الأطفال اليتامى… حرمة التبني وإذلال الكفالة - Marayana
×
×

الأطفال اليتامى… حرمة التبني وإذلال الكفالة

الأطفال دون سند أسري ليسوا “نتيجة عرضية” لانفلات أخلاقي كما يُراد لنا أن نصدق، بل هم المرآة الصادقة لنظام قيمي وتشريعي يرفض الاعتراف بالواقع، ويصر على إدارة المجتمع بمنطق الإنكار والعقاب بدل الوقاية والمسؤولية.
مجتمع ينتج العلاقات في السر، ثم يعاقب نتائجها في العلن، هو مجتمع يحكم على نفسه بإعادة إنتاج المأساة جيلاً بعد جيل.

حسن الحو
حسن الحو

الأطفال دون سند أسري معضلة تتفاقم في صمت على هامش المجتمع: أمهات عازبات يلدن في الخفاء مخافة الفضيحة، وآباء يلوذون بالفرار في جنح الليل متنصلين من كل مسؤولية.

أرقام مخيفة تتضاعف، ودور رعاية اجتماعية تعاني… مشاريع قوانين صدرت، ومراسيم لازلت حبيسة الرفوف… ومستقبل غير محدد المعالم لا يبشر بخير.

حسب تقارير متقاطعة صادرة عن اليونيسيف والرابطة المغربية لحماية الطفولة، فالمغرب يشهد في المتوسط تخلياً عن طفل واحد كل ساعة، أي ما يعادل أكثر من عشرين طفلاً يومياً.

هذا الرقم يتضاعف حسب المركز المغربي لحقوق الإنسان الذي قدّر عدد الأطفال الذين يولدون يومياً خارج مؤسسة الزواج في حوالي 100 طفل بدون هوية الأب، نصفهم مهددون بالتحول إلى أطفال شوارع. وتذهب دراسة ميدانية أنجزتها جمعية مغرب الأمهات العازبات إلى أبعد من ذلك، حيث خلصت إلى أن 153 طفلاً يولدون يومياً خارج إطار الزواج، أما جمعية بيبي ماروك فقد أبرزت أن ظاهرة الأمهات العازبات ذات طابع حضري بالأساس، إذ تصل نسبتهن إلى 75٪ في المدن مقابل 24٪ في القرى. في السياق نفسه، صرحت المديرية العامة للأمن الوطني سنة 2010 بأنها عثرت على 273 طفلاً ورضيعاً متخلى عنهم في الشوارع خلال سنة واحدة.

هذه الأرقام توازيها معطيات مقلقة حول التوقيف الإرادي للحمل بشكل سري، إذ تشير دراسات نشرتها الصحافة المغربية اعتماداً على أبحاث أمريكية ومعطيات جمعوية، إلى أن المغرب يعرف ما يصل إلى 1400 عملية إجهاض سري يومياً، بينما تقدّر الجمعية المغربية لمكافحة الإجهاض السري العدد بما بين 600 و800 عملية يومياً، أي حوالي 300 ألف حالة سنوياً أغلبها خارج القانون. بعض التقديرات التحذيرية غير الرسمية التي حللت هذه الأرقام خلصت إلى مآلات ديموغرافية خطيرة في حال استمرت المؤشرات الحالية دون تدخل، مع استمرار العزوف عن الزواج وضعف الخصوبة، فإن المغرب سيصل إلى وضع يصبح فيه نصف المجتمع مولوداً خارج إطار الزواج في أفق 25 إلى 30 سنة.

الغريب أن ظاهرة مثل هذه تؤثر على بنية المجتمع، وترهن مستقبله، كان من المفترض أن تستدعي يقظة واستنفارا، وحلولا عاجلة للوقاية وأخرى للعلاج، وترسم استراتيجية مندمجة تطوق الظاهرة من كل جوانبها. لكن الواقع اليوم لا يحتكم اليوم إلا على قانونين يتيمين: قانون الكفالة 15.01 وقانون تنظيم دور الرعاية الاجتماعية 65.15، كما أن تسيير دور الرعاية الخاصة بالأطفال دون سند أسري يُسند إلى جمعيات تكون في أحيان كثيرة غير مؤهلة ماديا ولا بشريا. ونتيجة لعدم تكييف حجم الظاهرة وتبعاتها، ضاع آلاف الأطفال والشباب الذين نشأوا  في دور الرعاية الاجتماعية بعد إعلان إفلاسها التربوي والمادي ليجدوا أنفسهم في الشارع عرضة للتشرد والاستقطاب الاجرامي.

الظاهرة تحتاج لمقاربات كثيرة وتنظيرات وتشريعات ومؤسسات، لكننا سنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على بعض الحلول المستعجلة للحد من تفاقمها، مع التركيز على مفهوم الكفالة باعتبار الأسرة هي المكان الطبيعي للأطفال.

من المعلوم طبيعة أنه، للقضاء على شيء ما، ينبغي القضاء على الأسباب المؤدية إليه، وظاهرة الأطفال دون سند أسري سببها الرئيسي التحولات الاجتماعية والأخلاقية التي عرفها المجتمع المغربي، ونزوعه المستمر نحو المزيد من التحرر وتخليه عن الأعراف الدينية المؤطرة للسلوكيات الفردانية والجماعية. هذه التغييرات الرديكالية أدّت إليه شيوع العلاقات الرضائية التي تعتبر المصدر الأول للأطفال دون سند أسري، نحن هنا لن نقول إنه ينبغي الحد من حرية الأفراد أو الوصاية على سلوكياتهم أو التجسس على غرف نومهم، ولا اعتبار أن هذا التغيير المجتمعي هو السبب الذي ينبغي القضاء عليه، لأن تطور المجتمعات أمر حتمي ينبغي مسايرته وتأطيره. وتأطيره هنا يكون بربط الحرية بالمسؤولية والاعتراف بالظاهرة وأن العلاقات خارج إطار الزواج أمر واقع لا يرتفع لمجرد بعض التنظيرات والمواعظ الأخلاقية أو  دعوى طهرانية المجتمع المغربي.

     أول مؤطر حاسم للعلاقات الرضائية هو:

إنشاء سجل وطني للبصمات الجينية، أو نظام التتبع الجيني المدني، يُفَعل حصراً في حالات الأطفال دون سند أسري، قصد تحديد المسؤولية البيولوجية وإلحاقهم بحكم قضائي. هذا الإجراء سيحوّل الفعل الجنسي من ممارسة بلا تبعات إلى ممارسة واعية بعواقبها القانونية. هذا السجل سيطرح إشكاليات أخلاقية واقتصادية، لكنها لن ترقى إلى الاشكاليات الانسانية والمادية العويصة التي تنتجها ظاهرة التخلي عن الأطفال، فتكلفة الرعاية والإدماج تفوق بمراحل تكاليف إنجاز تحليل جيني، والذين يخافون من سجل الجينات، لا يخافون على الخصوصية أو التكاليف المادية، بل على صعوبة الإفلات من تبعات العلاقات الرضائية.

توزيع موانع الحمل بالمجان قرب الأماكن التي تكثر فيها اللقاءات بين الجنسين: الحانات، الثانويات، الجامعات… وتكثيف حملات التحسيس ونشر الثقافة الجنسية.

 تشجيع احتفاظ الأمهات البيولوجيات بأبنائهن، ونشر ثقافة قبول الأمهات العازبات بالمجتمع.

الدعوة الملحة لتقنين التوقيف الإرادي للحمل خصوصا في الأسابيع الأولى، وهو ما يتوافق مع بعض الفتاوى الفقهية التي تبيح التوقيف الإرادي للحمل في الأسابيع الأولى. هذا التقنين سيخفف من الأرقام الكبيرة للإجهاض السري المقدر بـ 1000 حالة يوميا وما يفوق 300,000 حالة سنويا، حيث تتعرض فيه الأم ووليدها للخطر.

تبني أم كفالة؟

في البدء، كان التبني سلوكا اجتماعيا شائعا في مجتمعات القرون الوسطى، حيث يُلحق الابن اليتيم والمهمل أو المسبي بمن تبنّاه كإبن شرعي، مع تمتعه بكامل حقوق البنوة. كانت أسباب هذا التبني إما إنسانية صرفة، كتبني رسول الإسلام لزيد بن حارثة، وتبني القائدة ديهيا لخالد بن يزيد؛ وإما سياسية كتبني الإمبراطور أوغسطس لـ “تيبيريوس” وتبني نبلاء فرنسا لأبناء الفقراء أو الأيتام لتقوية روابط الولاء، وضمان وراثة الأراضي، أو حتى إدخالهم في الحاشية الملكية.

لكن حادثة مشهورة في تاريخ الإسلام جعلت التبني في المجتمعات الإسلامية حراما وعوضته بمفهوم “الكفالة” حيث يُكفل اليتيم أو المهمل وفق شروط خاصة دون الإلحاق الكامل بالكفيل. هذا التشريع بشروطه الفقهية القديمة التي كانت صالحة في حقبة زمكانية وفق اشتراطات ثقافية واجتماعية، لم تعد اليوم تلبّي الحاجة الاجتماعية، ولا تتماشى مع الالتزامات الحقوقية؛ فالكفالة أو التكفل مصطلح قدحي يعكس منظومة فقهية بمقاصد عتيقة ومقاربة إحسانية مبنية على متفضل أو متصدق وقابل خانع، أو يَدٌ عليا مانحة ويد سفلى آخذة. فيُشكر المتصدق على صدقته وإحسانه للمكفولين ويؤمر الآخذ بالشكر ورد الجميل.

كفالة الأطفال بهذه المعايير نوع من الاضطهاد النفسي وميز اجتماعي وتدمير لنفسية المكفول وحط من كرامته وإذلال له بتلقيه الدائم للمعونة. وبعض الحل هو إحياء التبني على غرار باقي دول العالم في أفق إلغاء الكفالة أو تسييجها باحترازات حقوقية حتى لا تهضم حقوق الأيتام والأطفال دون سند أسري. هذا الإحياء للتبني ليس تنقيصا من التشريع الإسلامي ولكن تنزيله الحقبة الزمنية التي تليق به، وتأويل نصوصه بما يتوافق مع حيوية المجتمعات وتجددها، ومساهمة في التخفيف من ظاهرة التخلي عن الأطفال ونتائجها على الأفراد والمجتمعات. فكثيرة هي التشريعات والحدود التي تم تجاوزها تحت ضغط التطور والالتزامات الدولية والحقوقية، فلا أحد يتكلم اليوم عن تشريعات إسلامية محكمة كجهاد الطلب وقطع يد السارق، وقطع أرجل وأيدي قطاع الطرق من خِلاف، وشرائع السبي والاسترقاق…

الدعوة اليوم إلى إحياء التبني عوض الكفالة، أو كحلٍّ داعم لها، مطلب مُلِّح يقي من مشاكل اجتماعية وحقوقية واقتصادية كثيرة. في هذا الصدد، أدرك المشرع المغربي قصور الكفالة في تشريعها القديم وعجزها عن احتواء ظاهرة الأطفال دون سند أسري فأعلن عن البرنامج الوطني المندمج للنهوض بالكفالة، من أجل تجاوز المعيقات التي تحول دون تكفل ناجح مستدام بالأطفال دون سند أسري، ومن بين أهم ما جاء به هذا البرنامج:

توفير الإطار القانوني للكفالة والرعاية.

وضع لائحة وطنية خاصة بالأسر الراغبة في الكفالة تحت إشراف قضاة الأحداث.

توفير الدعم المادي (هزيل جدا) للأسر الكفيلة.

إلزام الكفيل بعدم التنازل عن الكفالة إلا لأسباب قاهرة.

العناية بالأمهات العازبات قبل وبعد وضع الوليد.

السماح للكفيل بإعطاء اسمه للمكفول بطلب منه.

إعفاء الأسر الكفيلة من الضريبة على الدخل.

استفادة الكفيل من تعويضات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

وضع حاضنات آمنة أمام دور الرعاية الاجتماعية لوضع المواليد في ظروف آمنة، عوض رميهم في الشارع.

إنشاء لجان التتبع والمراقبة لتنفيذ البرنامج الوطني للكفالة.

المصادقة على النصوص التطبيقية لقانون 65.15 المنظم لدور الرعاية الاجتماعية.

ورغم كل هذه الإيجابيات، احتفظ البرنامج الجديد بروح الكفالة كما نصت عليها تشريعات النظام الفقهي ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

اعتماد البرنامج الوطني للكفالة على المرجعية الدينية المبنية على المقاربة الاحسانية، وضعف المقاربة الحقوقية-المدنية.

الاستمرار في تحريم التبني.

استمرار شرط الإسلام لكفالة الأطفال، وعدم الترخيص للأسر المسلمة بالكفالة في حالة سكنها الدائم بدول لا تعترف بالكفالة.

عدم السماح بتحويل الكفالة لتبني في الدول التي تسمح بالتبني، تحت طائلة إسقاط الكفالة.

معاقبة الأم العازبة بعد استكمال فترة الحمل والرضاعة بتهمة الفساد المفضي لولادة خارج إطار الزواج.

هزالة المبالغ المقدمة للأسر الكفيلة وضعف البرامج التضامنية.

– كثرة اللجان الموكولة بتنفيذ البرنامج (اللجنة الوزارية/ اللجنة التقنية المنبتقة عن اللجنة الوزارية/ اللجنة المصغرة / اللجان الاقليمية).

استمرار التعقيدات المسطرية للكفالة وإلزام الكفيلين بجمع الكثير من الوثائق التي يمكن للإدارات القيام بها عوضا عنهم.

عدم وجود ضمانات من طرف الأسر الكفيلة بالاستمرار في الكفالة حيث سجلت بعض الدراسات المنجزة في الموضوع أن 36 % من الاطفال المكفولين يتم إرجاعهم لدور الرعاية الاجتماعية، مما يساهم في مشاكل نفسية قد تؤدي ببعضهم للانتحار أو الانحراف السلوكي، فالطفل الذي يُنزع من مؤسسة رعاية مفلسة ليدخل كفالة غير مستقرة، ثم يُعاد إلى المؤسسة، لا يخسر فقط أسرة محتملة، بل يُعاد تكريس شعوره بأنه فائض عن الحاجة، وهو ما يجعل الشارع أقل قسوة من مؤسسات فشلت في احتوائه.

الحديث اليوم عن الكفالة أو التبني يأتي في سياق اجتماعي يعرف مشكلة تتعاظم باستمرار، دون حلول في الأفق المنظور، كما أن الحلول المرصودة لا ترقى لمعالجة ظاهرة الأطفال دون سند أسري: دور اجتماعية بمدراء وأطر تربوية غير مؤهلة لا تلبي الحاجيات المادية والاجتماعية والنفسية لأولئك الأطفال، برنامج كفالة لا يُنَزَّل التنزيل الصحيح يساهم في تفاقم المشكل عوض إصلاحه، غياب مؤسسات للإدماج الاجتماعي خاصة بالأطفال دون سند أسري، جمعيات مدنية تتخذ من هؤلاء الأطفال واجهة للاسترزاق عوض الدعم والتأهيل، برامج حياتية تنتهي بالشارع عوض الاندماج… لتبقى الكفالة المعدلة أو التبني أفضل حل، حتى ينشأ الطفل في جو أسري يحفظ له كرامته ويوفر له شروط العيش السليم.

في النهاية، الأطفال دون سند أسري ليسوا “نتيجة عرضية” لانفلات أخلاقي كما يُراد لنا أن نصدق، بل هم المرآة الصادقة لنظام قيمي وتشريعي يرفض الاعتراف بالواقع، ويصر على إدارة المجتمع بمنطق الإنكار والعقاب بدل الوقاية والمسؤولية.

مجتمع ينتج العلاقات في السر، ثم يعاقب نتائجها في العلن، هو مجتمع يحكم على نفسه بإعادة إنتاج المأساة جيلاً بعد جيل.

إن الرهان الحقيقي اليوم ليس أخلاقياً ولا دينياً، بل إنساني وحقوقي بامتياز: إما أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن الحرية واقع لا رجعة فيه، فنؤطرها بالقانون ونربطها بالمسؤولية ونضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبار، أو نستمر في التمسك بأجوبة قديمة عن أسئلة جديدة، مستصحبين هيمنة تصور ديني-فقهي نشأ في سياق تاريخي مغاير يُنزّل على واقع اجتماعي مختلف جذرياً، دون أي مراجعة مقاصدية أو حقوقية، تاركين آلاف الأطفال يؤدون ثمن هذا العجز الجماعي؛ فالخطر الحقيقي ليس في تغيير القوانين أو مراجعة التصورات، بل في الإصرار على عدم التغيير، بينما الواقع يتغير من تحت أقدامنا بلا رحمة.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *