رحلة إلى البرازيل.. تمارين في السحر والجمال والغواية (1/2) - Marayana - مرايانا
×
×

رحلة إلى البرازيل.. تمارين في السحر والجمال والغواية (1/2)

السّامبا. الكرنفال. البؤساء الذين ينسلّون من الفافيلا (Favela ) وينثرُون السحر في ملاعب كرة القدم. الأمازون. سطور باولو كويلو. التدفق الآسر لشلالات إجوازو ( Iguazú)…
هل البرازيل أرض.. أم فتنة وغواية؟ هل يكابد البرازيليون الحياة بنفس أرواح ومنظور باقي البشر؟

 

”الشغف.. كلمة يجب أن تعيشها لكي تفهمها”

جمهور الوداد الرياضي

الأحلام.. تنبتُ في قلب الإنسان، يسقيها، ويرعاها، يكافح من أجلها، ثم تخترق الأجساد، ويراها الآخرون واقعاً.

هذا أصل الحكاية.. تحقَّقَ المُراد، من صِغر المدينة التي ترعرعتُ فيها إلى زيارة دولة شاسعة، بلد الراقصين والسحرة: البرازيل.

عند عتبة الكوباكبانا (Copacabana)، استشعرتُ أن حلما يرى النور. قلتُ في نفسي: أجمل ما في الحياة هي هاته الانتصارات الصغيرة التي قد يهزأ من أهميتها الآخرون، لكنها.. العالمُ كله بالنسبة لك.

السّامبا. الكرنفال. البؤساء الذين ينسلّون من الفافيلا (Favela) وينثرُون السحر في ملاعب كرة القدم. الأمازون. سطور باولو كويلو. التدفق الآسر لشلالات إجوازو ( Iguazú)…

هل البرازيل أرض.. أم فتنة وغواية؟ هل يكابد البرازيليون الحياة بنفس أرواح ومنظور باقي البشر؟

مناشدة الأجوبة بدأت في رحلة من ساو باولو إلى ريو دي جانيرو، مرورا بفلوريبا  (Florianópolis) ووصولا إلى إجوازو. اقتفيت بعضاً من ملامح هذا البلد الشاسع، ولامست طبع سكانه، وتأملت شطآنه الساحرة وخُضرته الآسرة.

ريو.. عروسة أجمل مدن العالم

بداية رحلتنا مع ريو (اختصار ريو دي جانيرو). الفندق. إطلالة على شاطئ كوباكبانا الشهير. رمز البرازيليين وبطاقتهم البريدية. الشموس التي كان يساق تحتها أجدادهم كعبيد تلفح أجسادهم المنحوتة. لقد اضطرت بعض فعاليات المجتمع المدني قبل سنوات لحث البرازيليات على التوقف عن الافتتان بمؤخرة كارداشيان ومحاكاتها. حتى النضال بجديته قد يحمل أبعادا ساخرة و  إيروتيكية !

عندما يرخي الليل سدوله، يتقاطر “الكاريوكاس” (سكان ريو يلقبون هكذا !) على الشطآن لتمرين أجسادهم، يذرعون المسار الساحر من الكوباكابنا إلى شاطئ ليبلون (Leblon)، مرورا بـ “البانيما” (Panema) . شاهدتهم يراقصون حتى الحياة عندما يلعبون كرة الطائرة بأرجلهم.  كثيرون يتلمظون ”الكايبرينيا”، المشروب الأشهر في البلد (”كاشاسا”، وسكر، وليمون، وقطع ثلج).

الأجانب والسياح يلقبون بـ”غرينغو” (gringo) . عدم إتقان أغلب البرازيليين للإنجليزية يضع حاجزا مع السياح، لكن أغلبهم يتواصلون بلغات أجمل : بالرقص، والأجساد، والنظرات، والابتسامات الودودة…

وأنا أذرع شوارع جنوب المدينة السياحي، استوقفتني مقولة للشاعر البرازيلي كارلوس درونومد دي آندرادي: “كلما زاد وعيكَ بقيمة الكلمات، كلما أصبحتَ أكثر تطلّباً عند استخدامها“. غير بعيد عن الشطآن، تتواجد منطقة ليبلون، أرقى وأفخم حي في البرازيل. يشبه الناس هنالك الإنسان المثالي الذي حلم به الإغريق، أجسام رياضية مثالية وملابس فاخرة.

لم أفوت أكل الشوارع لأن روح أي بلد كامنة فيه. من المبهر تَوفّر إمكانية الأداء بالبطاقة البنكية في كل مكان ومهما كان مبلغ البضاعة.. حتى عند الباعة المتجولين.

عندما تنتهين من استجمامهن في الشواطئ، تتبضع بعض البرازيليات بلباس السباحة في مشهد قد يشكل انتكاسة أخلاقية في أغلب دول العالم. عندما تقسو الشموس، لمحت رجالا، في ريو وساو باولو، يجابهونها بصدور عارية. تشعر أن علاقة البرازيليين باللباس مرنة وغير مأزومة.. في عيونهم، اللباس مجرد قماش ملائم لجو ونشاط معينين.

سحر ريو وتناقضاتها.. تمثال المسيح الفادي والفافيلا  

استيقظتُ. إنه يوم “المسيح الفادي”. تغمركَ مشاعر دافئة عندما تفصلك سويعات عن زيارة واحدة من عجائب الدنيا. إن هذا اليوم يشبه تلك الصباحات الأثيرة: عندما تجتاز امتحان الباكالوريا، تذهب للمطار لتهجر بلدك بقلب مدمّى، أو تُصبح على بهجة الأعياد.

الضباب يُظهر وجه التمثال ويخفيه، وكأنه يرقص معه. الجلبة والاكتظاظ يقللان من عظمة زيارة هذه التحفة. تشعر كأنك في صراع مع حشد يبحث عن مفاتيح الجنة.

بذلت مجهودا ملحميا (ها أنا أقع في فخ السياحة الاستعراضية الذي انتقدته سابقا!). ساعتان من طي الأيادي وتمديدها لكي تتطابق مع أيدي التمثال.  لو بذلتَ يا أحمد نفس هذا المجهود، كل يوم، في الصحافة والكتابة، لصرتَ مثل أرنست همنغواي. هكذا تهكمت.

بعد الأصيل، يهجر بعض السياح الشطآن ويبحثون عن المرتفعات مناشدة لسحر الغروب. رافقني البرازيلي برونو إلى صخرة “بيادرا دي أربودور (Pedra do Arpoador) حيث تتراءى من بعيد تلة الأخوين والأحياء العشوائية. انتظار رحيل الشمس بخشوع ممزوج بتأمل البؤساء المكدسين في الفافيلا.

أيادي العشاق نشيطة، بعضها يداعِب، والأخرى تؤمّن الوساطة بين المشروبات الروحية والروح.

أطلعني برونو على مبدعة برازيلية كبيرة، مايارا ليما، الملكة الأشهر لفرق السامبا في البلد. أرجلها ترقص بتناغم مبهر مع إيقاعات الفرقة، وتناظرُ وسرعةُ حركات سيقانها توحي أنها تلاعب الشياطين. أتأسّف لكَونِ اللاشعور العالمي يختزل المرأة اللاتينية في امرأة كولومبية أو برازيلية فاتنة وساخنة، ولا تحظى مبدعات مثل مايارا أو مناضلات أخريات بالتقدير العالمي اللازم.

فافيلا روسينيا

بعد المتعة، جاء وقت التأمل والتساؤل. زيارة لروسينيا (Rocinha). أكبر فافيلا في ريو وأمريكا الجنوبية. الوجه المظلم للبرازيل. تفاديت الذهاب في رحلة منظمة، متأثرا بموعظة برازيلية شبّهت الأمر برحلة سفاري لزيارة الحيوانات.

في هذا البلد، كلما زاد الحي فقرا، اقتربت من رأسك الأسلاك الكهربائية. رُعبٌ معلّق في الهواء.

كانت زيارةً خاطفة، لكنني اقتفيت منها فقر الناس، وعشوائية البناء، وفوضى حركة المرور. لكن، على عكس ما هو شائع، الفافيلا في جنوب ريو ليست خطيرة، بل هي محج لسياح كثر يريدون اكتشاف آلام المدينة. تُطل روسينيا على غابات كثيفة وفاتنة. إن الفقر الحقيقي هو فقر المساحات الخضراء!

… ليل ريو ليس كنهارها. على مقربة من درج سيلارون الشهير، “لابا” (lapa)، ملاذ عشاق الحياة الليلية. المنطقة محظورة على الملائكة، ويُنصح فيها بإزاحة الخطوط الحمراء للعيون والأقدام بضعة أمتار. أظن أن لابا من المناطق النادرة في العالم التي تكون خطيرة في الصباح وآمنة في الليل بسبب تقاطر السياح عليها في المساء.

يتمايل البعض تحت تأثير “الكاشاسا” ويلعب البعض الآخر دور روبين هود العاشق الذي سينقذ برازيلية من الفقر. من المثير للدهشة أن يزور بعض السياح البرازيل فقط لامتحان قدراتهم على إغواء النساء، والسعي وراء خطيئة الكرنفال، واكتشاف سخاء الحياة الليلية في أمريكا الجنوبية…

نغمات المغني البرازيلي دچايفان (Djavan) مازالت تصدح.. لتبارك خطايا الساهرين:

قلب، ورغبة، ومصير

كل شيء آخر، الروتين الخالص وموسيقى الجاز

سأعزف اسمك حتى أتكلم لغة الحب

أميرتي، إنك أحدث فن للطبيعة…

مع ليل ريو المُريب، نختم هذا الجزء الأول. ن

… ونواصل في الجزء الثاني اكتشاف جواهر ريو، قبل التوجه إلى سحر شواطئ فلوريبا وشلالات إجوازو.

 

لقراءة الجزء الثاني: جواهر البرازيل.. سحر شلالات إجوازو وشواطئ فلوريبا 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *