×
×

المتحف السينمائي بورزازات: معقل السينما العالمية وحيز تلتقي فيه حضارات إنسانية

على طول السور المحيط بالمتحف المنقش بالكتابات والرموز والرسوم والأعمدة القديمة، يمتد التاريخ لهكتارين ويجتمع العالم ويأتي إليك في مكان واحد. هنا حيث تلتقي ثقافات شعوب وحضارات؛ مصرية، إغريقية، رومانية، يهودية، مسيحية وإسلامية، صامدة أمام عنف التاريخ.

هبة إيطاليا للمدينة الهادئة

كما يوحي اسم ورزازات لمدينة بدون ضجيج، لم يفلت متحفها السينمائي من هذا السكن؛ فأنت تتسكع بالمدينة، لا مفر لتقدمك أمام كل الأمكنة، أن يقودك إرهافك لرئة الفن السابع.

كما تحل واقفا أمام الحصون، تدع خلفك القرن السابع عشر الميلادي! تعترضك حيرة زمنية إزاء قصبة تاوريرت، منتصبة شامخة تحتفظ بنصيب من تاريخ البلاد. وأمامك خطوات يسيرة تفصلك عن رؤية حقب زمنية كاملة. عن حصنين تشدهما بوابة خشبية داكنة وعتيقة، يقف تحتهما مجسمين يبسطان كفيهما نحو الصدر، بهوية فرعونية، وفوق الحصنين ترقش على صفيحة معدنية سوداء ” متحف السينما لورزازت”.

Cinéma Ouarzazatوحيث تسعى لاستلام تذكرة الدخول وتتمعن في المدخل، يتكهرب جسدك وتكف لهنيهة عن التنفس! على أن تصادف أرواحا لأشخاص وثقافة حضارات من الزمن الغابر. هو الاستوديو الذي شُيد سنة 1981 من طرف الإيطاليين، لتقرر السلطات المغربية فيما بعد فيتحويله لمتحف للسينما.

إشعاع سياحي وثقافي

عن مكانة ودور هذا الفضاء السينمائي، يعبر لنا الكاتب العام لجمعية المتحف السينمائي لورزازات، إبراهيم الزنيفي، أنه بمثابة فضاء لحفظ الذاكرة السينمائية وفي نفس الوقت مجال للانفتاح ولعرض مختلف الاعمال الفنية التي تم تصويرها داخل أروقة المتحف  وتم التركيز على إنجاز برامج وأنشطة عديدة تستهدف تطلعات الفاعلين الثقافيين والاقتصاديين بالمنطقة، بما يحقق حاجيات المشهد السينمائي محليا وجهويا ووطنيا. ابراهيم الزنيفي يؤكد أيضا على أهمية هذا الفضاء السينمائي للمساهمة في العرض والمنتوج السياحي بالجهة، حيث يشهد ارتفاعا وتزايدا ملحوظا للزوار ومنظمي الأسفار والرحلات.

Cinéma Ouarzazatكما يتيح المتحف مجالا لاشتغال طلبة السينما بورزازات، ويضعنا مولاي مصطفى مساوي، أستاذ التاريخ والحضارات والفنون بالمعهد السينمائي بالمدينة، أمام تلك العلاقة الحميمية التي تجمع بين المعهد والمتحف السينمائيين، ويوضح لنا كيف أن المتحف شكل ولا زال فضاء لممارسة أنشطة طلبة المعهد، ففي المستوى الداخلي التكويني، يقوم الطلبة باعداد مشاريع التخرج بالاستناد على المتحف لتوفره على الإمكانات اللازمة والمتنوعة. وحين نفكر بإنجاز مشروع تاريخي، يقول مصطفى مساوي، فإننا لا نفكر إلا في المتحف لقربه أولا من المعهد، ولتوفره على مرافق اجتماعية وعمومية ثانيا.

أستاذ التاريخ والحضارات والفنون بالمعهد السينمائي بالمدينة يضيف أن المتحف يمثل إشعاعا بالنسبة للمعهد، حيث تركز شعبة الملابس على تمارين تطبيقية يتمرس فيها كل طالب وطالبة على نماذج لملابس معينة. ويؤكد أنه ما فتئ ينضم رحلات استكشافية للمتحف ويعتمد فيها على أكسيسوارات وديكورات المتحف للحديث عن الجانب الفني والثقافي والتاريخ لحضارات متنوعة بدلائل عينية ملموسة وبشكل جمالي.

بساط تاريخي يمتد لهكتارين

وإن تأبه عيناك لصومعة المسجد وهي تقابل الكنيسة كأنهما يبوحان لبعضهما في صمت، يقع بين جنباتهما بالأرضية الخارجية ديكورات مختلفة شاهدناها جميعا في مشاهد لأفلام متنوعة، فهاهي قطع مدفعية مبعثرة في المكان وبين ديكورين لفرعونين شابين، وعلى يمينهما عربات للنقل متآكلة يحزر تفكيرك أنها مخصصة للأميرات، وأخرى تجرها مجسمات أحصنة.

على طول السور المحيط بالمتحف المنقش بالكتابات والرموز والرسوم والأعمدة القديمة، يمتد التاريخ لهكتارين ويجتمع العالم ويأتي إليك في مكان واحد. هنا حيث تلتقي ثقافات شعوب وحضارات؛ مصرية، إغريقية، رومانية، يهودية، مسيحية وإسلامية، صامدة أمام عنف التاريخ.

Cinéma Ouarzazatقد يتوهم الزائر أنه مقبل على الاعتراف أو على أداء طقس ديني، لكن، في الحقيقة، هو اعتراف بعظمة المكان الذي يصبح مجرد التأمل فيه صلاةً. الشمعدان السباعي نحوك، حامل الشموع الذي، لفخامته، يجبرك أن تحني رأسك قليلا كي تمر للجهة المقابلة، وحولك ممرات لأشكال الأعمدة الكورنثية الرومانية واليونانية، مصممة بالجبس والبولستير ومزينة بالرموز والأفاريز والنقوش البارزة المخددة. سجل تاريخي روماني يذكرك بالعمارة الكلاسيكية….

إطلالات سينمائية تختزل ذاكرة الشاشة الكبيرة

على الجدران وبين الأعمدة على طول الممرات زخارف رقشت عليها طيور النسور تختصر ميثولوجيا الٱلهة ناخبيت الفرعونية والنسر النوبي للإله زيوس الإغريقي، الذي يحاكيه الرومان بإله السماء جوبتر. وفي حذو القصة اليونانية اوريون الجبار وموته بلذغة عقرب الآلهة ارتيميس، ما عليك سوى أن تلمس منحوتة العقارب والخنافس المجاورة للنسور، في متوالية هندسية فريدة.

أنت الآن في  السرداب، ينثال عليك دفق السينما العالمية، أمام طابور لامرئي من الأفلام يختزل ذاكرة الشاشة الكبيرة ، فها أنت ذا في العهد القديم  في فترات متلاحقة للأنبياء : سليمان وموسى ويوسف والمسيح … فجميعهم مروا من هنا. وقبل أن تصل لمجلس العرش، ترصد خطواتك جوهرة النيل، القصة الأصلية، بيبل، الكومبارس، الإسكندر الأكبر، مملكة الجنة، الصحراء، ثم عودة المومياء وغيرها من الأفلام والمسلسلات والوثائقيات، لترتحل في العصور كأنك تعمرها وتحياها.

في مجلس العرش ، يجد الزائر ضالته. لا يمكنك سوى أن تلتقط فيه صور للذكرى. ما أن يستوطن جسدك العرش أو تضع ركبتك على أخرى وتمدد ذراعيك على هذا المعدن المرصع باللون الذهبي وفوقك ديكوران لنسرين، تغمرك نشوة كأنك كيلوباترا في فليم مهمة كليوباترا للمخرج فرانك رودام أو أحد ملوك مسلسل صراع العروش. داخل هذه الشظايا التاريخية التي يلتف حولها أعمدة كبيرة، حبكة محكمة أوقعت البشرية في كمين سحري، نسجها مخرجون وممثلون وكتاب أبوا إلا أن يفتحوا صفحات التاريخ على مصراعيه، مختزلين إياه في الشاشات ومعارض السينما.

Cinéma Ouarzazatالسجن، على يمينك وأنت تتفقد زنازنه حيث يحتجز كلادياتور منتظرا موعد إحدى المعارك. وسط هذه الزنازن التي تشكل قطعا من الليل، كان فيها كل انتباه المخرج ريدلي سكوت وكاميرات السينمائيين موجهة لمعارك ماكسيوس الأولى.  فوق السجن يتسلل ضوء خافت يرافقه هباء ينقل شريطا متسارعا عما جرى بالإمبراطورية الرومانية خلال النصف الأخير من القرن الثاني الميلادي. وككل الأجنحة، يؤدي درج السجن إلى أجنحة أخرى كأنك في سلسلة زمكانية لامتناهية. في لحظة إطلاق سراحك عائدا لمجلس العرش، تقع على يسارك إحدى القاعات المخصصة للاستشفاء تعود طينتها للحضارة الفرعونية وكأنك في متاهة، حولك مخرج يؤدي للغرف الإدارية، ثم مقابر المحنطين من الفراعنة والخزانات العامة ومحكمة الجن. الأمر شبيه بسيرك داخل مملكة النمل، كل الممرات تؤدي لحقبة.

إعادة نحت الزمن

وكيفما اتفق، تجد نفسك في رحب واسع تسكنه تفاصيل من طراز طائرة بولستيرية من الحجم المتوسط، مهترئة وعلى مقربة منها حديقة تبعث شجيراتها على الامتلاء، وتتوسطها مغارة علي بابا حالكة تقتات من ظلمتها. منفذها إقبال على ما يناهز العشرين لوحة من الأفلام المصورة  والمسلسلات كتوقيع خالد، تشهد لها المدينة.

بين عمودين كورنثيين يركن عرش الحاكمات الفرعونيات. نوافذ قديمة وصغيرة تمتد في غرفة آسيا التي تحتضن مجسمات الخدم والأثاث من الأفرشة والأريكة الملكية. كل شيء هنا يوَلد عاطفة وحسا، حتى الهواء  الساري في الغرفة والملازم لك كأنه جزء يتجزأ من المكان! عربات الرومان المتنوعة، صور المخرجين والممثلين المشهورين أمثال : أنجلينا جولي، آلباتشينو، كلود فاندام، كولين فارولنن، دي كابريو، باردلي كوبر، براد بيت، كايت بلانشيت.. وآخرون وأخريات من الذين أمضوا أوقاتا بالمدينة في ولع تام بسحرها، وانسجام دقيق مع أداور شخصيات كي ينحتوا الزمن و يعيدوا لنا إنتاجه.

Cinéma Ouarzazatالنقوش على الجدران  في انسجام مع الحديقة الصغيرة. وعيناك تخطف نظرة لإحدى الآلات، يأخذك فضول للتفقد، وما أن يقذف بك لغرفة آلآت التصوير المدججة بالتقنية القديمة والأكسيسوارات والأدوات العسكرية من الرماح والأذرع والنبال والأزياء العسكرية الرومانية منها والمصرية، حتى تدرك كيف تتم الصناعة السينمائية والتصوير الفوتوغرافي خلال القرن التاسع عشر. تحتوي الغرفة أجهزة متعددة ومختلفة للعرض السينمائي و الكاميرات التي كانت تشتغل بالشاربون الكبيرة منها والصغيرة و أشرطة التصوير القديمة وآلات المونتاج التي يختلف عمل على كل واحدة على الأخرى؛ فتلك مصنوعة من طرف الاتحاد السوفيتي وهذه من طرف فرنسا وأمريكا وتلك من طرف إيطاليا. في نفس الجناح تنزوي غرفة أخرى مظلمة يعرض فيه مقتطفات لجميع الأفلام التي صورت في ورزازات.

الجهة المقابلة للخروج، وفي فضاء رحب، أطياف سرمدية تحمل قرارة التاريخ بمجسماتها وسفنها تنتصب شامخة أمام  حر المدينة، إنها الحضارة الإسلامية في باكورتها. بين أطراف المكان مقاعد مخصصة لجلوس الزوار ترمي الأشجار بضلالها عليها، وتترامى في رصيف تليد للمارة يعيدك للباب الرئيسي لاستلام التذاكر، لتكون هذه مناسبة معرفية يتوقف فيها الزمن لأجلك لتؤرخ بنفسك وبأقدامك لكل منعطف تاريخي كل على حدة وبدون ضجيج.

مواضيع قد تهمك:

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *