عاشوراء في المغرب: بين فرح السنة وحزن الشيعة. حسينيات، تشيع خفي… وبكاء بصوت خافت - Marayana - مرايانا
×
×

عاشوراء في المغرب: بين فرح السنة وحزن الشيعة. حسينيات، تشيع خفي… وبكاء بصوت خافت

طقسَنا يختلف عن السنة في المنازل المجاورة. عندهم، احتفال وفرح، وعندي حزن وبكاء وذكرى حُسيناه. غير أن الفارق بيننا، أن السنة يحتفلونَ جهرا، يفرحون في الأسواق والبيوت، فيما نحن نقيم العزاء سرا. حتى السواد نلبسهُ سرا”.

1ــــ “نشتري الفواكه المجففة، الألعاب للأطفال، نحتفي بأيام عاشوراء، نلهو في الحي وننشد بعض الأغاني الشعبية؛ “عِيشُوِري عِيشُوِري، حْنِيتْ عْلِيكْ شْعُورِي”، نجتمع مع الأسرة ليلة عاشوراء، نُعِدُّ الكسكس… هكذا تمر عاشوراء عندنا”.

2ــــ “نلبس السواد، نجتمع سرا، نبكي وندعو الله سراً، نتذكَّرُ كربلاء، نبكي الحسين، نبدأ من اليوم الأول لعاشوراء لغاية العاشر من الشهر ذاته، الذي نقيم فيها ليلة العزاء. لسنا كسائر المغاربة. عاشوراء ليست مناسبة للاحتفال”.

في الشهادة الأولى، حدثتنا فاطمة، مغربية سنية كأغلب المغاربة،  وجدناها في السوق تشتري الفواكه المجففة استعدادا لإسعاد أبنائها ولفرح الليلة العاشرة. في المقابل، وفي الشهادة الثانية، الكلام  ليونس (اسم مستعار)، المغربي الشيعي، يحدثنا عن حزنه خلالَ أيام عاشوراء، وعن الذكرى الذي تشكل له، وللكثير من أمثاله، أيام سوادٍ وبكاءٍ ونحيب.

في عاشوراء؛ يكثُر الحديث، في المغرب، عن طقوس الفرح والاحتفال طيلة عشرة أيام. غير أن طُقوسا أخرى يقل عنها الحديث، تمرُّ في أجواء صامتة وفي أماكنَ خاصَّة.

… بين مظاهر الاحتفال والبكاء والنحيب، بين ليلة الفرح وليلة العزاء يحدث سوءُ فهم كبير.

التشيُّع الخفي

لُطَميات وحُسَيْنِيَّات وأشعار تبكي الحسين، تشيُّع ولبس سواد… هكذا يقضي الشيعة المغاربة أيامَ عاشوراء بالمغرب في مدن عديدة، حجُّ نحو كربلاء من المغرب، صمت واختفاء عن الأنظار والكثير من الصور النمطية التي تسقط على الشيعة المغاربة.

مرايانا حاولت الوصول لشيعة مغاربة، للحديث عن عاشوراء بين المحنة والاحتفال. يتحدث يونس لمرايانا ويقول: “طقسَنا يختلف عن السنة في المنازل المجاورة. عندهم، احتفال وفرح، وعندي حزن وبكاء وذكرى حُسيناه. غير أن الفارق بيننا، أن السنة يحتفلونَ جهرا، يفرحون في الأسواق والبيوت، فيما نحن نقيم العزاء سرا. حتى السواد نلبسهُ سرا”.

ينطلق طقسُ العزاء اليومَ الأولَ في فاتح شهر محرم، يلبس الشيعة ملابسَ وعمامات سوداء حُزناً على واقعة كربلاء، التي حدثت في العاشر من محرم 61 هجرية. منذ ذلك الحين، ولحدود الساعة، دأب الشيعة على جعل هاته الذكرى فرصة لاستحضار موت الحسين بكربلاء بالعراق.

يقولُ يونس: “نجتمع في منازل متفرقة بشكل سري لإقامة مجالس للذكر واللطميات. يجمعنا رابط الأخوة لإقامة الحسينيات حيث الدرس الشيعي وأثر الحسين، وأشعارَ شيوخ وشعراء التشيُّع، فضلا عن طقس اللطم على الصدر”.

يؤكد يونس:  “كشيعة مغاربة، على الرغم من أننا نجتمع فيما بيننا دون إزعاج الآخرين، إلا أنه يصعب أن نخرج للعلن أو أن نؤدي طقوسنا علنا، كما هو الشأن بالنسبة للشيعة في دول مُختلفة”.

يجيب يونس على سؤال التطبير، وما إن كان يُستعمل في المغرب، لينفي ذلك مشيرا إلى أنهم يكتفون بسماع الدروس وترديد المواويل الشيعية وغيرها. (التطبير أو الإدماء، طقس يمارسه بعض الشيعة، خلال هذه المناسبة).

يحرص الشيعة في المغرب على سرية إقامة جلساتهم، ويصعُب أن تدخل عالمهم، بل وحتى أن تصل لبعض آرائهم، مخافة ردود الأفعال السلبية تجاهَ الشيعة المغاربة؛ فالنظرة التي يرى بها الكثيرون الشيعة نظرة تحمل الكثير من التشكيك والأحكام الجاهزة. ولأجل ذلك، يفضل الكثير من الشيعة المغاربة عدم الإفصاح عن هوياتهم حتى، ولا التصريح لوسائل الإعلام، وفي حالات قليلة يتحدثون بأسماءَ وشخصيات مستعارة.

من أوربة لحزب اللَّه

محمد أكديد، الباحث في علم الاجتماع واختلاف المذاهب الإسلامية، يقول في حديث لمرايانا إن الوجود الشيعي في المغرب يتخذ مظهرين: مظهر قديم ابتدأ منذ لجوء العلويين إلى المغرب بعد قدوم المولى إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، حيث بايعه أمازيغ قبيلة أوربة، وتزوج منهم ليؤسس أول دولة علوية بالمغرب، وهي الدولة الإدريسية؛ وإن كان بعض الباحثين يطعن في شيعية هذه الدولة، لأن حكامها كانوا متسامحين مع كل المذاهب.

هل هناك امتداد شيعي في المغرب تاريخياً؟ سؤال يجيب عنه أكديد مشيرا إلى أنه في المغرب كانت، ولازالت، عدد من القبائل والكثير من الأسر تحزن لمقتل الإمام الحسين في عاشوراء، حيث يتوقفون عن عدد من الأعمال، كغسل الثياب والغسل والتطيب.

الباحث أشار إلى أن هناك مظهراً حديثاً، بدأ بعد تفاعل المغاربة مع أحداث الثورة الإسلامية في إيران، والتي شكلت نقطة تحول كبرى في المنطقة العربية الإسلامية، حيث تبنى بعض المنتسبين للحركة الإسلامية منهج هذه الثورة، فضلا عن تأثرهم بمناسبات لبعض وجوه التشيع في العالم الإسلامي، كالمرجع الراحل محمد حسين فضل الله من لبنان، وآية الله العظمى محمد باقر الصدر من العراق،  إضافة لكتابات الإمام الخميني.

يؤكد الباحث أن تفاعل المغاربة مع الشيعة، ازداد قوة بعد انتصارات حزب الله اللبناني على إسرائيل سنة 2006، وإن كان هناك بعض التراجع خلال الأزمة السورية؛ نتيجة دعم الحزب لنظام بشار الأسد؛ إلا أن الإعلام الشيعي لعب دورا كبيرا في انتشار التشيع، خصوصا بعد سقوط نظام صدام حسين، دون أن ننسى دور إيران في دعم حركة التشيع عالميا.

عاشوراء…حزن شيعي

يحزن الشيعة بمناسبة عاشوراء لما جرى لأهل بيت الرسول في كربلاء بالعراق، حيث تمت محاصرة الإمام الحسين مع أصحابه ونساء أهل البيت، فقُتل الرجال وسُبيت النساء على يد الجيش الأموي بأمر من يزيد بن معاوية.

يقول أكديد إن أغلب الشيعة ندم على عدم نصرة الحسين، وقاد بعض قادتهم حملات انتقامية ضد الأمويين، في الوقت الذي قام فيه الأمويون بالشام بالاحتفال بانتصارهم ضد الحسين وإظهار الفرح والسرور.

“ليبرر فقهاؤهم ذلك، قاموا باختلاق روايات غريبة تقول بأن الله نجى نبيه موسى من فرعون وخليله إبراهيم من نار النمرود ويونس من بطن الحوت إلى غير ذلك في عاشوراء، مما صدقه الناس وإن رفضه وكذبه عدد من كبار علماء السنة كابن الجوزي في كتابه الموضوعات” حسب أكديد.

حِليٌ وحكايات شعبية

من بين تمظهرات التدين الشيعي في المغرب ما يورده الباحث، من مودة المغاربة لأهل البيت وتسمية أبنائهم بأسمائهم، على غرار علي، فاطمة والحسن والحسين (بالنسبة للتوأم). كما أن هذا الحب حاضر بقوة في طرب الملحون خصوصا.

يحضُر حب الشيعة في التقاليد المغربية كإحياء أربعينية الميت، والأقوال الشعبية حيث كان أجدادنا يصفون قوس قزح بـ “حزام “لالة فاطمة الزهراء”، ويصوغ الصاغة عقودا من الفضة والذهب على شكل يد مفتوحة (الخميسة) تيمنا بالخمسة من أهل الكساء، وهم حسب رواية مسلم (عند أهل السنة): محمد وعلي وفاطمة والحسنين.

الباحث السوسيولوجي يقول إنه سمع مرات عديدة حين كان صغيراً، حكايات شعبية عن بطولات الإمام علي، مؤكدا أن القصاص كان يحكي في حلقات، مثل حلقات جامع الفنا بمراكش، عن الشيعة والتشيع، كما كانت منتشرة في كل المدن المغربية قبل شيوع وسائل الإعلام السمعي البصري، ومنها مدينة الدار البيضاء.

مقالات قد تهمك:

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *