×
×

قانون الإطار الجديد للنظام الصحي: هل يستجيب هذا المشروع لخصائص نظام صحي وطني أكثر نجاعة وإنسانية ووِقائية؟ 2\2

القانون الإطار الجديد لا يصلح بعمق وبشكل جدري المنظومة الصحية، بل أنه يسجل تراجعات عن النص القديم في المضمون كما في الشكل. سوف يواجه نفس المخاطر واحتمالات الفشل.

سعد الطاوجني، خبير في الدراسات السياسة والقانونية الاقتصادية في الصحة والحماية الاجتماعية
سعد الطاوجني، خبير في الدراسات السياسة والقانونية الاقتصادية في الصحة والحماية الاجتماعية

التكلفة الصحيحة

لا يثير مشروع القانون الإطار بأي حال من الأحوال تكاليف الرعاية على غرار المبدأ البديهي “الرعاية المناسبة بالتكلفة المناسبة”. يجب على الهيئة العليا للصحة أن تساهم مع الوكالة الوطنية للتأمين عن المرض في تحديد التكلفة من خلال مقارنة الأسعار مع بلدان ذات دخل مماثل وأحيانًا حتى مع بعض البلدان الغنية. بنفس المنهجية، عرفت أسعار الأدوية مؤخرًا تخفيضات مهمة. في بعض الأحيان، كانت أغلى في المغرب من فرنسا أو بلجيكا. نفس الوضع بالنسبة لبعض الأعمال الطبية. لذلك، فيجب أن تصبح مراقبة أسعار الأدوية وتعريفة العلاجات دائمة.

الاعتماد

يُعدُّ تقييم جودة الخدمات لجميع المؤسسات الصحية من بين المهام الرئيسية المخولة لهذه الهيئات في البلدان الأخرى. في المغرب، لن تتكلف الهيئة مباشرة بالاعتماد. لقد تم تفويضه إلى “نظام” آخر (دون ذكر اسمه). هل يعني هذا أن الهيئة لن تكون مستقلة بما فيه الكفاية أو أنها لا تملك الاستقلالية والتقنية اللازمتين؟ يبدو أن الوزير الحالي أخذ العبرة من متاعب الوزير السابق، بروفسور الوردي، في محاولته تقنين الاعتماد، وتم توقيف المشروع وهو في المهد بعد معارضة ممثلي المصحات الخاصة. لم تؤخذ بعين الاعتبار حاجة المرضى والمتقاضين إلى معايير تنظيمية وطنية (منشورة في الجريدة الرسمية) تهتم بجودة الرعاية كاحترام أساسي للحق في الحياة وسلامة المرضى، وكذلك لضمان حقوق الأطباء ومقدمي الرعاية. تجدر الإشارة إلى أن بعض المؤسسات تحاول احترام معايير داخلية وخاصة. من جهة أخرى، لا تشير المادة 31 إلى المعايير الدولية، في حين أن المنظمة العالمية للصحة توصي بمعايير فعالة وغير مكلفة.

المجموعات الصحية الترابية والجهوية المتقدمة

المجموعات المحدثة بموجب القانون الجديد، مسؤولة عن تنفيذ سياسة الدولة في المجال الصحي، ولكن في الاتجاه من الأعلى إلى الأسفل. المركزية تهيمن على النص. حتى الخريطة الصحية يتم تأسيسها أولا على المستوى الوطني قبل المحلي. لا يمكن تحديث الخريطة إلا في حالة حدوث تغيير في الخريطة الصحية الوطنية. ليس هنالك اتجاه معاكس من الجهة إلى المركز (من أسفل إلى أعلى).

من ناحية أخرى، تقتصر مسؤولية المجموعات الصحية الترابية في تحديد حاجيات السكان في الخدمات الصحية لمؤسسات القطاع العام فقط (المادة 19). هل نفهم من هذا أن الخريطة الصحية لا تهم القطاع الخاص كما هو الحال في القانون الإطار السابق؟ الخريطة الصحية هي أول أداة لمكافحة الفوارق الترابية، وإلا فإن العرض سيظل مركّزًا في المدن الكبرى.

إن إضفاء الطابع اللامركزي على السياسة الصحية، بمشاركة السلطات المحلية وخاصة الجهوية، لم يتم بعد تضمينه في النص الحالي. حتى اللاتمركز يواجه برفض المركز العنيد لنقل بعض الاختصاصات، وتعيين مسؤولين جهويين ذوو كفاءة، في تناقض صريح مع مشروع الجهوية المتقدمة.

من خلال دراسة مضامين القانون الإطار، يمكن أن نؤكد أننا ما زلنا بعيدين لسنوات ضوئية عن الديمقراطية الصحية التي تمكن المرضى الممثلين في الجمعيات المختصة والمستخدمين أن يلعبوا دورًا في المجموعات الصحية الترابية.

الرقمنة والملف الطبي المشترك ومسار الرعاية في سلة واحدة

في 2011، تم التخطيط بطريقة متأخرة عن باقي القطاعات، لتمكين قطاع الصحة من نظام معلوماتي “لتقييم جودة الرعاية”؛ وكان هذا النظام يهدف أيضًا إلى جمع البيانات المتعلقة بمؤسسات الرعاية العامة والخاصة. السؤال الكبير هو كيف يمكن لهذه الوزارة ذات الوسائل المحدودة حاليا أن تؤطر عمليات معقدة جدا كاختيار وشراء برمجيات (logiciels) وتكييفها مع الاستعمالات الحالية الموجودة في برامج كل مؤسسة صحية وإدماج التطبيقات المختلفة؟ من سيقوم بكتابة أدلة الإجراءات (Manuels de procédures) (الاستقبال، الفوترة، المحاسبة، ملف المريض، الخدمات اللوجستية، إدارة الموارد البشرية (..، وتكوين كافة المستعملين، وضمان جودة، وسلامة نظام متكامل ومندمج لجميع مؤسسات الرعاية العامة والخاصة؟ حتى الآن، لا تزال الإيصالات المقدمة للمرضى في المستشفيات العامة، تكتب يدويًا من قبل أمين الصندوق ونسخها بواسطة ورقة الكربون.

تجدر الإشارة إلى أن إدارة هذا النوع من المشاريع تتطلب عدة سنوات والعديد من المهارات: المهندسين ومحللي البيانات والفنيين والمراسلين التقنيين في المؤسسات الرئيسية (الرعاية الصحية الأولية، المستشفيات الإقليمية، الجهوية أو الجامعية). على سبيل المثال، سيستغرق تجهيز مستشفى ابن رشد بنظام معلوماتي أكثر من 40 شهرًا. وبما أن كل CHU قد طور نظامه بدون تنسيق مع المتشفيات الأخرى، فقد يتطلب تكامل وتجانس جميع أنظمة المعلوماتية الحالية مزيدًا من الوقت. كل هذه العمليات مركبة وشائكة. لإكمال هذه المهمة على نطاق واسع، يجب على الوزارة أن تقوم بحملة واسعة لتوظيف هذه المهارات المرغوب فيها عالميا. السيد لحليمي، المندوب السامي للتخطيط (HCP) أعلن في يوليوز الماضي أن “الإصلاح الحقيقي للإدارة لا يمكنه القيام به بالأجور التي تمارس حاليًا” وشكك في الإنجازات المستقبلية للرقمنة. ولا ينبغي أن ننسى مقاومة التغيير، لأن الرقمنة تجعل العمليات الإدارية أكثر شفافية وتقلل من إمكانيات الفساد والرشوة.

بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون سلامة النظام المعلوماتي متطورة ومطروحة في بداية تصميم النظام. خضعت فرنسا إلى ما يقرب من 380 هجوم سيبراني في عام 2021، عطلت بشكل كبير الأداء الطبيعي للخدمات والمستشفيات المعنية وخاصة العلاج. وطالب المتسللون (Hackers) بفديات كبيرة. التزمت الدولة باستثمار مبالغ ضخمة لضمان أمان أنظمة المعلوماتية مستقبلا.

بعد ذلك، من المُحتمل جداً أن تواجه الرقمنة معارضة قوية من طرف العديد من المهنيين لملأ بيانات الرعاية الصحية خوفاً من ضبط أخطاء التشخيص والعلاج. سيكون للرقمنة دور مهم للغاية لمستقبل الطب والحماية الاجتماعية. بفضلها، ستُعزز الرقابة الطبية لمؤسسات التأمين الاجباري عن المرض في ملفات الاسترجاع أو التحملات. سيخاف بعض مهني القطاع الليبرالي مرتكبي التصريحات الخاطئة من المراجعات الضريبية.  سوف ينزعجون كذلك من الرقمنة كأداة لتحقيق خطوة أخرى في طريق العدالة والشفافية الجبائية. ستكون معركة طويلة وستُجابَه في البداية بذريعة مبدأ السرية الطبية وبتكلفة المعدات وآليات التواصل الحديثة. من سيدفع التكاليف الضخمة لتجهيز كل المهنيين؟

بلا رقمنة، ليس هنالك ملف طبي ولا مسار العلاجات

بالإضافة إلى ذلك، فإن فرض مسار منسق للعلاجات (المادة 29) في جميع أنحاء البلاد وحتى في الجهات التي لا توجد فيها مستشفيات القرب، سوف يجعل المرضى وعائلاتهم يقطعون مسافات طويلة (تتراوح من 20 إلى 500 كم) للذهاب إلى المستشفى الإقليمي، ثم الجهوي قبل الوصول إلى المركز الاستشفائي الجامعي إذا لزم الأمر ذلك. هذا واقع المرضى في المناطق النائية، كالجهة الشرقية، وجهة درعة تافيلالت الشاسعة حيث يكون مسار الرعاية كمسار المحارب. يجب تقليص مسار العلاجات وشرحه جيدًا للمواطنين والموظفين قبل فرضه. وإلا، فإنه سيؤدي إلى مآسي حقيقية من قبل بعض المهنيين ورجال أمن المستشفيات الدين سيرفضون الولوج بدعوى أن سكن المريض (مثلا في حالة سفر) لا يوجد في المجال الترابي للمستشفى.

سيواجه مسار الرعاية، الذي يفرض، في القطاع الخاص، المرور الإلزامي عند الطبيب العام قبل الذهاب إلى الأطباء المتخصصين، مقاومة قوية.  هذا مع العلم أن نسبة الأطباء العامين لا تتجاوز 30% من مجموع أطباء المغرب. كان من المفروض دراسة المفاهيم الرئيسية الموجودة في الأقطار الأخرى كالطبيب المرجعي أو طبيب الأسرة أو الطبيب المعالج واحتمال تطبيقها محليا. المادة 12 من القانون التي فرضت هدا المسار استقطبت كل الانظار وهمشت نقاش المواضيع المهمة الأخرى.

استنتاجات

القانون الإطار الجديد لا يصلح بعمق وبشكل جدري المنظومة الصحية، بل أنه يسجل تراجعات عن النص القديم في المضمون كما في الشكل. سوف يواجه نفس المخاطر واحتمالات الفشل. هذه الصعوبات معروفة ويسهل التنبؤ بها. بالإضافة إلى مسار العلاج والرقمنة والملف الطبي المشترك وقلة الموارد البشرية والتمويل (أنظر أعلاه)، ستكون هناك معارك أخرى ستظهر أثناء كتابة المعايير التنظيمية الوطنية للنظافة والسلامة والجودة وأيضًا حول تعيين أعضاء المؤسسة المكلفة باعتماد مؤسسات الرعاية الصحية التي قد لا ترى النور قريبا أو أبدا.

بما أن المنهجية لم تتغير، وكذلك قواعد اللعبة، وموقف الأطراف الفاعلة، والموارد، والحوكمة، والتشتت المؤسساتي، كيف يمكن لهذا القانون الإطار تحقيق الأهداف التي يعود معظمها إلى 11 سنة خلت؟ لم يتم تقديم أي تحليل لأسباب الفشل. كيف يمكننا بعد ذلك أن نجد في هذا النص إرادة سياسية جديدة للتغيير الحقيقي للأشياء؟ لإصلاح هذه المنظومة، فإن نهج الإدارة الفعالة المؤسساتية والتطبيقية هو المطلوب وليس تَبني قانون إطار جديد مقتبس في مجمل مواده. خاصة وأن تأخر الدولة في الإصلاح التدريجي للقطاع مند عقود سيُضعِفُ موقفها في محاورة ضغط القطاع الطبي الليبرالي. وسيكون الثمن غالياً، خاصة وأن العرض الصحي للقطاع الخاص قد تطور في حين لم يعرف عدد المستشفيات العمومية إلا تغييرا طفيفا منذ عدة سنوات (152 مستشفى في 2021).

حاول القطاع الخاص المغربي أن يحل محل الدولة في عرض العلاجات في أكبر المدن، لكنه لم يستثمر في المناطق النائية الفقيرة. كما أن الحكومة لم تقم بمسؤولياتها في وظائف التنظيم والتأطير وإنتاج المعايير وتحديد الأسعار وزجر المخالفين للقانون. يجب الإشارة إلى أن معظم الدول الغربية ذات الاقتصاد الليبرالي، يظل القطاع العام فيها في الصفوف الأولية. كل المهنيين الذين قبلوا التعاقد مع التأمين عن المرض يحترمون التعريفة والتصنيفات والقرارات. حين تفاقمت الفوارق الاجتماعية في جميع أنحاء العالم خلال الأزمة الصحية، ظهرت أهمية الحماية الاجتماعية لكل الدول. لكن، لا يمكن أن تحكم صحة المواطنين قواعد تجارية مجملها موجهة للقطاع الخاص في بلد دخل سكانه منخفض، في حين أن القانون المغربي يؤكد دائما أن الطب ليس تجارة.

كيف سيتمكن وزير الصحة من إدارة أحسن للتكوين والبحث العلمي؟ في حين أن مساهمة وزارته في الإصلاح المعقد والثقيل للحماية الاجتماعية لا تزال محدودة لأن الوصاية الإدارية والمالية للمنظمات الرئيسية في تسيير الحماية الاجتماعية CNOPS, CNSS, CMR, RCAR…)،  جلهم تحت الوصاية التقنية والمالية لوزارة الاقتصاد والمالية، لأن الناحية المالية تهيمن على جميع الجوانب الأخرى.

يشهد القطاع الصحي العديد من الاختلالات حسب تصريح الوزير في غشت 2022 أمام اللجنة الاجتماعية لغرفة المستشارين. وكأنه يوجه انتقادات للدولة ويحملها مسؤولياتها التاريخية. مع ذلك، ولحد الآن، تبقى مجهودات الوزارة في مجالات الوقاية أو التدخين أو السمنة أو حوادث في الشعل محدودة للغاية وغير فعالة. تعد الصحة واحدة من القطاعات الثلاثة الأولى لعدم الرضا المرتفقين وبين الأكثر عرضة للفساد والرشوة (ترانسپارانسي المغرب).

نخشى أن يمر هذا المشروع دون أي تعديل، كما كان الحال مع قانون الإطار للحماية الاجتماعية الذي عبر المراحل التشريعية في الغرفتين بسرعة البرق، دون أدنى تعديل. لم ينخرط الناس فيه بطواعية. كان من الضروري إنفاق مبالغ ضخمة في الإعلانات لجلب بعضهم. لنجاح أي تشريع يتعلق بالحقوق الاجتماعية، توصي اتفاقية منظمة العمل الدولية 102 أن يكون هناك نقاش مفتوح ومحترم مع الرأي العام والمجتمع المدني والشركاء الاجتماعيين. وإلا، فإن هذه التشريعات محكوم عليها بالفشل أو لن يكون لديها إلا فرص ضئيلة لتحقيق أهدافها.

نستغرب كثيرا لكيفية التواصل التي تنهجها الوزارة مع المهنيين الصحيين المكونين في المغرب باللغة الفرنسية، إذ لا وجود لمشروع القانون الإطار إلا في نسخته بالعربية، كما هو الشأن مع القانون الإطار المتعلق بالحماية الاجتماعية (09-21) الذي تم نشره باللغة العربية فقط على عكس قوانين أخرى قدمت في نفس اليوم باللغتين الفرنسية والعربية؟ بطريقة غير مسبوقة، لم تنشر الأمانة العامة للحكومة، وهذا من مهامها، على موقعها الرسمي الترجمة الرسمية بالفرنسية لقانون معمول به منذ عام ونصف.

لكن، هل يستجيب هذا المشروع لخصائص نظام صحي وطني، أقرب، وأكثر نجاعة، وأكثر إنسانية، وأكثر شمولاً، وأكثر وقائية، وكلفة وعدلا؟ سوف تجيبنا السنوات المقبلة عن ذلك. كما يجب أن ننتظر، في غضون الأيام القليلة المقبلة، دراسة محتوى مشروع القانون المالي لعام 2023، لمعرفة ما إذا كانت الدولة التي تسمي نفسها بالاجتماعية قد منحت الميزانية والمناصب الكافية لتفي بوعودها الكثيرة.

لقراءة الجزء الأول: قانون الإطار الجديد للنظام الصحي: هل يبتعد النموذج المغربي عن الدولة الاجتماعية؟ 2\1

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *