×
×

حقّ المرأة السّلالية في الإرث: رحلة اقتحام الأرض “المحرّمة”… 3\3

حين بدأت حركة السلاليات أنشطتها الاحتجاجية منذ 2007، أصبح الرأي العام الوطني والدوليّ على دراية بمحنة “غامضة”. صرخت السلاليات كثيراً في الدوائر المحليّة، واجتمعن في العاصمة الرباط أيضاً، وقدنَ حراكًا سلميًّا انطلق من القرى والمداشر ودور الصفيح لإنهاء الظلم.

عرضنا، في الجزء الأول من هذا الملف، أصل مشكل الأراضي السلالية في القوانين الاستعمارية، ثمّ انتقلنا إلى الحديث عن الخروقات التي شابت الملف بعد الاستقلال وكيف كاد أن ينفجر في وجه الدولة.

في هذا الجزء الثالث والأخير، نعاين حكاية ملهمة للنساء السلاليات في نضالهنّ ضدّ الذكوريّة والأحكام العرفيّة المجحفة، حيث أصبح لهنّ… نصيبٌ من الأرض.

السلاليات… كانت محنة واضحة!

تعود أصول الحكاية إلى ما عرضناه في مرايانا سابقا في مقال بعنوان: “السّلاليات… حكاية الأرض المحرّمة”. تلك الأصول، يمكنُ تلخيصها في حكم عرفي قبلي “أبيسيّ” متوارث أبا عن جد، يحرم المرأة السلالية من نصيبها في إرث الأراضي السّلالية، بذريعة الخوف من زواجها برجل من خارج القبيلة، فتعود الأراضي الجماعية إلى أشخاص دخلاء أو غرباء.

حافظ التّقنين الاستعماري على هذا العرف، وظلّ بعد استقلال المغرب ساريًّا، فشكّل عائقاً حقيقيًّا في وجه المرأة السلالية، حتى رغم الجهود التي بذلها المغرب في رفع التمييز بين الجنسين… لكنّ الوعي النّسائي في العقود الأخيرة، فرض مساراً آخر للحكاية: مسار “نجاح”.

لعبت الجمعية الدّيمقراطية لنساء المغرب دوراً حاسماً في مساندة النساء السلاليات لتحقيق مطلبهن وحقهنّ في الانتفاع من الأرض، في حال تقسيمها، أو من حقهن في مبلغ تفويتها، في حال فُوِّتت للدّولة، إذ ساعدت الجمعية هؤلاء النساء على “صياغة مطالبهن بشكل واضح وبناء حركة موحدة”، مع استخدامها “خبراتها في مجال الترافع، ومعرفتها بالمؤسسات المغربية؛ لدعم السّلاليات حتى يتمكن بأنفسهن من تحقيق أهدافهن”، كما تقول ربيعة الناصري، في ورقة بحثيّة لها بعنوان: حركة السلاليات المغربية: قصة إقصاء وتمكين.

حين بدأت حركة السلاليات أنشطتها الاحتجاجية منذ 2007، أصبح الرأي العام الوطني والدوليّ على دراية بمحنة “غامضة”. صرخت السلاليات كثيراً في الدوائر المحليّة، واجتمعن في العاصمة الرباط أيضاً، وقدنَ حراكًا سلميًّا انطلق من القرى والمداشر ودور الصفيح لإنهاء الظلم.

وزارة الداخلية، باعتبارها الوصية على تدبير ملف الأراضي السلالية، أرسلت سؤالاً إلى المجلس العلمي الأعلى بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، حول “وضع المرأة داخل الجماعات السلالية، والمتعلق بجانب حرمانها الاستفادة من العائدات المادية والعينية التي يستفيد منها الرجل إثر العمليات العقارية التي تجري على الأراضي الجماعية”.

الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء، التابعة للمجلس العلمي الأعلى، الذي يعد وفق الدستور، “الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى التي تعتمد رسميا”، قال حينها بأنه من حق المرأة في الجماعات السلالية أن تستفيد كما يستفيد الرجل من العائدات المادية والعينية التي تحصل عليها الجماعة إثر العمليات العقارية التي تجري على الأراضي الجماعية”.

فقهاءهيئة الإفتاء شددوا، أيضًا، ضمن فتوى تم نشرها في كتاب مجموع الفتاوى بين 2004 و2012 صدر، حينها، عن المجلس العلمي الأعلى، على أن تكون تلك الاستفادة بمعايير عادلة تعطي لكل ذي حق حقه، تحقيقا للعدل الذي جاء به شرع الإسلام، وجعله من أسس دينه وتجليات تكريم الإنسان رجلا كان أو امرأة”.

تبيّن أنه ليس للأمر علاقة بالدّين. على إثر ذلك، أصدرت وزارة الداخلية منشورين سنة 2009، يتعلق الأول بجهة الغرب، بينما يهتمّ الثاني بكلّ الجماعات السلالية بالبلد. ولا شك أن المرسومين نصّا حينها على حق السلاليات في الاستفادة من الدخل الناتج عن نقل الأرض.

بعد دستور 2011، سيصدرُ منشور ثالث، عام 2012، يخوّل للسلالياتالحقفي ملكية الأرض، بما في ذلك الأراضي التي لم يتم نقلها. لكن سيطرة العرف عند السلاليين جعل العملية تتعثر في الميدان… واستمر الحيفُ، واستمر النّضال، واستمرّ النقاش.

هكذا، بعد توصيات الحوار الوطني لسنة 2014، والمناظرة الوطنية حول موضوع “السياسة العقارية للدولة ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية”، المنعقدة بالصخيرات سنة 2015، والرسالة الملكية إلى المشاركين بضرورة تحديث القانون أخذا بعين الاعتبار حقّوق النساء السّلاليات، حسمت القوانين المنظمة لملف الأراضي السلالية، مع كلّ ما سبق من حيف في حق النساء، واعتبرت الخطوة الأولى من نوعها فيما يتعلق بالمساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، حين يتصل الأمر بأملاك الأراضي الجماعية.

من المكتسبات التي نص عليها القانون، هي حق الانتفاع، إناثا وذكورا، بملك الجماعة في أي عملية بيع أو تفويت أو كراء.بالتالي، باتت حقوق النساء لا تختلف عن الرجل في أي شيء. أضف إلى ذلك أنّ النص قدّم للنساء حقًّا جديداً في هذا النطاق، وهو تمكينها من النيابة، أي أن تكون المرأة نائبة عن القبيلة السلالية وعن تدبير شؤونها.

اعتبرت ربيعة الناصري، وهي عضو في الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، في دراسة نشرها المعهد المغربي لتحليل السياسات، أنّ “المقاومة والصمود والتعبئة والتنظيم، وتحدي علاقات القوة القائمة داخل الأسرة والمجتمع والنظام الأبوي المتجلي في القوامة”، هو نموذج يمكن استثماره في “تمكين النساء الأكثر ضعفا اقتصاديا واجتماعيا في المجتمع، للمطالبة بالمساواة في الإرث، والوصول إلى الأراضي الخاصة في المجالات التشريعية الأخرى، التي تتسم بالتمييز المباشر والواضح ضد المرأة”.

إنصاف… ولكن؟

“لازالت الأرض تعني “الشرف” بالنّسبة لشيُوخ القبيلة وكبار السنّ، الذين يعتبروننا غير قادراتٍ عن الدّفاع عن الأرض. كان أخي يستفيد من عائدات مالية عن كراء الأرض بعد وفاة الوالد. هو لا يقوم بأي شيء، لكن حين نطلب منه نصيباً، كان يتحجّج بأهمية العرف”… هكذا تحدّثت فاطمة، 36 سنة، مقيمة بالرباط وتنحدرُ من منطقة الغرب سيدي سليمان بالمغرب.

تقول فاطمة في حديثها لمرايانا إنه “مؤخراً، بعدما سمعنا بتسجيل اللوائح، تواصلت مع النائب السّلالي، فقال لي إنّ أخي الذي استفاد في السابق هو من سيستفيدُ مجدداً ويكفي ذلك. لكن، حين استشرت محاميًّا متخصصًا، أرشدني إلى مديريّة الشؤون القروية بالرباط، لوضع شكاية، قبل إعداد اللوائح بالجماعة وصدورقرارات التمليك، حيث كان يمكن حينها أن يذهبحقي سدى”.

تجملُ المتحدّثة قائلة بأنّ “القانون خطوة مهمة، لكن المشكل في العقليّات الذكوريّة، التي تعتبرُ أنّ العرف هو أهم أنواع التّشريع الممكنة، خصوصاً أننا، في زمن المساواة والإنصاف، وزمن الأمان حيث لم يعد هناك مكانٌ للقول بحماية الأرض أو تحصينها، هاته العقليات لا تدرك أن نساءً سلاليات يسكنون في دور الصفيح،ويعانينالأمرين، بينما إخوانهن الذّكور انتفعوا من الأرض وحصلوا منها على مداخيل ماليّة مُريحة”.

نجح المسار قانونيًّا، لكنّه لازال قاصراً مجتمعيًّا…

أليست إذن العقليات الذكوريّة في حاجة إلى تغيير جذري لتتقبل سيادة القانون؟

بدر دجان، أحد المرشّحين لنيابة الجماعة السلالية بكلميمة، يجيبُ بأنّه مستحيل أن يتقبل كثيرٌ من السّلاليين القانون؛ والغريب أنهم حين يتعرّضون أو يلوحون بورقة الطعون، نذكرهم أنهميرفضون القانون، ويريدون استغلال ذات القانون لرفضه؟

يضيفُ دجان في حديثه لمرايانا أنّ الجيل الحالي يتمتعُ بعقليّة ديمقراطية وحداثية إلى حدّ ما، ولذلك ينظر إلى الموضوع من عين العصر، حتى أنّ كثيراً من الشباب ينخرطُون في عملية توعية ذويهم من الشيوخ والكبار، رغم أنّ الرحلة مرهقة وشاقة وذات أفق مسدود، “لكننا نعوّل على هذا الجيل”.

في نهاية هذا الملف، نستحضر حقيقة حذّر منها الرّاحل الحسين الملكي، المحامي بهيأة الرباط، وتتعلق بنقاش تتزعّمه أصواتٌ انتهازية ظلّت تردّد “لنطوي صفحة الماضي ولنبدأ من جديد” أو “لنترك الأرض على ما كانت عليه سابقاً ونحفّظها”… والقصد، هنا، طيّ صفحة الهكتارات من الأراضي السّلالية التي حصلوا عليها، لأنّهم كانوا مقرّبين من الاستعمار أو عملاء له أو لهم سلطة أو مقربون من دار المخزن، إلخ.

نتساءل في هذا الصّدد:

ما مآل هذه الأراضي “المسروقة” من السلاليين في فترات معيّنة؟

وهل تمّ فتح تحقيق مستقل ونزيه في كل الأراضي المنهوبة، المقدرة بالآلاف، والشروط التي نهبت فيها وإرجاعها إلى أصحابها؟

ما نتائج هذا التحقيق “إن تمّ”؟ هل جرت محاسبة المتورطين في هذه الجرائم العقاريّة والاقتصاديّة التي شابت الملف، أم لجأت الدولة إلى “عفى الله عما سلف”؟

هل التّدبير الحالي لوزارة الداخلية للملف هو الأمثل، أم أنه مجرد حل ترقيعي لن يُنهي مشكلا بنيويا بحجم الأراضي السّلالية وما تحمله من ارتباط بالأرض؟

و… هل وصاية وزارة الداخلية مهمّة إلى هذا الحد في هذا الملف؟

أسئلة تغلق بها مرايانا ملفا جدّ معقد، مع الرجاء أن تكون هناك أجوبة في القادم من الأيام…

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *