×
×

لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا: لا تشيحوا بنظركم، المدنيون السوريون يواجهون احتمال تجدد التصعيد

“يواجه السوريون اليوم مشقات متزايدة لا تطاق، ويعيشون وسط أنقاض هذا الصراع الطويل. ويعاني الملايين ويموتون في مخيمات النازحين، بينما تغدو الموارد أكثر ندرة ويزداد الفتور في همة المانحين. فسوريا لا تحتمل العودة إلى القتال على نطاق واسع، ولكن هذا هو القدر الذي قد تتجه إليه”

تحذر لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا في تقرير جديد صدر اليوم من أن السوريين يواجهون معاناة وصعوبات ناجمة عن العواقب المميتة للصراع المستمر منذ عشر سنوات وتصاعد حدة الحرب على طول الجبهة الشمالية.

“يواجه السوريون اليوم مشقات متزايدة لا تطاق، ويعيشون وسط أنقاض هذا الصراع الطويل. ويعاني الملايين ويموتون في مخيمات النازحين، بينما تغدو الموارد أكثر ندرة ويزداد الفتور في همة المانحين. فسوريا لا تحتمل العودة إلى القتال على نطاق واسع، ولكن هذا هو القدر الذي قد تتجه إليه“، وفق ما صرح به باولو بينيرو، رئيس اللجنة، الذي أطلق أحدث تقرير للجنة الذي يتألف من 50 صفحة ويسرد حالة حقوق الإنسان في سوريا، ويغطي الفترة بين 1 كانون الثاني/يناير و30 حزيران/يونيو.

في ظل التهديد بعملية برية تركية جديدة، سجلت اللجنة استمرار التعبئة والقتال بين القوات التركية والقوات المدعومة من تركيا من جهة، والقوات التي يقودها الأكراد في الشمال من جهة أخرى. ويقدم التقرير تفاصيل عن هجمات في ريف حلب الشمالي أسفرت عن مقتل وإصابة ما لا يقل عن 92 مدنياً وتدمير منازل المدنيين ومدارس ومساجد ومنشآت طبية ومباني إدارية.

مع استمرار هذا النمط الكئيب، تحقق اللجنة في العديد من الحوادث المميتة التي وقعت مؤخرًا، بما في ذلك قصف سوق مزدحم في مدينة الباب في آب/أغسطس كان أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 16 مدنياً، بينهم خمسة أطفال، وإصابة 36 آخرين على الأقل.

وحذرت المفوضة لين ولشمان من “أننا نشهد أيضًا استمرار العمليات من قبل إسرائيل، وكذلك القوات الأمريكية والتركية والقوات المدعومة من إيران، في هذا الصراع الذي طال أمده”. وبالإضافة إلى ذلك، لا تزال روسيا تدعم الحكومة السورية بنشاط، لا سيما فيما يتعلق بالغارات الجوية التي قتلت مدنيين واستهدفت مصادر الغذاء والمياه، بما في ذلك محطة مياه معروفة تخدم أكثر من 200000 شخص. وفي الأسبوع الماضي وحده، تسببت غارات جوية جديدة في سقوط المزيد من القتلى والجرحى في محافظة إدلب، وهي حاليًا قيد التحقيق.

وتتحمل العائلات التي تعيش في مناطق الجبهات وطأة القصف المدفعي للقوات الموالية للحكومة على هذه المناطق، حيث سجل التقرير مقتل أطفال وهم متجهون إلى المدرسة، ومقتل رجال أثناء عملهم في محلاتهم التجارية، كما قُتل أفراد أسرة بأكملها أثناء تجمعهم خارج منزلهم لتناول الشاي عصرًا.

في الشمال الشرقي، يزداد الوضع الأمني سوءًا في مخيم الهول مع الإبلاغ عن 34 جريمة قتل في المخيم بين 1 كانون الثاني/يناير و31 آب/أغسطس، وعدة اشتباكات دامية بين قوات الأمن الداخلي وسكان المخيم.

ويقبع الأطفال في مخيم الهول ومخيمات أخرى في الشمال الشرقي في وضع مقلق على نحو خاص؛ فهم يفتقرون إلى الرعاية الصحية والتعليم الكافيين، ويعاني العديد منهم من العنف داخل المخيمات. وبمجرد بلوغهم سن المراهقة، يتعرض الفتيان الصغار لخطر نقلهم إلى مراكز الاحتجاز العسكرية جنبًا إلى جنب مع بالغين يُزعم أنهم كانوا مقاتلين سابقين ضمن داعش، ويحتجزون إلى أجل غير مسمى دون اللجوء إلى القانون.

كما يعرض التقرير تحقيقًا شاملاً في أكبر هجوم لداعش على الأراضي السورية منذ أن فقد سيطرته في عام 2019: القتال الذي جرى في سجن الصناعة ومحيطه في مدينة الحسكة والذي بدأ في 20 كانون الثاني/يناير وأسفر عن مقتل المئات، حيث تم قطع رأس بعضهم وتشويههم.

“وسلطت هذه الأحداث الضوء على وضع أكثر من 10000 من مقاتلي داعش السابقين المشتبه بهم وغيرهم من الأفراد الذين يُزعم أنهم ينتمون إلى التنظيم والذين ظلوا محتجزين في شمال شرق سوريا، غالبًا بمعزل عن العالم الخارجي ، فضلاً عن المخاطر المستمرة باحتجاز المشتبه بهم في مناطق مدنية. ولا يزال المعتقلون الأجانب، بمن فيهم الفتيان، بلا ملاذ قانوني بعد سنوات من اعتقالهم الأولي” وفق المفوض هاني مجلي.

وما يبعث على التفاؤل أن مئات الأطفال العراقيين أعيدوا هذا العام من معسكرات الاحتجاز في شمال شرق سوريا إلى العراق. كما أعادت العديد من الدول الأوروبية النساء والأطفال إلى أوطانهم. وأكد رئيس اللجنة بينيرو أن “اللجنة تثني على الدول التي أعادت رعاياها من النساء والأطفال الأجانب المحتجزين في المخيم منذ بداية العام وتحث على مواصلة الجهود لضمان إطلاق سراح جميع الأشخاص المحتجزين بشكل تعسفي في هذه المعسكرات”.

ومما يثير القلق أن تحقيقات اللجنة الأخيرة تؤكد استمرار أنماط الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة التي تُرتكب في الحجز الحكومي حتى يومنا هذا، والتي أدت أيضًا إلى وفاة المعتقلين. كما تم توثيق جرائم حرب ووفيات أثناء الاحتجاز في مرافق الاحتجاز التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة.

وخلال الفترة المشمولة بالتقرير، تبين أيضًا أن عشرات الأشخاص الذين فُقدوا منذ فرارهم من الغوطة الشرقية عبر الممرات الإنسانية التي أنشأها الاتحاد الروسي في عام 2018 قد أُعلن عن وفاتهم – ومن المرجح أنه تم إعدام بعضهم، كما كان يُخشى ويُزعم في ذلك الوقت.

ولا يزال عشرات الآلاف من السوريين مختفين قسريًا أو مفقودين حتى الآن. وتواصل القوات الحكومية ممارسة المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لأقارب المفقودين من خلال تعمّد إخفاء مصير ومكان وجود المفقودين. وتعتبر عملية بحث العائلات عن أحبائها في سوريا – التي تقوم بها النساء غالبًا – محفوفة بخطر الاعتقال والابتزاز وسوء المعاملة.

وصرح المفوض مجلي قائلاً: “نحن نرحب بالتقرير الأخير للأمين العام حيث دعا إلى هيئة جديدة لتوضيح مصير ومكان وجود المفقودين والمختفين في سوريا. فهذا يؤيد بقوة ما دعت إليه العائلات واللجنة والعديد من الأشخاص الآخرين منذ فترة طويلة. ويجب على الدول الأعضاء الآن اغتنام هذه الفرصة لتصبح حقيقة، من أجل الضحايا وعائلاتهم.”

“بالإضافة إلى تأثر النساء والفتيات بشكل غير متناسب بعواقب الاختفاء القسري، فقد تعرضت النساء والفتيات لانتهاكات جنسانية وانتهاكات لحقوقهن – بما في ذلك حرية التنقل والتعبير وتكوين الجمعيات والسكن وحقوق الملكية – اعتمادًا على الجهة المسلحة التي تسيطر على مناطق  تواجدهن، وينجم ذلك غالبًا عن عدم المساواة بين الجنسين منذ فترة ما قبل الحرب واستمرار الممارسات التمييزية”، حسب ما أعلنته المفوضة ويلشمان. “فهن عانين من العنف الجنسي والعنف الجنساني في الاحتجاز وفي المخيمات وفي حياتهن اليومية.”

وقد سجلت اللجنة حالات متعددة تم فيها اعتقال واحتجاز نازحين سوريين عادوا إلى ديارهم بعد فترة وجيزة من قبل القوات الحكومية. كما وثقت في جميع أنحاء البلاد حالات عديدة لأشخاص وعائلات لم يتمكنوا من العودة إلى مدنهم وقراهم بسبب مصادرة ممتلكاتهم من قبل القوات، أو لأنهم لا يستطيعون العودة إلى ممتلكاتهم وأراضيهم، خوفًا من الاحتجاز التعسفي.

وفي ظل هذه الخلفية، تلاحظ اللجنة أن بعض الدول المجاورة تضع خططًا ملموسة للعودة الجماعية للاجئين السوريين. “ويجب أن تكون العودة اختيارًا، وأن تتم بطريقة آمنة وكريمة وطوعية”، حسب ما قاله السيد بينيرو.

وسترفع اللجنة التقرير أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف يوم الخميس 22 أيلول/سبتمبر في الساعة الثالثة بعد الظهر.

 

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *