×
×

لماذا نسائل المقدس؟ نحو التحرر من مغالطات وترقيع الأصوليين 2/2

لاستكمال ما بدأه النهضويون العرب كطه حسين وقاسم أمين وتوفيق الحكيم وفرج فوده ومحمد عابد الجابري، وجب الابتداء بتجاوز أخطاء الماضي، وعدم محاولة استرضاء التيارات الأصولية والإخوانية، ومحاولة بناء منهج علمي متكامل لنقد التراث والتعامل مع النص كوثيقة تاريخية وإنتاج بشري لإعمال مختلف المناهج العلمية لفهمه، والوقوف على ملابسات نشأته وتطوره…

…فحرق المراحل البنيوية للإصلاح، واعتبار المجتمعات العربية لا تختلف عن المجتمعات المتحضرة، وعدم إيلاء الأهمية لنقد المقدس، هو أكبر وهْمٍ وزيفٍ كشفته ثورات الربيع العربي التي أظهرت معادن الشعوب العربية، واحتفائها بنصرة الفاشية الدينية، ورغبتها في بناء دولة دينية مستبدة على أنقاض حكومات مستبدة.

حسن الحو
حسن الحو

الحقبة الزمنية التي تتماثل مع ما يعيشه المسلمون اليوم، من تخلف وغرق في الخيالات والأساطير، وحروب أهلية افتراضية وواقعية باسم الدين، هي الحقبة التي عاشتها أوروبا في العصور الوسطى وامتدت حتى القرن الثاني عشر قبل بزوغ شمس النهضة الأوربية بالمدن الإيطالية؛ فالجمود الفكري وتمدد التيارات الأصولية واستدماج الأسطورة لشرح كل شيء، وإضفاء الشرعية على كل شيء، وشيوع فكر التخوين والتكفير والاتهام بالهرطقة، واستلزام كل ذلك إراقة الدماء لفرض الرأي الواحد، وانغلاق الأفق السياسي وقمع الحريات الفردية… كل ذلك لا يختلف في شيء عن عصور الظلام التي دفعت النخبة المفكرة في أروبا بكل أطيافها لركوب موجة الإصلاح الديني والسياسي، وإيقاد مشاعل عصر الأنوار الذي كان جوهر فلسفته، التخلص من الوصاية الكَنَسية وإعمال العقل للتحرر من سطوة الأساطير وعزل المعرفة عن التصورات الغيبية.

يقول الفيلسوف الألماني كانط في مقالته “ماهية التنوير؟”: “التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه بحق نفسه. هذا القصور هو بسبب عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسان آخر”. والذنب هنا هو الإنسان نفسه عندما لا يكون السبب فيه هو الافتقار إلى العقل، وإنما الافتقار إلى العزم والشجاعة اللذين يحفزانه على استخدام عقله بغير توجيه من إنسان آخر… إنه خروج الإنسان عن مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن النضج أو سن الرشد. كما عرَّف القصور العقلي على أنه “التبعية للآخرين وعدم القدرة على التفكير الشخصي أو السلوك في الحياة أو اتخاذ أي قرار بدون استشارة الشخص الوصي علينا.

لقد انصب اهتمام كل مفكري عصر الأنوار، وإن بشكل متفاوت، في نقد الدين؛ ليس بهدف إزاحته نهائيا كمكون عاطفي من مكونات بناء الشخصية، ولكن بإلزامه حدودا لا يتعداها. يقول “فولتير” في قاموسه الفلسفي: “إن التنوير يهدف إلى إحداث ثورة في العقول، تكون مرتكزة على ممارسة العقل والروح النقدية، وتتيح لنا التحرّر من الأفكار المتعصبة التي نرثها عن أهلنا، وهي كارهة للآخر بشكل سابق؛ لأنه يختلف عنّا دينًا أو مذهبًا، أو أصلًا اجتماعيًّا، كما أنها تتيح لنا أن نفكّر بشكل حرّ.”

ولعل إطلالة سريعة على عناوين كتب رواد عصر النهضة ستبين للمعترضين على نقد المقدس، واعتبار ما يكتب فيه من مقالاتٍ، صحافةً صفراء، ستبين لهم قصور فهمهم، وحرقهم لمراحل كثيرة في بناء المجتمعات، ستؤدي لكوارث اجتماعية سنناقشها في الفصل الثاني من هذا المقال.

 بعض كتب سبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة / علم الأخلاق/ حول الله والإنسان ورفاهه.
بعض كتب “دفيد هيوم”: محاورات في الدين الطبيعي/ مباحث أخلاقية وسياسية/ مبحث في الأخلاق

بعض كتب “ج.ج روسو”: دين الفطرة/ أصل التفاوت بين الناس / العقد الاجتماعي
بعض كتب فولطير: رسالة في التسامح / القدر / القاموس الفلسفي ( ناقش فيه الكثير من المسائل الدينية)

وقد يطول بنا المقام لو ذكرنا كتب مونتسكيو وكانط وفرنسيس بيكون… لكن المقصود بيانه، أن أكبر موضوع اشتغل عليه فلاسفة الأنوار، هو نقد الدين كشرط لتجاوز أزمة الحاضر والتأسيس لمجتمع متحرر من قيود الكهنوت. وبما أن البشر يتشابهون في جيناتهم ومرفولجية أجسادهم وطرائق تفكيرهم، فليس من العيب أن نبدأ من حيث بدأ الناس، اختصارا للزمن، خصوصا وأن أعراض الدائَيْن متشابهة.

يقول المستشرق “برنارد لويس” في كتابه “ما الذي حصل؟ الإسلام، الغرب، الحداثة”: “إن المسلمين ليسوا ضحية الغرب بقدر ما هم ضحية انغلاق تاريخي مزمن ومتواصل منذ عدة قرون، وسبب هذا الانغلاق هو سيطرة اللاهوت الديني القديم على عقلية المجتمع”. فتغلغل الدين في وجدان الشعوب العربية قد لا يكون له شبيه عند باقي شعوب الأرض، وسيطرة عقيدة الخوف من النار والقبر، تكبح كل محاولة للتفكير المتخلص من الرقابة النصية. كما أن عملية بناء الشخصية المسلمة بالطريقة العتيقة المبنية على التلقين، لازالت مستمرة بشكل أكثر جدية، في ظل جمود المناهج التعليمية وشيوع المدارس العتيقة، مما يصعِّب عملية تخليصها من ثقل التركة التراثية.

إن مسؤولية المفكر والمثقف العضوي هي محاولة تحرير العقول من الثقافة الدينية البَدْئية، والتنظير لمجتمع تسود فيه قيم المساواة والعدالة والديمقراطية، وتسمو فيه مكانة العقل… ولا حرج إن طال الاشتغال على نقد الدين، وبيان مغالطات وترقيع الأصوليين، وكشف عقائدهم الفاشية في السيطرة على المجتمعات، وغزو العالم والحجر على الفكر والعقول، فما تقوم به قنوات تنويرية على وسائط التواصل الاجتماعي، كقناة نصر حامد أبو زيد وحامد عبد الصمد وإبراهيم عيسى وسراج حياني… وما تقوم به مجلة “مرايانا” وغيرها من المجلات المهتمة بمعالجة أصل المشاكل، وخلخلة النسق الفكري العتيق، أمرٌ إن لم يستطع مدعو الحداثة مساندته لأسباب نفعية، فعلى الأقل أن يستحيوا من تخلفهم عن مؤازرة مجهودات جبارة تُبذل لانتشال المجتمعات من ظلام القرون الوسطى والوصاية الدينية. يقول الباحث المغربي كمال عبد اللطيف، أستاذ الفلسفة بجامعة محمد الخامس: “ولأننا نتصور أن التحولات الهامة في التاريخ من قبيل استيعاب وتمثُّل مقدمات التنوير ومكاسب عصر الأنوار، ومحاولة تبيئتها بصورة مُبْدِعَة داخل نسيج حياتنا في الفكر وفي المجتمع، تتطلب مواصلة الجهد والعمل دون كلل؛ لعلنا نتمكَّن من تجاوُز العوائق التي حالت وما فتِئت تحول بيننا وبين انخراط فاعل في العالم؛ وهو الأمر الذي يُسْهِم في تهيئة الشروط المساعدة على بلوغ المرامي التي سطَّرها النَّهْضَوِيُّون العرب في تاريخنا المعاصر…

ينبغي ألاّ نغفل هنا التأكيدَ على أننا لا نتصور سهولة المعركة التي تنتظرنا، ذلك أن الإصلاح ليس وصفة سحرية منقِذة من شرور عالمٍ نحن صانعوه، إنّ الطريق مفتوح أمامنا على مشروع بذل جهود وتضحيات ومنازلات كبرى في مجالات عديدة، بهدف تعويد الذات على مواجهة أسئلة التاريخ والحرب والإصلاح، تعويد الذات على المواجهة بالتضحيات التي تَنْذِرُ الغالي والنفيس للانتصار على أعباء التاريخ”. مقال على مجلة الفيصل العدد 481 نوفمبر 2016.

 2   التنوير أو الأصولية

إن غض الطرف عن نقد المقدسات نقدا واضحا دون مواربة وتَقية، أو خوف من النبذ الاجتماعي وفتاوى التكفير، هو الذي جعل الساحة التنويرية في العالم العربي تخلو من مفكرين كبار لم يهادنوا التراث الفكري، على غرار فولتتير ومونتسكيو ونيتشه… وهو الذي شكل أبرز أسباب فشل التيار التنويري العربي.

ولاستكمال ما بدأه النهضويون العرب كطه حسين وقاسم أمين وتوفيق الحكيم وفرج فوده ومحمد عابد الجابري، وجب الابتداء بتجاوز أخطاء الماضي، وعدم محاولة استرضاء التيارات الأصولية والإخوانية، ومحاولة بناء منهج علمي متكامل لنقد التراث والتعامل مع النص كوثيقة تاريخية وإنتاج بشري لإعمال مختلف المناهج العلمية لفهمه، والوقوف على ملابسات نشأته وتطوره…

…فحرق المراحل البنيوية للإصلاح، واعتبار المجتمعات العربية لا تختلف عن المجتمعات المتحضرة، وعدم إيلاء الأهمية لنقد المقدس، هو أكبر وهْمٍ وزيفٍ كشفته ثورات الربيع العربي التي أظهرت معادن الشعوب العربية، واحتفائها بنصرة الفاشية الدينية، ورغبتها في بناء دولة دينية مستبدة على أنقاض حكومات مستبدة.

إن التنوير متمثلا في ركائزه الخمسة المشهورة: نقد الكهنوت/ العقلانية/ الحرية/ المنهج العلمي/ العلمانية، هو بناء هادئ للإنسان، وتشييد لوعي جمعي مؤسس على قيم الحداثة الكونية واحترام حقوق الإنسان كبديل عن الوعي الجمعي الراهن الذي يجعل الدين محور كل شيء. إنه استشراف للمستقبل وإعداد للكتلة الاجتماعية المتجانسة القادرة على التغيير، وحرب باردة مستمرة ضد الأصولية التي لن تتوانى لحظة في تعليق رؤوس المرتدين على أسياج الحدائق، وإعادة أسواق النخاسة، كما فعلت عندما واتتها الفرصة بعد الربيع العربي.

لنتذكر أيضا أن الدول التي صدرت عصر الأنوار لكل العالم، لازالت تُقَوِّمُ التجربة وتنتقد تراكماتها، وتؤسس تيارات فكرية لإغنائها، كتيار الرومانسية وما بعد الحداثة، وتعقد مؤتمرات للتذكير بأهمية عصر الأنوار والخدمة العظيمة التي أسداها للبشرية، كالمهرجان الكبير الذي أقامته المكتبة الوطنية الفرنسية للاحتفال بالتنوير وفلاسفته تحت إشراف المفكر المعروف “تزفيتان تودوروف” عام 2006م تحت شعار: “التنوير كإرث للمستقبل”. وفي ختام المهرجان، تم إصدار كتاب تحت نفس العنوان.

Lumières! Un héritage pour demain. Collectif Bibliothèque Nationale de France 2006

إن التنوير، بالنسبة لأروبا، لا ينتمي إلى الماضي، بل هو حاجة ملحة مستدامة، ويقظة دائمة لمجابهة التيارات الأصولية والأنظمة الشمولية.

بالتالي، لا يمكن القول بعد هذا إننا استغنينا عن مفاهيم التنوير، ولم نعد في حاجة إلى إثارة مواضيعها بمقاربات حديثة، بينما الدول المتحضرة التي أصَّلت للمفاهيم التنويرية لازالت تستشعر الأخطار التي يمكن أن تعصف بكل ما راكمته البشرية من إنجازات حضارية؛ كما لا يمكن الثقة إطلاقا بمظاهر العمران والتمدن والحداثة الجوفاء التي تؤثث الفضاء العربي، لأنها مجرد ديكور يحجب المعضلة الحقيقية للوعي الجمعي المبني على العواطف الدينية. هذه العواطف التي تظل كامنة في انتظار استحقاقات انتخابية أو ثورات عربية لتستحوذ على المشهد السياسي وتُفرغ الثورة من مدلولها الخلاَّق.

إن الحاجة اليوم ملحة أكثر من أي وقت مضى لاستئناف مسيرة التحديث والتنوير، وتجاوز أخطاء الماضي والاستفادة القصوى من الإيجابيات التي وفرتها التكنولوجيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي.

 

لقراءة الجزء الأول: لماذا نسائل المقدس؟ أمة خارج الزمن 1/2

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *