بعد إعلان رأس السنة الأمازيغية “عيدا” وطنيا… أوراش تنتظر المغرب لتكريس الثقافة الأمازيغية ؟ - Marayana - مرايانا
×
×

بعد إعلان رأس السنة الأمازيغية “عيدا” وطنيا… أوراش تنتظر المغرب لتكريس الثقافة الأمازيغية ؟

ماذا بعد القرار الملكي القاضي بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مؤدى عنها؟ ربما، يغدو هذا السؤال ذا قيمة كبيرة، على اعتبار أنّ إعلان “إيضيناير” عيدا وطنيّا رسميّا، كان من …

ماذا بعد القرار الملكي القاضي بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مؤدى عنها؟ ربما، يغدو هذا السؤال ذا قيمة كبيرة، على اعتبار أنّ إعلان “إيضيناير” عيدا وطنيّا رسميّا، كان من بين أشهر مطالب الحركة الأمازيغية المغربية ومعها أصوات الديمقراطيين والحداثيين…

لكن… هل يمكن اعتبار هذا القرار إنهاءً للحيف، الذي يقال إن الثقافة الأمازيغية بالمملكة المغربية، عانت منه على الدوام، وأدى إلى تحجيم لغة الأجداد؟

أيّ نضال مطلوب؟

يقول الكاتب الأمازيغي الحسن باكريم إنه، بعد هذا الاعتراف، سيكون مطلوبا من الحركة الثقافية الأمازيغية أن تستمر في جهودها لكي تصبح لغة الأجداد رصيداً مشتركاً لكلّ المغاربة، وأن يتعلموها ويتقنوها باعتبارها جزءاً من الهوية المغربية.

الأمازيغية في حاجة إلى الإنصاف، ولهذا ينبغي إعادة الاعتبار للغة ظلت مهمّشة لأسباب أيديولوجية كانت معروفة وتتغذى من أفكار دخيلة وهدامة. النّضال ينبغي أن يستمر حتى تعود للأمازيغية مكانتها داخل الدوائر الرسمية، بما فيها تلك التي تصنع في القرارات وتدار فيها السّياسات الاستراتيجيّة للبلد.

لهذا، يقول باكريم، في تواصله مع مرايانا، إنّ دسترة الأمازيغية لازالت تعرفُ تعثّراً، ينبغي تجاوزه، لأنّ تفعيل القانون لازال محكوما بكوابح كثيرة، ونحن نعرف أن اليونسكو تعتبر اللغة الأمازيغية من بين 50 لغة مهددة بالانقراض حول العالم. بالتالي، لازال الطريق شاقا لكي نصل إلى الطموحات المرجوة. لكن التعجيل بوضع سياسات في صالح الأمازيغية، باسم التمييز الإيجابي، أمر مطلوب حاليا ولا يشكل ترفا سياسيا أو ثقافيا أو اجتماعيا.

السّير على منوال القرار الملكي الأخير، وفق المتحدث، لا ينبغي أن يخلق شروداً أو حيرة أو تردداً، وذلك لكون إعلان رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية بالمغرب هو نابع من مسار، بدأ في خطاب أجدير سنة 2001، كما أعاد الملك التأكيد على التّاريخ الأمازيغي الطويل للمغرب في خطاب 20 غشت 2021.

مسار الاهتمام الرسمي بالأمازيغية بدأ عمليا مع تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وبعده صارت “تيفيناغ” حرفا رسميا لكتابة اليافطات وأسماء المؤسسات العمومية؛ ناهيك عن تأسيس القناة الأمازيغية سنة 2010. في المحصلة، سيكون دستور 2011 الثمرة المبدئية التي نصّت على الطابع الرسمي للأمازيغية إلى جانب العربية.

يتقاطع الناشط الأمازيغي عمر إسرى، رئيس منظمة جيل تمغربيت، مع باكريم معتبراً أنّ “الملك قام بكل ما يجب لإعادة الاعتبار للأمازيغية لغة وثقافة، ووضع خارطة طريق واضحة لتدبير التنوع اللغوي والثقافي ببلادنا من خلال مختلف خطبه وقراراته وتوجيهاته. الآن، المغاربة ينتظرون من المؤسسات المعنية تفعيل القرارات والتوجيهات الملكية وروح دستور 2011 في هذا الإطار”.

الأولوية، حسب ما فسره إسرى لمرايانا، يجب أن تكون لقطاع التربية والتكوين، من خلال توطين شعبة الدراسات الأمازيغية في كل الكليات والجامعات، وتوسيع قدرتها الاستيعابية، لتوفير الموارد البشرية الكافية، وتسريع إدماج هذه اللغة أفقيا وعموديا في جميع أسلاك التعليم…

لا يودّ الناشط الأمازيغي أن يغفل ذكر ضرورة بذل مجهودات أكبر من طرف المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية بعد تنصيبه، لاستكمال توحيد و تثمين هذه اللغة، كما يجب توفير إمكانيات أكبر للقناة الأمازيغية وتوسيع البرامج الناطقة بهذه اللغة في كل وسائل الإعلام العمومية والخاصة.

على ضوء روح القرار الملكي التاريخي الأخير، يجد إسرى أنه “يجب إعادة النظر في الأبحاث المتعلقة بتاريخ المغرب، وجعل هذا الإرث العريق في خدمة الرأسمال اللامادي للمملكة، وجعله عنصرا ضمن عناصر أخرى يمكن أن تشكل قوة ناعمة في خدمة تموقع وطننا إقليميا وقاريا ودوليا. دون أن ننسى قطاع العدل والصحة وغيرهما”.

ماذا تبقى؟

الكاتب المغربي أحمد عصيد يقول إنّ ترسيم رأس السنة الأمازيغية كان بمثابة آخر مطلب من مطالب الحركة الأمازيغية بعد إدراجها في التعليم سنة 2003 والإعلام سنة 2006، ثم في الدستور سنة 2011، وبعد ذلك في القضاء والإدارة، خاصة بعد صدور القانون التنظيمي سنة 2019 والذي يحدد كيفيات ومراحل إدراج الأمازيغية في مختلف قطاعات الدولة.

لكن عصيد يرى أنه “اليوم، بعد ترسيم رأس السنة، الذي له رمزية هوياتية قوية تعمق الارتباط بالأرض والوعي بتاريخ عريق، يمكن القول بأن المعارك المقبلة تبقى هي الضغط على الحكومة من أجل التفعيل الأمثل لما ينص عليه الدستور والقانون التنظيمي، لأن المعضلة في بلادنا ليست هي أن نصل إلى وضع القوانين وتطويرها، بل هي تفعيل تلك القوانين على أرض الواقع بعد المصادقة البرلمانية عليها وصدورها في الجريدة الرسمية “.

وفق ما أوضحه عصيد لمرايانا، فإنّ “الورش الأكبر الذي ما زال يراوح مكانه، رغم أنه الأولوية المطلقة بالنسبة لهذا الموضوع، هو تعميم تعليم اللغة الأمازيغية أفقيا على كل التراب الوطني، وعموديا على كل أسلاك التعليم من الابتدائي إلى العالي”.

يتأسف المتحدث لكون “الأمازيغية لم تتعد نسبة 10 في المائة من التلاميذ حتى اليوم، أي بعد عشرين سنة، رغم أنها أدرجت في التعليم منذ سنة 2003. هذا المعطى تعترف به وزارة التربية نفسها في إحصاء رسمي”.

كما يشير عصيد أن “وزارة التربية تخصص حاليا 400 منصب مالي لمدرسي الأمازيغية، بينما لتطبيق ما ينص عليه القانون التنظيمي الذي حدد أجل تعميم تدريس الأمازيغية في الابتدائي في خمس سنوات، لابد من تخصيص ما بين 1500 و2000 مدرس في السنة الواحدة، وإلا فإن التعميم لن يتحقق إلا بعد عمر طويل مما يعني خرق القانون التنظيمي”.

يذهب الناشط الأمازيغي والباحث في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية إلى أن إدراج الأمازيغيّة في الإعلام لم يتحقق عمليا على الوجه المطلوب إلى اليوم، رغم أن دفاتر التحملات نصت على ذلك منذ سنة 2012، ولكنها بقيت دون تفعيل؛ فما زال إنتاج البرامج باللغة الأمازيغية في وسائل الإعلام الإذاعية والتلفزية جميعها لا يتعدى 2 في المائة، مع العلم أن اللغة أصبحت رسمية منذ 2011″.

هذان الورشان، بالنسبة لعصيد، هما الأولويتان اللّتان ستعمل الحركة بشراكة مع الحكومة على تحقيق التقدم المطلوب فيهما، وهو العمل الأساسي المنتظر في السنوات القادمة خاصة بعد أن رصدت الحكومة الحالية لأول مرة ميزانية هامة للأمازيغية في قانونها المالي.

عصيد يعتبر، في النهاية، أنه ليست ثمة حاجة إلى التأكيد على أن إنجاح تعميم تدريس اللغة هو الذي يضمن تكوين أطر للدولة في تلك اللغة، وقد لاحظنا بأن الحكومة أعطت أولوية للإدارة وللترجمة في الوقت الذي نحتاج فيه إلى تكوين الأطر الكفأة في هذه المجالات عبر إنجاح التعليم، الذي سيضمن سهولة إدراج الأمازيغية في القضاء والصحة والشأن الديني وكل القطاعات الأخرى.

من جهته، يحبّذ عمر إسرى، الناشط الأمازيغي أنّ يتم تفعيل عملية إعادة الاعتبار للأمازيغية على ضوء سياسة شمولية تثمّن جميع مكونات الثقافة المغربية بدون استثناء، العربية الإسلامية والعبرية اليهودية والرافد الحسّاني والعمق الإفريقيّ، من داخل منطق يهدف إلى تعزيز الوحدة واللّحمة الوطنيّتين، في إطار هوية جماعيّة موحدة سميناها “تمغربيت” وأصّلنا لها منذ بداية 2019، في “منظمة جيل تمغربيت”.

كخلاصة، يقول إسرى إننا “حينما نتحدث عن صناعة التقدم انطلاقا من إعادة الاعتبار لثقافتنا الموحدة في تنوعها، فنحن لا نتحدث فقط عن اللغة والعادات والأعراف، وإنما عن القيم أيضا. لذلك، قلنا إن زرع “قيم تمغربيت”، قيم التسامح والتعايش والانفتاح والتضامن والانضباط والتشبث بالأرض، من شأنه أن ينتج لنا أجيالا نزيهة منضبطة تحب وطنها وتفتخر بفسيفسائه الحضارية، وتاريخه الضاربة جذوره في أعماق التاريخ.

هذا تحديدا ما سيساهم، وفق الناشط الأمازيغي، في تقوية الافتخار بالانتماء لهذه الأرض والذود عن قضاياها المصيرية، ناهيك عن تشكيل هوية وطنية منفتحة ومتسامحة بمثابة مناعة وطنية ضد الاستلاب والتطرف.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *