هذين الصوتين، تتجلى إشكالية حضور الصحافيات داخل الإعلام لا بوصفه مسألة عددية أو شكلية، بل باعتباره سؤال سلطة وتمثيل ومعايير اشتغال. فالتهميش لا يظهر فقط في الغياب عن الواجهة، بل أيضا في تحميل النساء أدوارا غير مرئية، أو في التضييق على اختياراتهن التحريرية حين تتقاطع مع قضايا النوع وحقوق الإنسان.

بذلك، يصبح حضور الصحافية في الكواليس أو في الواجهة جزءا من معركة أوسع حول من ينتج الخطاب، ومن يحدد زاوية المعالجة، وكيف يمكن للإعلام أن يتحرر من إعادة إنتاج منطق ذكوري وأحادي، نحو ممارسة أكثر عدلا وتعددا وإنسانية.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *