×
×

السيارة رمزا للوجاهة الاجتماعية بالمغرب

حين يتعلق الأمر بالطبقة الميسورة، فإن هذا السلوك الاستهلاكي يبقى طبيعيا فيها لأنها – وعلى امتداد التاريخ – تحاول من خلال اقتناء الأشياء باهظة الثمن رسم خط فاصل بينها وبين الطبقات الأدنى. المفارقة العجيبة أنها، حين ترسم الخطوط مع ما دونها، فإنها تقوم بذلك عن اقتدار، عكس باقي الطبقات الاجتماعية التي تسعى من خلال السيارة لردم الهوة التي تفصلها عن الطبقة الميسورة بتكلف شديد

حين ظهرت السيارة كإحدى التطبيقات الصناعية للاختراع الأعجوبة في إبانه : المحرك البخاري، اعتبرت في بداياتها وسيلة نقل عملية جاءت لتريح البشر من عناء استخدام الحيوانات والعربات المجرورة في التنقل. وإلى اليوم، ثمة من لا يرى في السيارة إلا تلك الوسيلة النفعية في التنقل.

كان من الممكن أن تظل السيارة في نطاق وظيفتها النفعية الأولية، لولا أنها انتهت رمزا للنجاح الاجتماعي وعلامة على الوجاهة ودلالة على المكانة الاجتماعية، فهي لم تعد جمادا ماديا، ولكنها صارت حقيقة اجتماعية قائمة الذات، كما يقول عالما الاجتماع يوهان ديمولي وبيير لانوا في كتابهما (سوسيولوجيا السيارة) الصادر عن دار لديكفيرت العام 2019. الباحثان يضيفان أن تملكك لسيارة يعني قبل كل شيء تأكيد الذات ككائن اجتماعي متميز ومستقل.

إن التمثل الذي بات ُينَظر إلي السيارة من خلاله كعلامة بينة على المكانة الاجتماعية، عام وشائع في جميع المجتمعات المتقدم منها والمتخلف والسائر في طريق النمو، غير أن الظاهرة باتت تأخذ أبعادا متطرفة في المجتمعات الأقل تقدما ونموا ومنها المغرب.

من النفعية إلى الرمزية

في فترة ما، كانت النظرة النفعية هي التي تحكم اقتناء السيارة في مجتمع مغربي يعيش اقتصادا منغلقا شبه اشتراكي كانت الدولة عبر مؤسساتها العمومية هي الفاعل الرئيسي فيه. كان المعروض من السيارات محدودا في العلامات القليلة المسموح لها بدخول السوق المغربي وفي السيارات الفرنسية التي كانت تُجَمع في مصنع سوماكا بالدار البيضاء، وكان على من يبتغي الخروج من الاختيار المفروض تعشير سيارة من تلك العلامات العالمية التي يستقدمها مغاربة العالم مقدم كل صيف.

مع الانفتاح الاقتصادي الذي أعقب موجات الخوصصة أواسط التسعينات، توسع هامش الاختيار بولوج أغلب العلامات العالمية للسوق المغربية. دخول وازاه ارتفاع للدخل الفردي وقابله نشوء نواة مجتمع استهلاكي لا يقل في سلوكاته الاستهلاكية عن السائد في الدول الغنية.

ألزمت عقود التصنيع التي أبرمتها الدولة مع شركة رونو الفرنسية بداية الألفية الجديدة اتخاذ التدابير المحفزة على اقتناء السيارات الجديدة عبر سن تدابير غايتها تشبيب حظيرة السيارات برفع الرسوم الجمركية على استيراد السيارات المستعملة ثم تحديد سقف لسن السيارات المسموح بتعشيرها، ما أدى بالفعل إلى تجديد في حظيرة السيارات، ولم يعد المغرب مقبرة لنفايات السيارات الأوربية.

قادت كل هذه التحولات إلى تغيير جدري في علاقة المستهلك المغربي مع السيارة، إذ تجاوزت الآلة وظيفتها الأساسية كوسيلة نقل إلى رمز اجتماعي يتوخى من خلاله التعبير عن الانتماء الطبقي أو الوظيفي، مثله مثل الرموز التقليدية كالمسكن واللباس والساعة اليدوية قديما والهاتف المتنقل حديثا؛ فالسيارة باتت في التمثل الاجتماعي ناقلا للوضع الاجتماعي لسائقها، لدرجة نشوء مقولة ” قل لي ماذا تركب، أقول لك من أنت”، فسيارتنا تمثلنا بشكل أساسي، يقول الباحث الكندي المتخصص في إستراتيجية الصورة. جون جاك ستريليسكي.

التمايز الطبقي بين الوهم والحقيقة

لا يوجد في سلوك الاقتناء لدى الطبقات الميسورة والمُرَفهة أي تناقض بين الوضعية الاجتماعية والرمزية التي تمثلها حلول التنقل المستعملة، وكل ما يمكن مؤاخذته على السلوك الاستهلاكي لهذه الطبقات في المجال هي اختيارات لا تُرَاعي البعد البيئي والمسؤولية الاجتماعية. وإلا، كيف نُفسر الإصرار على استعمال سيارات رباعية الدفع ضخمة الهياكل والمحركات ومصممة للصحاري والتضاريس الوعرة داخل المدن المأهولة حيث الازدحام المروري وصعوبات الركن والتصادمات في وقت تتعمد فيه السياسات الحضرية تقليص مساحة الطريق من خلال إنشاء ممرات اصطناعية وأرصفة مُشاة موسعة وإلغاء أماكن وقوف السيارات؟

كل المؤاخدات تنصب على اختيارات فئات عريضة من الطبقة الوسطى المتسم سلوكها بوهم اتخاذ السيارة وسيلة للتسويق لمكانة اجتماعية مميزة من خلال نظرية الرموز المنوه إليها آنفا واستغلال التمثلات الاجتماعية حول نوع السيارة وطرازها وثمنها.

يسوق اللاهتون وراء وهم المكانة الاجتماعية عدة تبريرات؛ منها مثلا أن السيارة الاقتصادية محتقرة، ويكفيك عندما تركب سيارة فارهة نظرة السائقين الآخرين لك، عكس حين تركب سيارة معدمة فقد يتجاوزنك دون احترام! وقد تتلقى وابلا من السب والشتم عند أدنى خطأ، وقد تكون عرضة لتوقيفات أعوان المرور بسبب أو بدونه.

يبدو انفصام سلوك الاقتناء لدى بعض فئات هذه الطبقة على عدة مستويات، فمن أجل حب التباهي، يتكلف المقتني أقساطا شهرية باهضة لا تستطيع ميزانيته المحدودة أصلا الوفاء بها، فتكون السيارة عُرْضة للاسترجاع من لدن شركة القرض الممولة، ولو نشرت وزارة العدل الأرقام حول الملفات الرائجة في جميع محاكم المملكة بشأن استرجاع السيارات الجديدة لهال الجميع حجم المعضلة.

ولو استطاع المقتني بعد جهد جهيد الحفاظ على السيارة، يبدو الانفصام باديا حين تجد سيارة فارهة مركونة أمام إقامة للسكن الاجتماعي يحتل فيها السائق شقة في حدود خمسين مترا مربعا. ولأن هذه الأصناف من السيارات شَرهة في استهلاك الوقود، تأتي على صاحبنا أيام يجد فيها صعوبة في تعبئة الخزان حتى بما يشبه مضمضة الوضوء، وقد يحل أجل دفع قسط التأمين، فيتوسل المؤمن في تقسيطه، وتبلغ الملهاة مبلغها حين يقع عطب يستدعي استبدال قطعة غيار قد يوازي ثمنها دخله الشهري أو يزيد.

نستطيع القطع بأن المجتمع بالقيم والتمثلات التي ينتجها، يزيد من التطرف الذي تتخذه هذه الظاهرة. وحين يتعلق الأمر بالطبقة الميسورة، فإن هذا السلوك الاستهلاكي يبقى طبيعيا فيها لأنها – وعلى امتداد التاريخ – تحاول من خلال اقتناء الأشياء باهظة الثمن رسم خط فاصل بينها وبين الطبقات الأدنى. المفارقة العجيبة أنها، حين ترسم الخطوط مع ما دونها، فإنها تقوم بذلك عن اقتدار، عكس باقي الطبقات الاجتماعية التي تسعى من خلال السيارة لردم الهوة التي تفصلها عن الطبقة الميسورة بتكلف شديد وسلوك يندرج في نطاق ما أسماه عالم الاجتماع الأميركي من أصل نرويجي تورستين فيبلن بـ ” الاستهلاك التفاخري” الذي تغيب معه حكمة الكائن الاقتصادي العاقل  L’homo economicus. فمتى نرتقي ونصرف النظر عن المظهر الخارجي للسيارة، لنركز على المظهر الداخلي للسائق بمسؤوليته الاجتماعية واحترامه للبيئة ولقواعد السير والجولان.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *