الملتقى الوطني لليتيم يفتح نقاشاً حول حماية الأطفال المولودين خارج إطار الزواج - Marayana
×
×

الملتقى الوطني لليتيم يفتح نقاشاً حول حماية الأطفال المولودين خارج إطار الزواج

في سياق وطني يتسم بإعادة طرح قضايا حماية الطفولة، شهدت الدار البيضاء أشغال الملتقى الوطني التاسع لليتيم، المخصص لمناقشة الحق في الهوية والنسب، خاصة بالنسبة للأطفال المولودين خارج إطار الزواج.

انطلقت يوم السبت بمؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود بالدار البيضاء، أشغال النسخة التاسعة من الملتقى الوطني لليتيم، الذي تنظمه الجمعية المغربية لليتيم تحت شعار: “طفل بلا هوية… مجتمع بلا مستقبل: نحو قراءة متقدمة للحق في النسب”.

شكل الملتقى محطة لتدارس وضعية الأطفال المولودين خارج إطار الزواج، حيث تضمن البرنامج تقديم شهادات لشباب متخلى عنهم حول تحديات الهوية القانونية والاندماج الاجتماعي، وناقش المشاركون ضرورة معالجة أسباب ظاهرة التخلي، معتبرين أن “الاعتراف بالنسب” واستخدام الآليات الحديثة، مثل الخبرة الجينية، يمثلان مدخلاً أساسياً لتحميل الآباء البيولوجيين مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية.

كما تطرق النقاش إلى تباين وجهات النظر بين القراءات الفقهية التقليدية والمطالب الحقوقية الداعية إلى “تأويل مقاصدي” للنصوص الدينية، خاصة في ظل المشاورات الحالية المرتبطة بمراجعة مدونة الأسرة. وسلط الفاعلون الضوء على أثر الخطاب والمصطلحات المتداولة على كرامة الطفل ووضعه الاجتماعي، مؤكدين على ضرورة تغليب “مصلحة الطفل الفضلى” في الاجتهادات القانونية والقضائية.

ويهدف هذا الملتقى، حسب المنظمين، إلى فتح نقاش علمي حول سبل حماية حقوق الطفولة المحرومة من السند الأسري، وتعزيز السياسات الوطنية الرامية إلى ضمان الحق في الهوية البيولوجية كجزء من الحقوق الكونية للطفل.
الأستاذة الجامعية والوزيرة السابقة  للتضامن والاندماج الاجتماعي والأسرة عواطف حيار، أفادت خلال مشاركتها في الملتقى الوطني لليتيم، بأن الإشكالية الأساسية التي تواجه قطاع حماية الطفولة تكمن في “غياب الاستمرارية” عند تعاقب الحكومات. وأوضحت حيار أن السياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة هي التزام وطني ودولي للمملكة، مما يستوجب الحفاظ على تراكم المنجزات وتفادي الانقطاع الناتج عن التغييرات الوزارية.

فيما يخص الجانب المؤسساتي، أشارت حيار إلى أن إحداث “الوكالة الوطنية للطفولة” كفيل بتحقيق الالتقائية بين مختلف المتدخلين، خاصة وأن وزارة التضامن وحدها تشرف على أكثر من 1100 مركز للرعاية الاجتماعية، وشددت في مداخلتها على ضرورة تفعيل آليات الرقابة والمواكبة، بحيث تتدخل الوكالة بشكل مباشر لمعالجة “النقط السوداء” في تسيير بعض مراكز الرعاية، مع إمكانية استبدال الجمعيات أو الأطر غير المؤهلة لضمان جودة الخدمات المقدمة للأطفال.

وأكدت خلال المداخلة على أهمية المسار التشريعي الحالي، بعد مصادقة البرلمان بغرفتيه على مشروع الوكالة، معتبرة إياه خطوة نحو مأسسة الرعاية وتجاوز الاختلالات التدبيرية السابقة.
من جهته أكد رئيس الجمعية المغربية لليتيم  ياسين رفيع بنشقرون أن الدورة الحالية للملتقى الوطني تنعقد في سياق استثنائي يتسم بدينامية ملحوظة في مجال حماية الطفولة بالمغرب، لاسيما مع صدور القانون المتعلق بالوكالة الوطنية لحماية الطفولة، وهو المشروع الذي ظل قيد الانتظار لسنوات طويلة.

وأشار المتحدث إلى أن النقاش الحالي يركز على آليات الدعم المباشر للأطفال داخل مراكز الرعاية، من خلال تخصيص منحة مالية تقدر بـ 500 درهم شهرياً لكل طفل طيلة فترة إقامته بمراكز الإيواء. وفي الوقت الذي دعا فيه إلى التفكير مستقبلاً في إحداث “مدونة للطفل” تكون جامعة وشاملة لكل حقوق الطفولة، مشددا على أن المطلب الأساسي والجوهري يظل هو “الحق في الهوية والنسب البيولوجي”.

وأوضح بنشقرون أن جميع الإصلاحات القانونية الجارية لن تحقق أهدافها في إنهاء ظاهرة التخلي عن الأطفال ما لم تتم معالجة صلب الإشكالية المرتبطة بإثبات النسب، خاصة بالنسبة للأطفال المولودين خارج إطار الزواج. وحذر من استفحال الظاهرة، كاشفاً عن أرقام صادمة تشير إلى تسجيل أكثر من 24 حالة تخلي عن الأطفال يومياً، وهو رقم في تصاعد مستمر يواكبه ارتفاع في عدد نزلاء مراكز الرعاية.

وأكد المتحدث في تصريحه على أن الحل الجذري لا يكمن فقط في الرعاية اللاحقة، بل في المقاربة الوقائية التي تضمن بقاء الطفل مع والدته البيولوجية واعتراف الأب بنسبه. كما دعا إلى فتح نقاش جدي حول حلول بديلة ومبتكرة، مثل نظام “الأسر البديلة”، لاحتضان الأطفال الذين تعذر إثبات نسبهم وضمان نشأتهم في بيئة أسرية سليمة.

رئيس الجمعية المغربية لليتيم أوضح أن الرهان اليوم لا ينبغي أن يرتكز على تعزيز مراكز “الإقامة الدائمة”، معتبراً، استناداً إلى التجربة الميدانية للجمعية، أن الإيداع المستمر للأطفال داخل هذه المؤسسات يمثل “أكبر جريمة” تُمارس في حق الطفولة. وشدد على ضرورة التحول نحو نموذج “الإيواء الاستعجالي”، نظراً للنقص الحاد في المراكز التي تستقبل الحالات الطارئة، مثل أطفال الشوارع أو الأطفال المهملين الذين يواجهون صعوبات في إيجاد مأوى فوري بسبب ضعف الطاقة الاستيعابية أو عدم ملاءمة الشروط الإدارية للمؤسسات القائمة.
وفي تشخيصه للواقع الميداني، أشار المتحدث إلى وجود مفارقة تتمثل في “وفرة” مؤسسات الإيواء الدائم مقابل “أزمة” حقيقية في مراكز التدخل الاستعجالي. وكشف أن الجمعيات تضطر في كثير من الأحيان إلى “استجداء” المؤسسات للقيام باستثناءات من أجل استقبال الأطفال في وضعيات حرجة. وأكد أن الحل الجذري لا يكمن في بناء مزيد من مراكز الإيداع الدائم التي تفتقر إليها الطفولة، بل في تشجيع الأسر المغربية على فتح أبوابها لاحتضان هؤلاء الأطفال باعتبارهم “أبناء المغرب” الذين يستحقون العيش في محيط أسري طبيعي.

ويرى المصطفى الرميد، وزير العدل والحريات الأسبق، أن إنصاف الأطفال الناتجين عن علاقات خارج إطار الزواج يتطلب وضعهم في موقعهم الشرعي والإنساني الصحيح، بعيداً عن التأويلات التي قد تحمّلهم مسؤولية أفعال لم يرتكبوها. وارتكز طرحه على ثلاث يقينيات شرعية؛ تبدأ من مبدأ العدالة والمساواة بين البشر، وتمر عبر قاعدة “المسؤولية الفردية” التي تمنع تحميل أي إنسان وزر غيره، وصولاً إلى وضوح الحدود بين الحلال والحرام بما لا يمس بحقوق الطفل البريء في الكرامة والحياة.

وفي شق إثبات النسب، يذهب الرميد إلى ضرورة استثمار الوسائل العلمية القاطعة، وفي مقدمتها فحص الحامض النووي، لرفع اللبس عن الأبوة البيولوجية. ويعتبر أن هذه الوسائل تمثل تطوراً جوهرياً يتجاوز أدوات الفقه التقليدي، مؤكداً أن قاعدة “الولد للفراش” تهدف لحماية الأسرة الشرعية ولا ينبغي توظيفها كأداة لحرمان الأطفال مجهولي النسب من حقهم في الهوية، خاصة في ظل وجود أدلة علمية تتيح قطع الشك.

أما على مستوى الحماية المادية، فيشير الرميد إلى إمكانية تفعيل قواعد القانون المدني المتعلقة بالمسؤولية عن الأضرار الملحقة بالغير لضمان حق هؤلاء الأطفال في التعويض. ويستدل في هذا الإطار باجتهادات قضائية حديثة، منها قرار محكمة النقض الصادر في أبريل 2025، الذي أقر بمسؤولية الأب البيولوجي في حالات معينة عن الأضرار الناتجة عن فعله، معتبراً أن هذا المسار يمثل تجسيداً لمقاصد الشريعة في حماية الفئات الهشة وضمان التوازن بين العقوبة على الفعل وحماية نواتجه البشرية.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *