المتصوفات بين الأندلس وفاس: إعادة قراءة في الحضور المغيَّب
إذا كان الرجال تركوا وراءهم مؤلفات وشروحا وكتب مناقب، فإن تجربة المتصوفات عاشت غالبا في الشفهي. في الحكايات التي تناقلتها الجدات، في المدائح التي تنشد في الأعراس، في المجالس المنزلية حيث تمتزج التلاوة بالدعاء.
هذا “الأرشيف غير المكتوب” يصعب رصده في المصادر التقليدية، لكنه حاضر بقوة في الذاكرة المغربية الحية. وهنا تبرز أهمية إعادة قراءة التراث الصوفي المغربي من زاوية أخرى.
حين نقول “التصوف المغربي”، عمن نتحدث تحديدا؟ هل عن الزوايا الكبرى التي لعبت أدوار الوساطة بين القبائل والسلطة المركزية؟ أم عن الطرق الصوفية التي شكلت بنية اجتماعية متماسكة قبل نشوء الدولة الحديثة؟ أم عن ذلك التوازن الدقيق بين الفقه المالكي، والعقيدة الأشعرية، والسلوك الجنيدي الذي صاغ النموذج الديني المغربي؟
وسط هذه الأسئلة المتشعبة، يبرز سؤال أكثر هدوءا وأشد عمقا:
أين كانت المرأة المغربية في كل هذا المشهد الروحي؟
إذا كان التصوف المغربي، باعتباره روحا تسري في الأزقة العتيقة وفي حلقات الذكر وفي مواسم الأولياء، قد تشكل داخل معادلة دقيقة جمعت بين الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية والسلوك الجنيدي، فإن هذا التشكل لم يكن حكرا على الرجال وحدهم. فكما أنتج المغرب زوايا كبرى وشيوخا مؤثرين في المجالين الديني والسياسي، قد عرف أيضا نساء بلغن مقام الولاية، وتركن أثرا روحيا واجتماعيا يستحق إعادة القراءة.
إن الإشكال لا يكمن في غياب المتصوفات المغربيات عن التاريخ، بل في طريقة كتابة هذا التاريخ. فكتب المناقب تميل إلى إبراز الشيوخ الرجال بوصفهم ممثلين للتجربة الصوفية، بينما يختزل حضور النساء في إشارات عابرة خاصة في البعد الكرامي الشعبي. غير أن إعادة فحص النماذج النسائية يكشف أن المرأة المغربية لم تكن مجرد متلقية للبركة، بل منتجة لها أيضا.
ومن النماذج القليلة التي تذكرها الروايات:
أولا: لالة عزيزة السكساوية
لالة عزيزة السكساوية (القرن 13م تقريبا) هي من أبرز الشخصيات النسائية المرتبطة بالزاوية الشاذلية في الجنوب المغربي. تنتمي إلى المجال السوسي بالأطلس الكبير المغربي (قبيلة سكساوة) اشتهرت بقيامها بدور الوساطة بين القائد عبد الله السكسيوي والسلطان أبو عنان المريني.
تذكر الروايات التي تضمنتها كتب المناقب أن لالة عزيزة هي امرأة بلغت مقام الولاية، وعرفت بالزهد والعبادة والكرامات. تكمن أهمية لالة عزيزة السكساوية في حضورها في المجال الطرقي الشاذلي رغم طابعه الذكوري الظاهر.
ثانيا: السيدة الحرة
أما النموذج الثاني، فيتجسد في شخصية السيدة الحرة (ت 1561م)، حاكمة تطوان في القرن السادس عشر وأميرة الجهاد البحري.
ورغم أن شهرتها ارتبطت أساسا بالقيادة السياسية ومقاومة التوسع البرتغالي، فإن سياقها لا ينفصل عن البيئة الصوفية في شمال المغرب والأندلس.
تشير المصادر إلى أن السيدة الحرة نشأت في وسط أندلسي مهجر، حيث لعبت الزوايا والطرق الصوفية دورا مركزيا في الحفاظ على الهوية الدينية والاجتماعية، فهي تنحدر من أسرة “بن مشيش” الصوفية العريقة، ودفنت في الزاوية الريسونية بمدينة شفشاون.
لا يمكن فهم سلطة السيدة الحرة بمعزل عن الرصيد الرمزي الذي وفره لها المحيط الديني. فالشرعية في المغرب الوسيط لم تكن سياسية خالصة، بل تستند في جزء منها إلى الاعتراف الديني والاجتماعي. ومن هنا، فإن شخصية السيدة الحرة تمثل تقاطعا قويا بين المجالين الروحي والسياسي، وحضورها هو الذي يوسع مفهوم “القوة الصوفية النسائية” ليشمل المجال العام، ويؤكد أن المرأة في المغرب لم تكن دوما محصورة في الفضاء المنزلي أو الشعبي، بل شاركت في صناعة القرار.
على الرغم من حضور بعض النماذج النسائية البارزة في التاريخ الصوفي المغربي، فإن تمثل المتصوفات في الكتابات الأكاديمية يظل محدودا جدا مقارنة بنظرائهن من الرجال. ولا يمكن رد هذه المحدودية إلى عامل واحد، بل يبدو أنها نتاج تداخل عناصر متعددة.
فمن جهة، ارتبطت التجربة الروحية النسائية في السياق المغربي والإسلامي بتقليص الظهور في المجال العمومي، إذ غالبا ما تفضلن النساء الظهور في نطاقات منزلية أو ضمن أشكال من التعبد الفردي الصامت بعيدا عن الأنظار.
ومن جهة أخرى، أسهمت بنية الإنتاج المعرفي في تسليط الضوء على الشخصيات الذكورية بوصفها الممثل “المعياري” للتجربة الصوفية. هذا التوجيه لم يكن بالضرورة فعل إقصاء واع، بقدر ما كان نسقا عاما للكتابة والإنتاج.
الوليات في الثقافة المغربية الشعبية
في المغرب، هناك أسماء لوليات ما تزال حاضرة في المخيلة الشعبية المغربية، أمثال لالة عيشة البحرية، لالة ميمونة، لالة منانة… وغيرهن.
فإن كان الرجال تركوا وراءهم مؤلفات وشروحا وكتب مناقب، فإن التجربة الصوفية النسائية عاشت غالبا في الشفهي. في الحكايات التي تناقلتها الجدات، في المدائح التي تنشد في الأعراس، في المجالس المنزلية حيث تمتزج التلاوة بالدعاء. هذا “الأرشيف غير المكتوب” يصعب رصده في المصادر التقليدية، لكنه حاضر بقوة في الذاكرة المغربية الحية. وهنا تبرز أهمية إعادة قراءة التراث الصوفي المغربي من زاوية أخرى.
وختاما
من الأندلس إلى فاس، ومن الزهد الفردي إلى المواسم الجماعية، تبدو رحلة المرأة الصوفية عبر المتوسط رحلة معقدة، اختلط فيها الحضور بالتهميش، والقداسة بالصمت.
ربما لم تكتب سِيَر المتصوفات المغربيات بالحبر الكافي، وربما غابت أسماؤهن عن المدونات الكبرى، لكن آثارهن لا تزال حاضرة في الطقوس، وفي الذاكرة، وفي تلك الروح التي تمشي في الأزقة القديمة.
وإذا كان التاريخ الرسمي قد اختزل حضورهن في “ذكر عابر”، فإن إعادة قراءة التصوف المغربي من زاوية نسائية قد تكشف لنا أن ما اعتبر هامشا، كان في الحقيقة جزءا من المتن.
[1] أحمد التوفيق، التصوف المغربي في القرن السادس عشر، الرباط.
[2] طبقات الصوفية للأزدي
[3] The Economics of Female Piety in Early Sufism : Arin Salamah-Qudsi
Women in Sufism: Rukhsar Hussain [4]