×
×

صوت الحسن ينادي… بصوتك يا صحرا: التحليل الموسيقي لنشيد نداء الحسن (فيديو وصور)

يحكي الملحن عبد الله عصامي بأن التكبير لم يرد في نظم فتح الله المغاري، وإن إضافته كانت فكرته.

نداء الحسن

كلمات : فتح الله المغاري

ألحان: عبد الله عصامي

القالب: نشيد

المقام الموسيقي : نهاوند

التوضيب الموسيقي : المايسترو عبد السلام خشان

العزف : الجوق الملكي

الغناء : المجموعة  

لم يحظَ عمل غنائي في تاريخ الأغنية المغربية العصرية بمثل شهرة وانتشار نشيد “نداء الحسن”، من نظم الزجال فتح الله المغاري وألحان الملحن عبد الله عصامي. وعلى كل الزخم الذي توفر للنشيد، يُؤسَف أنه لم ينل ما يستحقه من دِرَاسة وتحليل على المستويين الموسيقي والغنائي. على سبيل المقارنة فقط، حظيت أعمال وطنية في كل من مصر وتونس برسائل ماجستر وأطاريح دكتوراه عدا عشرات المقالات، مما يُسَاءئلُ الدرس الموسيقي عندنا.

يبتدئ اللحن بمقدمة موسيقية مُرسلة، اعتمدت على النوتات العريضة والامتدادات الصوتية راسِمَة جوا يلفه الحزن الذي بدا جليا من سيطرة آلة الكمان المعبرة عن الشجن، وكأنما أراد الملحن أن يُعَبِر بالموسيقى عن الأسى الذي يعتصر المغرب جراء بقاء أجزاء من أراضيه خارج حوزته الترابية.

أتى لحن المقدمة على مقام النهاوند على درجة الصول، وهو المقام الذي سيُبنى عليه مجمل اللحن.

ينتمي مقام النهاوند إلى فصيلة المقامات الشرقية الخالية من أرباع الأصوات؛ ما يمنح الألحان التي تُصاغ على هذه المقامات إمكانات تعبيرية كبيرة وتلوينات لحنية واسعة وقابلية للتوزيع الأوركسترالي الشامل. لذلك، دأب ملحنو الأناشيد الوطنية في الموسيقى العربية على وضع ألحانهم على هذه المقامات لقابليتها للهرمنة والتوزيع بالآلات الغربية ذات النبرة الحماسية التي تثير الشعور الوطني المتطلب في هكذا أناشيد.

داخل المقامات الشرقية الخالية من أرباع الأصوات نفسها، ظل التقليد المتبع من الملحنين؛ هو اختيار المقامات الجهيرة القادرة على تحريض الشحنة الحماسية التي يتطلبها النشيد الوطني، خصوصا مقام العجم الدائر في دائرة الأصوات الحادة. لكن ملحن نداء الحسن كان له رأي آخر، واختار مقاما خافتا هو النهاوند المعروف بأنه مقام رومانسي يٌعَبِر في الموسيقى العربية عن الرقة والدقة، فهل كان هذا الاختيار واعيا؟ وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يعكس رغبة من الملحن في التأكيد على الطابع السلمي للمسيرة الخضراء بهجر المقامات الجهيرة الملائمة لأناشيد التعبئة العسكرية؟

المسيرة الخضراء marche verte

يستمر لحن المقدمة رصينا هادئا، ثم فجأة ودون أن يستقر اللحن قصد التسليم للغناء- كما يحدث عادة- تندمج الآلات النفخية مدعومة بالإيقاع مع الكمان لتنقل اللحن من المٌرسلِ إلى المٌوقَعِ ومن السكون إلى الحيوية. هنا، تدخل المجموعة بالغناء في قفزة صوتية يتصاعد معها اللحن ليرافق التكبير (الله أكبر).

يحكي الملحن عبد الله عصامي بأن التكبير لم يرد في نظم فتح الله المغاري، وإن إضافته كانت فكرته. والحقيقة أن إدراج التكبير في الأناشيد الوطنية ليس جديدا، فقد دأب الملحنون العرب على توظيفه في الأناشيد الوطنية، لما يرمز إليه التكبير من إعلان عن عظمة الله وتأكيد لقدرته وطلب لعَوْنه ونٌصرَته. يصفه الحافظ ابن حجر بأنه “ذكرٌ مأثورٌ عند كل أمرٍ مهُول”، وتحضر في هذا السياق مجموعة من الأناشيد الوطنية الشهيرة نخص منها بالذكر “الله أكبر فوق كيد المعتدى” لمحمود الشريف والمجموعة ، و”بسم الله، الله أكبر” لبليغ حمدي ووردة “الله أكبر سبع سواقي” لرياض السنباطي وشادية، “الله أكبر يا بلد” لناصر الصالح ومحمد عبده…

يستحق توظيف التكبير في النشيد وقفة متأنية، فالشائع في الأناشيد الوطنية أن يُردد التكبير من الكورال برجاله ونسائه أو أن يختص الرجال وحدهم بالترديد. لكن، في نشيد نداء الحسن، يبدأ الكورال الرجالي في التكبير، ومن نفس النغمة يستلم الكورال النسائي التكبير ليتسلمه كورال الرجال مرة ثانية ثم يعيده لكورال النساء وهكذا دواليك في تناوب، حتى يرفع كل جنس التكبير ثلاث مرات. هذا يسمى التثليث (إتيان الشيء ثلاث مرات) المعروف في الأذكار وفي قراءة بعض قصار سور القرآن. لكن، ألا يعكس الإصرار من الملحن والموزع على المناصفة بين الرجال والنساء في رفع التكبير رغبة في التعبير باللحن عن المُبْتَغى الذي رامه الملك الحسن الثاني في وجوب أن تشارك المرأة المغربية في المسيرة الخضراء جنبا إلى جنب مع شقيقها الرجل؟

المسيرة الخضراء marche verte

بعد التكبير، تعود اللازمة الموسيقية التي أتت بعد المقدمة الموسيقية مجددا في مساحة زمنية أطول وباستعمال كافة الآلات الموسيقية، لتسلم الغناء للمجموعة. في هذا الكوبليه الأول (صوت الحسن ينادي بصوتك ياصحراء)، تفوق الملحن والموزع مرة أخرى في توزيع الأدوار داخل الكورال، فعبر الرجال عن صوت الحسن الثاني وعبرت النساء عن فرحة الأرض. وإذا كان تعبير الرجال عن صوت رجل أمرا منطقيا، فإن اختيار المرأة للتعبير عن الأرض يجد مشروعيته فيما استقرت عليه الفنون والآداب من ترميز للمرأة بالأرض لاشتراكهما في الخصوبة. لكن، حينما يصل النظم إلى “مرادنا لازم يكمل بالمسيرة الخضراء”، يُدمج الملحن والموزع الكورال الرجالي مع النسائي في أداء واحد للتعبير عن إتحاد رغبة الملك والأرض في أن يكتمل المٌرَادٌ بإنجاح المسيرة الخضراء.

يٌختَتَم الكوبليه الأول بلازمة ستكرر في نهاية المقاطع اللاحقة وهي ترديد اسم الجلالة “الله”، في مناصفة مرة أخرى بين كورال الرجال وكورال النساء، الشيء الذي يَنِمٌ عن رغبة من الملحن في إضفاء مُسحَة دينية صوفية على النشيد؛ رغبة وقع التأكيد عليها في التسجيل التلفزيوني للنشيد الذي ابتدأ بإلقاء للآية الكريمة “قل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا”.

ينساب اللحن بذات المنوال ببنياته الإيقاعية والنغمية والمقامية. لكن، في اللازمة الموسيقية التي تَسبِق كوبليه “حاملين كتاب الله، وطريقنا مستقيم”، يحدث انتقال مٌبدِع، حيث يدخل الإيقاع العيساوي الثراتي المغربي في تقاطع مع الموسيقى التي تنخرط  في حوار موسيقي بديع، فتعزف الكمنجات أولا ثم  يَرد عليها سرب من الآلات النفخية قوامها الفلوت والساكسوفون والكلارينيت والكورنو والترومبيت، لتستلم الكمنجات اللحن ثانية قبل أن تسلم الغناء للمجموعة. في هذا الكوبليه، يجري الملحن نقلة مقامية ملفتة، حيث ينتقل من مقام النهاوند إلى مقام الحجاز الشرقي الأصيل مٌحَرِضا شحنة تطريبية تستطيبها الآذان الشرقية. يتذكر متطوعو المسيرة الخضراء أو من كانوا يحضرون حفلات عيد العرش أو سهرات العمالات والأقاليم أن الجمهور كان ينخرط في الرقص لا شعوريا عندما يصل اللحن هذا المقطع بالذات.

بقي أن نشير إلى أن الملحن، كما وفق في اختيار مقام النهاوند الرومانسي للتعبير عن الطابع السلمي للمسيرة الخضراء، فإن التوفيق حالفه أيضا في اختيار الإيقاع، فإذا كان أغلب الملحنين المشارقة منهم والمغاربة يؤكدون في ألحانهم الوطنية على إيقاع المارش العسكري لاستنهاض الهمم وإذكاء للشعور الوطني في أجواء توحي بالحرب، فإن عبد الله عصامي انحاز إلى الإيقاعات المغربية الراقصة في أجواء احتفالية تعكس الصورة التي رُسِمت للمسيرة الخضراء.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *