منى نوال حلمي: إلغاء وصاية وتحكم ثقافة الموت المعلبة في العادات والعُرف والتقاليد - Marayana - مرايانا
×
×

منى نوال حلمي: إلغاء وصاية وتحكم ثقافة الموت المعلبة في العادات والعُرف والتقاليد

نحن نرفض أن يتحكم الأحياء في مصير الأحياء، كيف إذن نقبل أن يتحكم الموتى في مصير الأحياء؟!
البشر الذين صنعوا العادات والتقاليد والأعراف، هم أنفسهم يتغيرون. كيف إذن يتغير الأصل ولا تتغير الصورة؟ كيف يتغير الصانع ولا يتغير المصنوع؟ كيف لمنْ يرقد تحت التراب، أن يكسر أجنحة منْ يريد التحليق للسماء؟

حدث لي شيء مؤخرا، ما كنت أتمنى أن يحدث لي، وهو أنني لم أعد أقرأ وأتابع أخبار العالم.

قراءة ومتابعة أخبار العالم أصبحت تصيبني بواحدة من هذه الحالات السلبية، أو بالثلاث حالات كلها معا. وهذه الحالات هي إما العار، أو الكآبة… أو الغيظ.

أشعر بالعار من العالم، عندما أدرك أن “الفقر” مازال يعربد في مناطق كثيرة، بل ازداد في بعض المجتمعات البائسة؛ بينما البذخ ينفق على كماليات أو على إنتاج الأسلحة، أو على بناء دور العبادة، أو على مستحضرات التجميل.

أشعر بالكآبة من جرائم البشر… وأكثرها بشاعة قتل الفتيات والنساء على أيدي ذكور الأسرة والعائلة، لفقدهن غشاء البكارة، رمز “الشرف الذكوري”؛ وبسبب جرائم الطبيعة مثل الزلازل والفيضانات.

وأشعر بالغيظ، لأن هناك معنا بلادا على كوكب الأرض، لا تجعل يوما يمر دون زيادة في معدلات التغيير والتقدم الحضاري في جميع المجالات؛ بينما بلادنا التي تشاركها العيش على الكوكب نفسه، “نائمة” أو “مغيبة” أو “متجمدة” في مكانها متوقفة عن التغير والتغيير، منذ قرون.

الفجوة بين بلادنا وبلاد أخرى، أصبحت صعبة الاحتمال، وتشبثنا المستميت بأحوالنا ينبئ بما لا يسر عدوا أو حبيبا.

عندما أتأمل هذه الفجوة الشاسعة بيننا وبين البلاد الأخرى، أجد أن أحد الأسباب الرئيسية هي “تمجيد ثقافة الماضي” بكل عاداته وأعرافه وتقاليده، والتي أغلبها ثقافة موت وليست ثقافة حياة.

نحن لا يهمنا منفعة الناس ومصلحتهم وسعادتهم ورقيهم. ما يهمنا، فقط لا غير، هو الحفاظ على ما ورثناه من عادات وتقاليد وأعراف منذ قرون طويلة.

بلادنا أسيرة العادات والتقاليد والأعراف، ولا تريد التحرر والانعتاق.

والأكثر خطورة، القول بأن هذه العادات والتقاليد والأعراف، هي بمثابة “الإرث المقدس” الذي لا يمكن الاقتراب منه، وهو أيضا “هوية الوطن” و “خصوصية المجتمع”.

النتيجة الطبيعية المنطقية، أن أي مواطنة أو مواطن يطالب بتغيير هذه العادات والتقاليد والأعراف، حتى تلائم تغيرات الحياة والبشر، وتساعد على النهضة وعلى التقدم والمزيد من الحريات والعدالة، يُتهم فورا بأنه يريد “مسح” هويتنا و”تدمير” خصوصيتنا؛ وأنه “عميل” للغرب الاستعماري الكافر، المنحل، وأنه “ترس” صغير في مؤامرة عالمية متشابكة الحلفاء، وهم ينفذون أجندة مشبوهة الغرض والتمويل، للنيل من إسلامنا، وهويتنا، وخصوصياتنا.

كل هذه الاتهامات الأخلاقية المعلبة الجاهزة، لا يوجد أي دليل حي أو ميت، يثبت صحتها. غاية الأمر أن هناك مواطنة أو مواطنا “تجرأ” على ما لا يجوز “التجرؤ” عليه في وضح النهار، وعلى الملأ، “دون أدنى حياء”.

بل، على العكس، فالأدلة المادية الملموسة والمقروءة والمسموعة والمرئية، هي التي تثبت وعلى الملأ، أننا مازلنا نستهلك عادات وتقاليد وأعراف الموتى، على مر الأزمنة. ما نشهده من ردة ثقافية ونكسة حضارية وتأخر فكري وتعصبات دينية وعداوات طوائفية وتضخمات ذكورية ضد النساء، هي نتيجة مباشرة للجمود وعدم التفاعل مع تغيرات الحياة، والتوقف عند أزمنة تخاصم التجديد، وانتهى تاريخ صلاحيتها.

أنا لا أفهم مقولة: “نتغير دون المساس بالعادات والتقاليد التي تربينا عليها”. هذه المقولة هي صلب وقلب الإرهاب الفكري والإرهاب الديني والإرهاب الثقافي الذي يُستخدَم لتكفير الناس وتشويه سمعتهم والتشويش على آرائهم الجديدة المجددة؛ هي تهدد في الصميم “لقمة عيش” البعض.

نعم… إن التخلف والأفكار السلفية الرجعية الصحراوية الرملية، وما يلازمها من أزياء صحراوية ومفاهيم قاسية التزمت، منفرة التطرف، فاجرة الذكورية، أصبحت “شغل” الكثيرين، وهي “بيزنس” رائج يدعمه مشايخ ودعاة و”مفكرون” ودول وتنظيمات وجمعيات ومراكز تلتقي كلها في ترسيخ النظام العالمي الحالي، هو تحالف الرأسمالية المتوحشة مع الصهيونية مع الأصوليات الدينية مع التسلح مع الذكورية.

من هنا نفهم الحرب الضارية التي تنتظر كل إنسان يخلخل هذا التحالف ويفضحه ويفلس بضاعته الفاسدة الدموية. بضاعة تقتلنا بكل الوسائل، لكنها تخدعنا بأسماء براقة.

إن خلخلة هذا التحالف، ربما تبدأ من أي اتجاه. لكنها بالتأكيد لابد أن تمر من “فضح” الإرث المقدس للعادات والتقاليد والأعراف، التي تتخفى تحت مبررات ثقافية أو دينية أو أخلاقية.

أنا لا أفهم كيف نتغير دون المساس بالعادات والتقاليد والأعراف، كما يردد أغلب أعضاء وعضوات الدفاع عن التحالف الذي يخنقنا، ويزدهر على حساب تجمدنا في مكاننا؟

العادات والتقاليد والأعراف، هي التي “تشكل” الحياة، بكل تفاصيلها، وفي جميع مجالاتها، وهي التي تعكس أفكارنا ومعتقداتنا وقناعتنا ومشاعرنا وأخلاقنا وتحيزاتنا الوجدانية؛ وهي التي تنتج، بالتالي، الأحكام والإدانات والعنصريات والتعصبات والتحالفات السامة التي تقتل الأفراد والشعوب.

أنا أؤمن بأن ما يسمى بالتقدم أو الرقي الحضاري أو النهضة الفكرية والثقافية التي تحررنا من هذا التحالف أو الاخطبوط، هو بالتحديد الخروج من سجن العادات والتقاليد والأعراف التي ورثناها من الموتى، والتي نمنحها، بدون مبرر، “القدسية”، و”الثبات”.

العادات والتقاليد والأعراف الموروثة ليست مقدسة وليست ثابتة. والدليل على ذلك أن البشر، على مر العصور، قد قاموا فعلا، بتغيير عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم، أكثر من مرة، وفي كل المجتمعات.

نحن نرفض أن يتحكم الأحياء في مصير الأحياء، كيف إذن نقبل أن يتحكم الموتى في مصير الأحياء؟!

لقد علمتنا الفلسفة أنه لا شيء “ثابت”، إلا “التغير”.

وعلى عكس ما يُشيعه أنصار الجمود، فإن أكثر الناس حباً لأوطانهم، هم الذين يصرون على التغيير والتجديد.

إن البشر الذين صنعوا العادات والتقاليد والأعراف، هم أنفسهم يتغيرون. كيف إذن يتغير الأصل ولا تتغير الصورة؟ كيف يتغير الصانع ولا يتغير المصنوع؟ كيف لمنْ يرقد تحت التراب، أن يكسر أجنحة منْ يريد التحليق للسماء؟

الشِعر خاتمتي

قصيدة: لحظات جنون

 

يامنْ سافر وتركني للشجون

لا تغضب من لحظات جنوني

لكل الشاعرات لحظات جنون.

أرجوك..

لا تغضب من أوقات ضجري

لكل النساء لحظات ضجر

لا تغضب من تهوري وتناقضاتي

فأنا لست حرة كما تعتقد

مسيرة أنا لا مخيرة

أنا تحت أمر مزاجي وجيناتي

أرجوك…

لا تغضب من نرجسيتي وغروري

وأوقات يتفرعن فيها الكبرياء

ماذا يبقى مِني ومن الشِعر

اذا انتحر الغرور ومات الكبرياء؟

لا تغضب من كلمات استعلاء

أقولها وأنا أتحدى القدر

هل يضايقك أنني أحيانا

أرى كل النساء نجوما

وأنا القمر؟

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *