×
×

من مصر، منى حلمي تكتب: مشاهد ناقدة لمقولة “الديمقراطية هي الحل”

في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، لو أجريت انتخابات ديمقراطية نزيهة واستفتاءات شعبية، لكان الشعب الأمريكي أيد بقاء التفرقة العنصرية بين البيض والسود، ورفض حركة الحقوق المدنية التى تزعمها مارتن لوثر كينج، والذي أغتيل لتمرده على رغبة الأكثرية من الشعب الأمريكي آنذاك.

المشهد الأول

حسب صناديق الاقتراع فى الأنظمة الديمقراطية، يتاح لـ 100 شخص محدودي العلم والمعرفة والرؤية والمواهب والخيال المبدع، حكم 99 شخص من ذوي العلم الغزير والمعرفة العميقة والقدرات والمواهب.

هل يقبل العقل الحكيم بأن تكون الأرقام هي المتحدث الرسمي الشرعي، للعدالة والحرية؟

الديمقراطية كلمة أصلها يوناني، مشتقة من “ديموس”، وهي تعني  الشعب، و”كراتوس”، وهي تعني الحكم؛ وذلك ضد الأرستقراطية بمعنى “حكم الأفضل”.

كانت الديمقراطية تصف النظام السياسي في ولايات أثينا القديمة فى القرن الخامس قبل الميلاد، حيث “النخبة” المؤهلة للحكم تقتصر على الرجال الأحرار العقلاء، وتستبعد النساء والعبيد.

سقراط 470 – 399 ق . م، وتلميذه أفلاطون 427 – 347 ق . م، يؤمنان أن حكم الأفضل هو بالضرورة لطبقة الفلاسفة الملوك التي تمزج بين حب الحكمة (الفلسفة)، والسلطة السياسية.

كان سقراط ناقدا عنيفا للديمقراطية التي ستجلب بالضرورة حكاما يفتقرون إلى مهارة القيادة.  كان يفضل  فساد وطغيان النخبة الأقلية، على فساد وطغيان الأغلبية.

كثير من العلماء والأدباء، أيضا، يحذرون من عواقب الديمقراطية. مثلا، جورج برنارد شو 26 يوليو 1856 – 2 نوفمبر 1950، الكاتب والمفكر الإيرلندي الذي اعتبر أن الديمقراطية هي أن يحدد مصيرنا بواسطة أهواء الغوغاء والجهلة والحمقى. قبله، قالت مارجريت جاردينر، 1 سبتمبر 1709 – 4 يونيو 1849، كونتيسة بليسينجتون، هذا المعنى:

“إن الاستبداد يخضع الأمة  لطاغية واحد، والديمقراطية تخضع الأمة للكثيرين”.

أوضح بعض المفكرين أن لا فرق جوهري بين الديمقراطية (حكم الشعب)  والديكتاتورية (حكم الفرد)، حيث الديمقراطية تبدأ بالتصويت ثم تفرض الطاعة، أما الديكتاتورية، فتفرض الطاعة دون إهدار الوقت في التصويت.

أما جان جاك روسو 1712 – 1778، الكاتب والفليلسوف الفرنسي، صاحب فكرة العقد الاجتماعي، فقد قال مقولته الشهيرة: “صيد الديمقراطية الحقيقي ليس في صناديق الانتخابات، ولكن في وعي الناس”.

الباحث السياسي الأمريكي “أوستن راني”  23 سبتمبر 1920 – 24 يوليو 2006، يخبرنا في كتابه “سياسة الحكم”،  أن الديمقراطيات بجميع أشكالها وتطوراتها الحديثة، قد حكمها الأشخاص لا القانون.

 المشهد الثاني

في أمريكا وفي الغرب، لا توجد ديمقراطية كما يزعمون. منْ يصل إلى الترشح، يجب أن ينفق الملايين أو المليارات في الإعلان والدعاية عبر كل الوسائل المتاحة وغير المتاحة. وهذا متوفر للأثرياء فقط، أي فئة قليلة من الشعب، تملك الأموال وآليات الكذب والتضليل، وشراء الإعلام الجاهز للتأجير دائما، للتأثير على ناس أصلا مغسولة الأدمغة.

إن الأنظمة السياسية في أوروبا وأمريكا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، التي تصدر فكرة الديمقراطية للعالم، جاءت بسياسيين ورؤساء لا يختلفون جوهريا. مثلا، في أمريكا، يتنافس الحزبان الديمقراطي والجمهوري طوال الوقت، وفي أوقات الانتخابات، يخدعوننا بتصاعد شراسة المنافسة. لكن الاختلافات بينهما طفيفة، لا تصل إلى معارضة جذور النظام الرأسمالي.

حسب تقارير المؤسسات الراصدة للديمقراطية في العالم، فإن هناك تراجعا فى التوجهات الديمقراطية على مستوى العالم، في العقد الأخير، إذ ظهر مصطلح “الدولة المفترسة”، و”التدهور الديمقراطي”. هذا طبيعي لأن الديمقراطية تحمل داخلها بذور فنائها، عاجلا أو آجلا. لو كانت صالحة، لأثمرت سعادة الإنسان على كوكب الأرض. أليست هذه هي الغاية في نهاية الأمر؟

المشهد الثالث

الانتخابات الحرة والديمقراطية واستفتاء الشعب الألماني، جاء بهتلر إلى الحكم في ثلاثينيات القرن الماضي. الشعب أراد هتلر، الفاشي، وواحد من الأساتذة الكبار فى الإجرام والتوحش والاختلال العقلي والنفسي وجنون العظمة على مدى التاريخ. لقد تقدم الحزب النازي في الانتخابات، وأيده القوميون والرجعيون والموالون للحكم الملكي والكاثوليك وأنصار الحزب الجمهوري، وأيضا أيدته الأحزاب الديمقراطية. كان شعار هتلر فى حملته الانتخابية: “هتلر فوق ألمانيا”.

في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، لو أجريت انتخابات ديمقراطية نزيهة واستفتاءات شعبية، لكان الشعب الأمريكي أيد بقاء التفرقة العنصرية بين البيض والسود، ورفض حركة الحقوق المدنية التى تزعمها مارتن لوثر كينج الابن 15 يناير 1929 – 4 أبريل 1968، والذي أغتيل لتمرده على رغبة الأكثرية من  الشعب الأمريكي آنذاك.

المشهد الرابع

فى مصر، ألم تجئ الانتخابات عام 2012 بمحمد مرسي الإخواني إلى الحكم، وكان أول رئيس مدني منتخب؟ كانت سنة حكمه خرابا على الوطن، ومحاولة لبيع مصر بالجملة والقطاعي.

إذن، القول بأن الديمقراطية هي الحل، خدعة كبيرة يتم ترديدها دون تحليلها وتفنيد تاريخها والتفكير الجذري فى مقوماتها ومعناها وآلياتها وعواقبها. إن الاستفتاءات الشعبية لأغلبية جاهلة مغيبة مغسول عقلها بسيطرة رجال الدين والإعلام الذكوري، لن يجلب إلا التخلف والنكسات وترسيخ التفرقة.

المشهد الخامس

البديل والمعيار والبوصلة هي ثقافة حقوق الإنسان الكاملة دون تمييز.  في سوق التقدم الحضاري، العبرة ليست فى حجم العدد. حكم الأغلبية أو الأكثرية لم يكن أبدا دليلا على العدالة وازدهار الحريات وتحقق السعادة.

في 10 ديسمبر 1948، تم اعتماد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.

أليست حقيقة مؤسفة أن العالم كله، بعد أربعة وسبعين عاما من وجود هذا الميثاق، ما زال يشهد أشكالا ودرجات مختلفة من انتهاكات صارخة لبنود الميثاق العالمي لحقوق الانسان؟

بل أننى أزعم من متابعتي لأخبار كوكب الأرض أن “حقوق الإنسان” أصبحت محنطة في المتاحف مثل التماثيل والكائنات المنقرضة.

المفارقة المحزنة أن العالم قد وصل إلى اكتشافات طبية وعلمية وتكنولوجية، في المائة عام الماضية، أكثر مما اكتشفه على مدار التاريخ البشري. ومع ذلك، فإن انتهاكات “حقوق الإنسان” في المائة عام الماضية قد أصيبت في العالم كله بضربات في مقتل، لا تتناسب مع الثورة العلمية والتكنولوجية والطبية الحادثة.

المؤسف أن انتهاكات حقوق الانسان تتم باسم حماية حقوق الإنسان. وإجهاض الحريات والعدالة يحدث باسم الحفاظ على الحريات والعدالة.

أغلب البشر قد تم غسل عقولهم  أو إلغاؤها بشكل كامل أو جزئي.

المفروض والمتوقع أن الاكتشافات تسعى في نهاية الأمر إلى تحسين أحوال كوكب الأرض، مما يعني ازدهار “حقوق الإنسان” وبلوغها آفاقا جديدة تحقق سعادة البشر وتمتعهم بالعدالة والحرية والعيش فى بيئة صحية متوازنة.

المفروض أن أي اكتشاف لا يؤدي إلى انتشال البشر من الفقر والعجز والبطالة والمرض والقهر والتعاسة والاحباط، يُلقى فى عرض البحر، فما الفائدة منه؟ كل اكتشاف يستلزم إنفاق مبالغ خيالية على مدى سنوات من البحوث والدراسات والتجارب؛ فإذا كان بعد كل هذا العناء، لن يفيد غالبية البشر، نساء ورجالا وأطفالا، فليذهب إلى الجحيم.

طالما أن هناك الفقر في العالم، فلا تحدثوني عن أن “الديمقراطية هي الحل”. لقد وصل عدد الفقراء المدقعين في العالم عام 2022 إلى 700 مليون شخصا تقريبا. أي ديمقراطية يمكن أن تكون الحل ؟؟

الشِعر خاتمتي

لست من النساء

اللائي حين يتزوجن

يلبسن الطرحة البيضاء والكفن الأبيض

الدبلة الذهبية في يدي اليسرى

وفي اليد اليمنى القسيمة والمهر

لست من النساء

اللائي يقلن بزهو

إن الرجل سيدي الأوحد

وتاج رأسي ومبعوث السماء فى الأرض

أنا أطيع وله النهي والأمر

لو تلاشت الأحلام

إذا خذلتني الأيام

لا أرتدي الحجاب

لا أذهب إلى البيت الحرام

عند اقتراب الرحيل

ولا أسأل الله

حسن الختام والستر

حياتي واحدة

سافرة الوجه والشَعر

صادقة القول والفعل

في الخفاء والجهر

ولست من النساء

اللائي يترنحن

حين يشربن الخمر

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *