مبارك التُوزُونِينِي… من مريد زاوية إلى سُلطان الجهاد إلى ديكتاتور تافيلالت
بعد أن انتصر على المستعمر الفرنسي في معارك عديدة، استتب له أمرُ تافيلالت، فبويع سلطانا للجِهاد.
سطلنتهُ أباحت لَهُ المُدنس والمقدس، عَمل على قلب البنية الاجتماعية، أصبحُ معه “أراذلُ” القوم آنذاك أعزة، أما ذوو الحظوة، من شرفاء وفقهاء وذوي النفوذ، فلم يعودوا مُجرد أراذل فقط، بل شملتهم حملة تطهير عنيفة.
من أرض سوس إلى تافيلالت، ومن حياة الشظف والفقر، إلى السلطنة.
مبارك التوزونيني ثائر مغربي، ومنظم المُقاومة بتافيلالت. امتدت مقاومته عبر مساحات شاسعة شملت واحات تافيلالت إلى الناحية الوسطى من الأطلس الكبير.
قال فيه الشاعر عبد الكريم السرغيني:
فتيهي دلالا يا سجلماسة وقد سعدتِ بمن أحياك بعد موتة
فلما تمكنت لهُ تافيلالت، قالت فِيه إحدى نساء قبيلة ذوي منيع:
خلاوني فهاد الغابة كالغرابة لا أمي ولا بابا
أتمنيت من الحي الباري اعطيني كابوس اعشاري
ونبين عَتباري فمُحمد بو أمداري“[1]
قصيدتان تظهران التحول الذي طبع شخصية التوزونيني من مُنقذ لأهل تافيلالت، إلى عَدو مكروه حكَم بالحديد والنار.
فمن هو مبارك التوزونيني؟ وكيف حدث هذا التحول؟
أبْصر مبارك التوزونيني النُّور سنة 1883، بقَرية تُوزُونين بإقليم طاطا، وإليها يعود لقبهُ.
لم تُحدد المصادر التاريخية أصولَهُ الجغرافية، غير أن المختار السوسي أكد على أصوله اليهودية من جد اسمهُ بدَّاح، وقد أسلمَ من بعدُ، ثم استقر بالقرية مع عائلته.
وسطٌ مُعوز وظروف اجتماعية قاهرة، ستقود التوزونيني لمنطقة تافراوت سنة 1905، لعلهُ يجد في مجَال الزراعة ما يسد رمقهُ ورمق أسرته.
من القفاف إلى حملِ السبح، تحولٌّ في حياة مبارك سيكتبُ تاريخا جديدا في حياته بأهداف أخرى.
يحكي المختار السوسي أسباب هذا التحول في كتابه المعسول: “سافرت طائفة من فقراء الشيخ الألغي إلى قبيلة املن، فباتوا في قرية اومسنات، فصادقوا مبارك هذا شابا قويا جلدا. كان يخدم هناك في سبيل تحصيل القوت… وكأنه وجد في الفقراء طلبته بما يجدونه مما يطعمون من غير كد إلا أذكارا بموالاة وإلا حمل السبح الذي هو أخف من حمل القفاف والمساحي“.
طبيعة عيشٍ، بعيدا عن ملذات الدنيا وشهواتها، تعمدُ الزهد والتقشف، جعلت مبارك يُرافقُ هؤلاء اتجاه زاوية إليغ بسوس.
طموحٌ قوي، أبانُ عنهُ مبارك في سبيل تلقي العِلم والمعرفة. فاق فقراء الزاوية ذكاء وفطنة، بل ذهب أبعد من ذلك مقلدا لشيوخه من حيث الشعر الممدود واللحية الكثيفة، والسبحتان اللتان لا تغادران عُنقه ساكنا ومتحركا.
صورة الفقير الخشع الورع، لم تكُن إلا مطية نحْو تحقيق مأرب سياسي محض، يرنو من خلالها نحو الرياسة والسلطنة.
لم يكُن التوزوينيني يُخفي ذلك، فكان كُلما باسط الفقراء يقول لهم: “لا بد أن أكون سلطانا”، ويعجب المتمكنون منهم من قصده من وراء ما يشتغل به من الأذكار.
من الديني إلى السياسي
شكلت حركة أحمد الهيبة أولى خطوات التوزونيني نحو المقاومة، حيث توافد العديد من تلاميذ زاوية إليغ على الهيبة من أجل المقاومة و(الجهاد).
عاد بعدها إلى زاوية إليغ جارا أذيال الخيبة، جراء انتهاء مقاومة الهيبة.
شرعَ التوزونيني في ارتكاب سلسلة خروقات في حق الزاوية، وظل يُفشي أسرارهَا، ويتدخل في شؤون القبيلة والحياة العامة، جعلت شيوخ الزواية يطردونهُ.
أدرك التوزونيني أن مشروعه السياسي لن ينجح بأراضي سوس، وأن جنة الرئاسة الموعودة لن تكون إلا تافيلالت.
إلى قبيلة آيت آيعزي من قبائل آيت عطا، شدَّ الرِّحال، وهو مُدرك أن تلابيب الرياسة لن تتمكن لهُ إلا عند قبائل آيت عطا بداية.
مُستغلا، من جديد، جلباب الدين والورع، استقر بجوار ضريح أمحمد نيفروتين (غرب تافيلالت)، وأحاط نفسه بنوع من الأبهة الدينية، يُكرم كُل من يأتي للضريح، ويُظهر التقشف والصلاح. يُجالس العطاويين ويُرشدهم، ليلجأ بعضها إلى ادعاء الكرامات والخوارق.
مِن مبارك التوزونيني إلى امحمد نِيفْروتِين (المخلص)… هكذا لقب نفسهُ. لقبٌ منحهُ تبجيلا وقُدسية، حتى أضحى في اعتقاد العطاويين، المهدي المُنتظر، الذي جاء لإنقاذ البلاد من الاستعمار وتجديد الإسلام.[2]
غطاء ديني وأخلاقي، ممزوج بمفهوم “البركة”، شروط مهدت للتوزونيني أخيرا فُرصة قيادة الجماهير للجهاد، وبداية بناء مشروعه السياسي.
بداية السلطنة
خضعت تافيلالت للاستعمار الفرنسي، وعُين أوستري حاكما على المنطقة.
حَكم أوستري المنطقة بقبضة من حديد: استبداد وزرعُ الخوف في نفوس المنطقة، كانت النُّقطة التي سينطلق منها مبارك التوزونيني.
رتّب التوزونيني عملية اغتيالٍ للحاكم الفرنسي، مكلفا أحد خُدامه، ونافذا إليه عن طريق وعده إياه بنعيم الجنان إن هُو امتثل لأمره.
تذكرُ المصادر أن التوزونيني اشترى فرسا، وربطه بقبة على نية الجهاد، واعتبر أن من علامات الإذن بالجهاد أن يصبح الفرسُ ذات يوم مسرجا وملجما.
بعد اغتيال أوستري، أسرجَ الفرس، مُعلنا أن الأمر قد قُضي وأن الإذن بالجهاد قد حصل، فكانت الأجواء والنفوس مهيأة لتقبل دعوته في صفوف السكان.
اجتمعَ للتوزونيني حشدٌ كبير من مختلف القبائل، كما انضم لهُ العديد من الزعماء الدينيين المنتمين للزاوية الدرقاوية.
أولى مواجهاته مع الفرنسيين، كانت معركةُ البطحاء سنة 1918 التي ستمهدُ له الطريق نحو السلطنة في تافيلالت.
مواجهةٌ انتصر فيها المقاومون، إذ تمكنوا في ظرف ثلاثة أيام من القضاء على فرقة عسكرية فرنسية كاملة، إضافة إلى قتل عشرة ضباط نافذين.
توالت المعارك، وتوالت انتصارات التوزونيني، ليُنتدب سلطانا للجهاد في تافيلالت، وتمت مبايعته من مختلف القبائل.
في ظل السلطنة… كل شيء مُباح
يحكي المختار السوسي في كتابه المعسول، معتمدا على رواية الأهالي المقربين من التوزونيني، أن هذا الأخير أكثر من الزيجات وأسند مهمة البحث والتنقيب إلى شخص يدعى علي بن المصطفى، من أجل استقصاء أخبار الحسناوات البِكر، وقد وصلت زوجاتهُ إلى ثلاث عشرة زوجة.
من جانب آخر، يذكر عبد الله حمودي في مقاله “المهدوية كإيديولوجيا سياسية بالمغرب”، أن كل امرأة طلقها لم تكن تحل بعده لرجل آخر، فزوجات السلاطين لا يمكن أن يعرفن رجالا آخرين حسب التوزونيني.
“المُلك شجَرة لا تُسقى إلا بالدم”، بهذه العبارة، التي كان يُرددها التوزونيني، تأطرت علاقته مع شُرفاء وأعيان تافيلالت.
حاوَل التوزونيني قلب النظام الاجتماعي في تافيلالت، فعمل منذ البداية على التطهير والتصفية ضد الشرفاء، وذوي النفود الديني والسياسي بالمنطقة، جاعلا أعزة البلاد أذلتها.
مد يده في أهل المخزن الموالي والأشراف، وكل من كان على صلة بهم، فصادر أموالهم، وخرب قصورهم، وعَمل على حفر حفرة تُرمى بها جثث من نفذ فيهم حكم الإعدام.
أمام هذه الحملة التي شنّها، اضطر العديد من شرفاء تافيلالت إلى الهجرة والمغادرة، أما من بقي منهم، فقد طالته يد التشهير أمام الملأ، عبرة لكل من سولت له نفسه التعامل مع المخزن أو المُستعمر.
في الجانب المُقابل، عظم من قيمة (الحراطين)، ونسجَ معهم علاقة طيبة، مستغلا بذلك وضعهم المتدني تحت سلطة الأشراف، فركز على هذه النقطة من خلال جعل حرصه الخاص من حراطين إملوان.
المُجتمع الفيلالي لم يسلم بدوره من البطش والسطوة، تجلى ذلك في فرضه للعديد من الضرائب لجنوده، إما تمرا أو خبزا أو نقدا على كثرة عددهم.
سياسات كان يرفُضها مطلقا وزير حربيته بلقاسم النكادي، فزاد بينهم التنافس والتقاطب.
في استعراض للجيش بمحضر التوزونيني سنة 1919، أذل الأخير وزير حربيته أمام الملأ، فأخرج النكادي بندقيته وأرداه قتيلا، فبويع النكادي مكانه سلطانا للجهاد.
[1]عبد المنعم أحميتي: مبارك التوزونيني ومقاومته للاستعمار الفرنسي في منطفة تافيلالت
[2] – عبد القادر بوراس، ملامح عن مقاومة زيد أوسكونتي من سنة 1907 – 1933.