ماحيا: ثمن بخس وسكر كبير. رحلة شراب المغاربة اليهود الذي عشقه المسلمون - Marayana
×
×

ماحيا: ثمن بخس وسكر كبير. رحلة شراب المغاربة اليهود الذي عشقه المسلمون

على غرار الشاي… عشق المغاربة ماء الحياة أو ماحيا كما درجوا على نطقها.
تفنن المغاربة اليهود في صناعتها، وتلذذ بها غيرهم من المغاربة المسلمين سراً وجهرا. من الملاح إلى البيوت والأعراس، كانت هذه رحلة مشروب يعشقه “فقراء” السكارى.

ماحيا… من شراب المغاربة اليهود إلى بيوت المغاربة المسلمين ومصانع التحضير في الخلاء وضواحي المدن.

كانَ هذا مسار مشروب ماء الحياة، ماحيا أو ويسكي الفقراء… كثيرة هي التسميات التي منحت لهذا المشروب، غير أن المعنى واحد.

كثيرا ما يتجه الباحثون إلى الخوض في متاهات التاريخ الاقتصادي أو السياسي للمغرب، غير أن قليلاً من يحاولون النبش في التاريخ الاجتماعي والخوض في المسكوت عنه مثل الخمور والمخدرات وغيرها.

التين أو التين الشوكي أو الزبيب أو التمر أحيانا، فواكه تصلح لصنع ماء الحياة في كل منطقة حسب ما تنتجه. يُطلق اسم الخمار على صُنَّاع الخمر أو ما الحياة، غير أن ضبابية كثيرة تلف هذه المهنة وطرق التصنيع، لكونها محظورة ومحفوفة بالمخاطر.

ماحيا: إرث قديم

في كتابه  “جوانب من تاريخ المشروبات المُسكرة بالمغرب الوسيط”، يؤكد مصطفى نشاط  أن المعلومات عن الخطوات العملية التي كانت تخضع لها صناعة الخمور بالمغرب الوسيط، تبقى قليلة وغير كاملة، فالأمر يتعلق بصناعة للمحظور، والمحظور، كما هو معلوم، غالبا ما يتم في أجواء الكتمان والسرية.

يُشير نشاط إلى أن الناس كانوا يصنعون الخمور بمنازلهم، وخاصة الفلاحين منهم، ولا شك أن كتب الفلاحة تعج بالإشارات المتعلقة بطرق صنع النبيذ، ومعظم هذه الكتب ما يزال مخطوطا، ويحتاج إلى من ينفض الغبار عنه. ففي مخطوط معنون بـ “كتاب الفلاحة” لمؤلف مجهول، ثم الحديث عن صناعة الزبيب وأصناف الشراب وتصفية النبيذ.

الكتاب أكد تعاطي المغاربة اليهود بالمغرب الوسيط لصناعة الخمور بشكل لافت، خاصة النوع الشهير بالماحيا “ماء الحياة”؛ فقد وجدت بتازة 500 دار لليهود، كانوا يعصرون بها خمرا في غاية الجودة، ويقال إنها أجود خمور هذه النواحي كلها. وإلى حدود بداية القرن 16 م، كان لليهود بباديس زقاق طويل تباع فيه الخمور. كما كان كل تسلية المدينة هو الخروج إلى البحر في الزوارق لشرب الخمر وتناول الطعام.

ما اتجه إليه مصطفى نشاط، يؤكده “الحسن بن محمد الوزان” أو “ليون الإفريقي” في كتابه “وصف إفريقيا”، والذي يشير فيه إلى أن المغاربة كانوا كثيري التعاطي مع المسكرات، وقد ذكر منها ماء الحياة، مشيرا إلى أن منطقة الريف كانت أكثر تعاطيا مع ماء الحياة.

يكشف الوزان في كتابه اهتمام أهالي إقليم شفشاون بماء الحياة، حيث يصف كميات الكرم التي يصنع منها هذا الشراب، معتبرا أن الأهالي يزرعون الكثير من العنب والقليل من الحبوب وهو ما يجعلهم “فقراء.

مصادر تاريخية كثيرة تطرقت لموضوع صنع ماء الحياة قبل اشتهار اليهود وانفرادهم بصناعتها، كالمؤرخ الاسباني لويس ديل مارمول كاربخال، كما أنها أرجعت صناعة ماء الحياة لما قبل فترة تواجد اليهود بالمغرب، معتبرة صناعة الخمور بدأت مع الفترة الموحدية، وقد سبقهم الفينيقيون في ذلك، إلا أنها كانت تقتصر على مناطق قليلة.

هكذا كانت الماحيا إلى عهد قريب شراب العامة من الناس في الجبال والسهول وغيرها من المناطق والمدن الصغيرة، غير أنها ظلت شراباً حكرا على فئات قليلة، إلى أن أخذها المغاربة اليهود إلى كل المناطق، واشتهروا بها وباعوها علنا للمغاربة اليهود، وخفية للمغاربة المسلمين.

ماحية واليهود: عشقٌ قديم

اشتهر المغاربة اليهود بتقطير ماء الحياة وشربها بحي الملاح حيث يتواجدون، فكانت خير أنيس لهم في الشدة والحزن والفرح والعرس. هكذا غدت شرابهم الأول كما هو الحال بالنسبة للشاي عند المغاربة المسلمين.

قبل الاستعمار الفرنسي، كانت الماحيا تُقطَّر وتصنع في المنازل، لكن الأمر صار أصعب بعد حلول الاستعمار، إذ صارت تصنع بشروط وضعتها فرنسا. لم يكن المشكل حينها قائما مع السلطات المغربية، فقد كان التعاقد الوحيد هو عدم بيعها للمسلمين.

صعَّب الاحتلال المهمة أمام المغاربة اليهود، حتى قيل إن قدوم الفرنسيين كاد أن يودي بحياة الماحيا لو التزم المغاربة اليهود بقرارات منع تقطيرها. وقد أرجع المغاربة اليهود ذلك إلى كون فرنسا كانت تسعى لفرض احتكارها بيع الخمور.

أوردت مصادر تاريخية أن المغاربة اليهود، حين اشتدت عليهم قرارات منع تقطير الخمور، وعانوا من إنتاجها سرا، استعطفوا السلطات الفرنسية في رسالة لمسؤول فرنسي قالوا فيها: “سيدي، بدموع ساخنة وقلب كسير جئناكم نضع شكوانا لدى جنابكم ونخبركم عن قطرة واحدة من بحر تعاستنا. نحن الموقعون لسنا سوى فقراء وبؤساء، بيننا اليتامى والأرامل. لكن لا أحد منا يتعاطى التسول”.

تقول الرسالة: “نعيش من عرق جبيننا عبر تقطير الماحية التي نبيعها لأبناء ديننا، فنسُد بالكاد حاجاتنا. لما قدِم الفرنسيون، اعتقدنا أن حياتنا البئيسة ستتحسن تحت ظلالهم، فكان أول إجراء اتخذوه حرماننا، عبر إصدار قرار حرمان اليهودي من التقطير، بحجة أن هذه التجارة حكر عليهم. ها نحن نسجد عند أقدامكم لعلكم ترأفوا بعائلاتنا التي نالها الجوع، فتتدخلوا لدى السلطات حتى تُخفف قسوة مرسومها الذي أصابنا فيتركوا لنا مخرجا مثل فرض إتاوة شهرية أو سنوية، مقابل السماح لنا لممارسة حرفتنا التي نتقن مزاولتها”.

هكذا حاول المغاربة اليهود استعطاف السلطات الفرنسية لمحاولة السماح لهم بتقطير ماء الحياة. وكما ورَّث المغاربة اليهود التجارة وبيع الحلي والخياطة للمغاربة المسلمين، ورَّثوهم أيضا فن صناعة الماحية.

… وكما ترك المغاربة اليهود عند رحيل، أعداد كبيرة منهم، محلات تجارية وأملاكا باعوها للمسلمين المغاربة، ترك الخمارون مهنتهم ومعداتهم للخلف، وهم مغاربة مسلمين، إما كانوا زبائن في الخفاء أو مساعدين أخذوا عنهم حرفة تقطير الماحية.

عشقٌ ممنوع

في طريق مرايانا نحو مدينة دمنات، والتي كانت تعرف بأنها إحدى قلاع اليهود في الأطلس المتوسط، التقينا برجل مسن يُسمى العربي، يقول إنَّه عاصر اليهود خلال تواجدهم في المدينة.

وفي مدينة بني ملال، التقت مرايانا، في حي الملاح بــ علال”، الذي لازمَ بعض اليهود واشتغل معهم، وفقَ ما يورده، حيث كانت الماحيا في ذلك الوقت محرمة على المغاربة المسلمين. لكن الكثير منهم كانوا يسعون إلى اقتنائها خفية، مخافة أن تلتقطهم أعين بعض المقدمين حتى لا يتم اقتيادهم إلى السلطات.

حسبَ المتحدث، فإن الماحيا كانت حكراً على المغاربة اليهود في أحيائهم أو منازلهم، وعند رحيلهم، ورثوها للمغاربة المسلمين، فصار الخمَّار مسلما والزبائن مسلمون، غير أنها ظلت “ممنوعة” من طرف الدولة فلاحقت باعتها ومروجيها.

لا يخفي علال عشقه للماحيا. يقول: “فيها سكر ومنافع ودواء وداء في حالة الإفراط”. حسب المتحدث، كثيراً ما كانت الماحية دواء لأمراض عديدة، حيث يورد أنها دواء للجراح حيث استعملها حين تعرض لضرب بسكين.

يقول المتحدث إن الماحيا هي، من وجهة نظره، مشروب طبيعي، دون مواد دخيلة، ماء وتين ويانسون وبسباس وأحياناً أعشاب عطرية.

ماحيا الأمس ليست كما هي الآن، فحسب المتحدث، أصبحت اليوم مادة قاتلة، تستعمل فيها مواد سامة وأشياء أخرى، فالخمار لم يعد يقطرها للمتعة وإنما صارت شرابا للسكر والعربدة فقط.

يورد علال أن الماحيا المغربية اليهودية، كانت تعتمد على التين المجفف وأحيانا العنب المجفف أو الزبيب، حسب المناطق. فبعض يهود سوس كانوا يصنعونها من التين المجفف، وفي مراكش، استعملوا العنب أحيانا، كما استعملوا العسل في مناطقَ أخرى.

رحلة ماء الحياة، رحلة شاقة عشقها المغاربة اليهود والمسلمون علناً وسراً، من أحياء الملاح وحاناته إلى مصانع سرية في الخلاء والجبال، غير أن ماء الحياة التي يقال إنها كانت للفرح والدواء أصبحت اليوم مشروباً ساماً.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *