ما قصة الشهر المحذوف من التقويم الهجري؟ - Marayana
×
×

ما قصة الشهر المحذوف من التقويم الهجري؟

هذا المقال يعالج معنى “الشهر المحذوف” في التقويم الهجري/الإسلامي، الذي يفترض أن يضاف، أو ما يسمى شهر النسيء، بوصفه ضرورة هندسية زمنيا. ويشرح كيف تُضبط الفصول عبر الأشهر القمرية داخل سياق علمي عام لتاريخ التقاويم.

يمكننا القول مبدئيا إنه لا يوجد تقويم في العالم يمكنه تجاهل “الكبس” دون أن ينهار موسميا، أي يدخل في مسار مضطرب لا يستطيع خلاله ضبط الشهور على فصول السنة الأربعة. وكل تقويم هدفه أولا وأساسا ضبط الأشهر على الفصول… وهذه حقيقة فلكية صارمة.

كل تقويم هو محاولة بشرية لترويض زمن لا يقبل القسمة على أعداد صحيحة. الأرض تدور حول الشمس بزمن كسري، والقمر يدور حول الأرض بزمن كسري آخر، ولا يوجد دوران بدون كسر. من هنا وُلد مفهوم الكبس أو الإضافة لسد الفراغ أو تغطية المفقود.

يمكن تسميته تدخلا اصطناعيا تصحيحيا في بنية التقويم لإنقاذه -أكرر- من الانهيار الموسمي. والانهيار هنا يعني تداخل الفصول، فيأتي رمضان في صيف وخريف وشتاء وربيع دون أن ينضبط في فصل بعينه.

بدون الكبس، أي الإضافة، ينفصل التقويم عن الفصول، وتفقد الأشهر علاقتها بالطبيعة التي وُجدت أصلا لتنظيمها.

هذا المقال يعالج معنى “الشهر المحذوف” في التقويم الهجري/الإسلامي، الذي يفترض أن يضاف، أو ما يسمى شهر النسيء، بوصفه ضرورة هندسية زمنيا. ويشرح كيف تُضبط الفصول عبر الأشهر القمرية داخل سياق علمي عام لتاريخ التقاويم.

أولًا: أصل المشكلة

السنة الشمسية المدارية = 365.2422 يوم

الشهر القمري الاقتراني = 29.5306 يوم

وقلنا هنا الشهر القمري ولم نقل الشهر الميلادي، لأن الشهر الميلادي منضبط تماما؛ فهو إما 30 يوما أو 31، باستثناء فبراير: 28 يوما كل ثلاث سنوات و29 يوما في السنة الرابعة. وهو حساب يبين لنا أن المفقود في السنة الشمسية -فصليا- بالساعات، بينما في السنة القمرية بالأيام.

ولا يمكن بناء تقويم من هذين الرقمين إجمالا دون كسور. معنى ذلك أن السنة الشمسية ليست 365 أو 366 يوما بالتمام، بل تقع بينهما بأجزاء من اليوم. ومثلها الشهر القمري والسنة القمرية. فلكيا، لا توجد أرقام زمنية محددة بلا كسر، باستثناء الأشهر الشمسية أو النجمية لأن المفقود فيها ساعات سنوية لا شهرية. وبمجرد إهمال هذا الكسر يبدأ الانهيار فورا.

إذا اعتُمدت سنة بطول 365 يوما، فالفارق السنوي = 0.2422 يوم، أي ما يقارب ربع اليوم، وبعد أربع سنوات نحصل على يوم كامل تقريبا. هذا يعني أن كوكب الأرض في دورانه حول الشمس يحتاج خمس ساعات إضافية و48 دقيقة و46 ثانية. وهي الساعات والدقائق والثواني المفقودة التي تحتاجها الأرض لكي تكمل دورتها حول الشمس والتي تُجمع كل أربع سنوات في يوم واحد هو 29 فبراير.

ومع ذلك تبقى فروق صغيرة تتراكم. لذلك عدل التقويم الغريغوري نظام الكبس لضبط الزمن بدقة. فهو لا يضيف يوما كبيسا كل أربع سنوات بشكل آلي دائما؛ إذ تُحذف السنوات المئوية مثل 1700 و1800 و1900 من الكبس، إلا إذا كانت تقبل القسمة على 400 مثل سنة 2000. هذه الهندسة الدقيقة تمنع تراكم الخطأ عبر القرون. (وهذا يحتاج مقالا مفصلا منفصلا عن الكيفية التي أصلح بها البابا غريغوريوس الثالث عشر خلل التقويم اليولياني عام 1582، في خطوة جريئة وموفقة أعادت ضبط التقويم الميلادي كله، حين نام الناس في الرابع من أكتوبر ليصحوا صباح اليوم التالي في الخامس عشر من الشهر نفسه، بعد حذف عشرة أيام كاملة.)

ثانيًا: السنة القمرية.. مشكلتنا الكبرى في التقويم العربي

السنة القمرية (12 شهرا قمريا):
12 × 29.5306 = 354.367 يوم.
وقد أسلفنا أن السنة الشمسية = 365.2422 يوم.
فالفارق إذن عن السنة الشمسية = 10.875 يوم سنويا.
وهذا ليس خطأ صغيرا، إذ يصبح لدينا 11 يوما على وجه التقريب، أي ما يزيد عن ثلث شهر.

بعد ثلاث سنوات يتجاوز الانحراف شهرا قمريا كاملا، أي ما يزيد عن 32.6 يوم. وبعد 33 سنة نشهد دورة موسمية كاملة تبدأ من جديد، (ومن بلغ 33 عاما بالتقويم الميلادي الشمسي عادَلَ عمره نحو 34 عاما في التقويم القمري الهجري، بسبب قصر السنة القمرية). وأي تقويم قمري خالص، لوحده ودون ربطه بالشمس، سينجرف عبر الفصول حتما.

فلا توجد حيلة لغوية أو دينية تمنع ذلك. الرياضيات هي الرياضيات يا عرب.

لذلك، يصبح الاتجاه نحو الشهر الكبيس ضرورة حتمية.

ثالثًا: الحل الفلكي.. الشهر الكبيس

لمن يريد الاحتفاظ بالأشهر القمرية مع تثبيت الفصول، لا يوجد إلا حل واحد: إضافة شهر كبيس دوريا.
والقاعدة الرياضية الأشهر هي دورة 19 سنة، المعروفة بالدورة الميتونية. (تعود التسمية إلى الفلكي اليوناني ميتون الذي لاحظ في القرن الخامس قبل الميلاد أن 19 سنة شمسية تساوي تقريبا 235 شهرا قمريا لا 228، بفارق يبلغ سبعة أشهر.)

فإذن،
19 سنة شمسية = 235 شهرا قمريا،
أي 12 سنة عادية + 7 سنوات كبيسة.

بهذه الإضافة المنتظمة تبقى الأشهر مرتبطة بالمواسم ضمن انحراف صغير قابل للتصحيح بشكل دوري.
وهذا هو الأساس العلمي للتقاويم القمرية الشمسية التي عرفتها الحضارات الزراعية الكبرى مثل البابلية والعبرية والصينية والهندية.

بعض التقاويم لا تكتفي بالجدول الحسابي، فتربط الكبس بعلامات شمسية رصدية، أي أن الشهر يُضاف عندما يفقد التقويم توازنه الموسمي.

والمبدأ واحد: من دون شهر كبيس لا يوجد ضبط للفصول إطلاقا، ومهمة التقويم أساسا هي ضبط الفصول.

ومن دون هذا الضبط يفقد التقويم أهميته.

رابعًا: كبس العرب قبل إلغاء النسيء

تشير المصادر التاريخية العربية إلى ممارسة اسمها النسيء قبل الإسلام، وهي إقحام شهري يعيد ضبط المواسم، لكن المشكلة تمثلت في غياب جدول رياضي محفوظ ودقيق..

ولنا أن ننظر فيما يلي:

1- أسماء الشهور موسمية وترتبط ببيئة البادية زراعيا، كالجفاف والجمود والبرد والحر، بل ارتبط بعضها بحليب النوق كشهر شوال إذ قيل في سبب التسمية أن الإبل كانت تتشول لبنها أي ترفعه وتجففه استعدادا للإخصاب، وهو مرتبط على ما يبدو بجفاف الزرع خريفا.. ومن ذلك أيضا شهرا الربيع، ورمضان الذي يدل على شدة الحر، وموقعه بين أغسطس وسبتمبر. هذه التسميات لا يمكن أن تنشأ في تقويم يدور حرا عبر الفصول. وهي بصمات مرحلة كانت فيها الأشهر مثبتة موسميا.

2- اقتصاديا، ارتبطت الأسواق التجارية الكبرى والحج بمواسم الطقس. ومجتمع يعتمد أساسا على القوافل لا يمكنه العمل بتقويم منفلت عن المناخ، مختل عن جواره من المجتعمات الأخرى.

3- وجود جهة معلنة للكبس. الروايات تذكر سلطة قبلية مسؤولة عن إعلان النسيء، أي أن العرب استخدموا كبسا موسميا مرنا يشبه المبدأ القمري الشمسي، دون جدول رياضي صارم.
هذا يعني أن الإقحام أو الإضافة كان نظاما اجتماعيا معروفا، حتى لو كان غير مقنن حسابيا. ويبدو أن حذفه كان لهذا السبب؛ فبدل إصلاحه بحساب دقيق مرة كل ثلاث سنوات بدل سنتين (يجيزونه سنة ويمنعونه أخرى)، أدى حذفه على نحو نهائي إلى إخراج التقويم عن سياقه تماما.

خامسًا: ماذا يعني إلغاء الكبس؟

عند إلغاء النسيء، تحولت السنة إلى قمرية خالصة. انفصلت الأشهر عن الفصول، وبدأ الانجراف الدوري الذي يبلغ 33 سنة. بقيت الأسماء شاهدا لغويا على زمن سابق.. ولهذا أتى ويأتي وسيأتي “ربيع” في الصيف وغيره، و”رمضان” في الشتاء وغيره ما دام النظام تبدل.

والأكثر لفتا، وهذه نقطة مضافة يجب الانتباه لها، لو طبقنا الدورة الميتونية على التقويم الهجري، لكانت المعادلة على النحو التالي:
1447 × 12 × 19 ÷ 235 = 1404

أي أننا بدل 1447 هـ اليوم، كنا سنكون تقريبا في 1404 هـ، بفارق تراكمي يقارب 43 سنة. (ولو استمر الأمر على ما هو عليه لجاء يوم، ولو كان بعيدا جدا، تتجاوز فيه سنوات التقويم الهجري سنوات التقويم الميلادي، رغم القرون الستة الفارقة بينهما!!)

سادسا: الضبط العلمي للفصول عبر الأشهر القمرية

قد يُسأل: ما علاقتنا بالشمس ونحن تقويم قمري؟
حقل التقاويم واضح في هذه النقطة. لا يمكن تثبيت الفصول مع الأشهر القمرية إلا بإحدى طريقتين:

– جدول كبيسة ثابت (أي نظام حسابي مسبق يحدد سنوات الإضافة وفق قاعدة رياضية دون الحاجة إلى رصد فلكي سنوي)
– سنة كبيسة رصدية مرتبطة بحركة الشمس

الفصول قطعا تحددها حركة الأرض حول الشمس، لا حركة القمر حول الأرض. بدون شهر كبيس، فإن الانجراف حتمي كما يحدث الآن. (ويصعب جدا إضافة 10 أيام أو 11 يوما كل عام، لأن التقويم مرتبط بدورة القمر التي لا تقبل إلا شهرا كاملا من 29 أو 30 يوما في كل دورة له حول الأرض.)

خلاصة القول..

الكبس ضرورة هندسية يفرضها علم الفلك وحساباته. لا علاقة له بالإيمان أو النص أو العقيدة.
– السنة الشمسية تحتاج يوما كبيسا كل أربع سنوات، والسنة القمرية تحتاج شهرا كبيسا كل ثلاث سنوات، و7 أشهر كبيسة كل 19 عاما.
– إلغاء الكبس يعني التخلي عن ضبط الفصول… وهذا اختيار بنيوي، نمط تصميمي حاسم يحدد طبيعة التقويم وحدوده.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *