×
×

المرأة في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش

يعد هاجس إدماج المرأة في النشاط الاقتصادي من أهم الاكراهات المطروحة فيما يتعلق بالسياسات الاجتماعية والاقتصادية، إذ بغض النظر عن الجانب الحقوقي والاجتماعي لحق المرأة في المساواة، فإن العديد من الدراسات قد أشارت إلى تكلفته الاقتصادية الكبيرة.

استهل الملك محمد السادس خطابه الأخير وسياق عيد العرش، بالحديث عن المرأة ودورها الهام في مواجهة التحديات التي قد تواجه مغرب الغد وذلك بقوله:

“إن بناء مغرب التقدم والكرامة الذي نريده، لن يتم إلا بمشاركة جميع المغاربة رجالا ونساء في عملية التنمية. لدى، نشدد مرة أخرى على ضرورة المشاركة الكاملة للمرأة المغربية في كل المجالات”[1].

لا ينبغي حصر أدوار المرأة في مجالات محددة، بل يجب تعبئة كل الإمكانات والسبل الكفيلة لتحقيق مشاركتها في شتى المجالات.

عادة، يحتدم النقاش الاجتماعي في قضية المساواة بين المرأة والرجل، فهناك من يدافع عن أهمية فسح مجال اشتغال المرأة في مختلف المجالات إسوة بالرجال، بينما البعض الاخر يرفض فكرة اشتغال المرأة، وكلا الطرفين ينطلقان من مسوغات ومبررات سوسيوثقافية لتعليل هذا الواقع السوسيوثقافي، وهو ما يتجلي في نسب مشاركة المرأة في دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.

نسبة مشاركة النساء

إذ، بالرغم من الرزنامة القانونية –مدونة الأسرة ودستور2011– التي تتيح للمرأة دورها الهام في تحقيق التنمية والفاعلية الاقتصادية والسياسية، إسوة بالرجال، لازال واقع معطيات تفعيل هذه الأدوار ضعيفا في المغرب ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مقارنة بباقي مناطق العالم؛ فلماذا؟.

إن الإجابة عن سؤال مسببات تأخر تفعيل أدوار المرأة في المغرب، قد تطبعه عوامل مختلفة ومتعددة لعل أهمها الاستعداد الثقافي أو كما يسميه بيير بورديو بالهابيتوس أي السمت أو ما يتطبع عليه المرء من استعدادات قبلية تؤطر سلوك الفرد بقيم الجماعة. في اللاوعي الثقافي L’inconscience culturelle للأفراد، تختمل أفكار الجماعة البائدة، ويتجلى هذا الأمر في معدلات نجاح وتخرج الفتيات سنويا، إذ تفوق معدلاتهن ونسبهن معدلات ونسب الذكور، بيد أن سوق الشغل يشهد دينامية وفعالية للرجال تجعلنا نتسأل عن ماهية هذه المفارقة.

لا يمكن بحال اتهام البنية السوسيوثقافية للمجتمع على نحو سريع بأنها ذكورية؛ تقزم من دور المرأة، فإذا سلمنا أن المجتمع المغربي ذكوري لما كانت نسبة تخرج الفتيات بهذا التفوق في السنوات الأخيرة، إنما قد نعزو هذا الواقع إلى الاكراهات السوسيوثقافية، فإذا كانت هذه الأخيرة هي من تتحمل أعباء المنزل وتربية الأبناء باعتبارها مهاما بيوثقافية -بلغة إدغار موران- أي منها ما هو طبيعي فطري (كالحمل وتربية الأبناء جزئيا بمشاركة الزوج)، فهنالك مهام ثقافية متعددة. إذا كانت المرأة تستطيع تحمل مهام الطبيعة، فإنه ليس بالضرورة أن تتحمل لوحدها باقي الأدوار الثقافية.

المغرب، مقارنة بدول الشرق الأوسط وشمال افريقيا، يفسح المجال للمرأة والرجل لتقسيم الأدوار الثقافية، إلا أن الأمر لا يعكس التطلعات حسب ما جاء في الخطاب الملكي، فالصعوبات السوسيوثقافية، سواء على البنية النفسية لهن أو النظرة الاجتماعية للمحيط الضيق فيما يخص مؤهلاتهن، لا زالت تكبح آليات مشاركة المرأة سياسيا واجتماعيا في تحقيق التنمية.

بالتالي، ينعكس اكراه الواقع الثقافي سلبيا على مشاركة المرأة وتخليق دورها في الحياة الاقتصادية والسياسية، بحيث أبانت معطيات التقرير بنك المغرب لسنة 2021، على أنهن يتوفرن على مؤهلات ضعيفة، حيث أن %46.1 منهن أميات وأغلبهن غائبات عن سوق الشغل، كما أن أربع نساء من أصل خمس في سن العمل غير نشيطات[2]، وحتى عندما يحصلن على مناصب عمل، فهذه الأخيرة عادة ما تتسم بالهشاشة وبضعف الجودة[3].

بهذا المعنى، يحول الإكراه السوسيوثقافي حول فكرة اشتغال المرأة دون تحقيق الجودة في العمل، حسب معطيات التقرير أعلاه، بالنظر للمسؤوليات الأسرية المرتبطة بتربية الأطفال والأعمال المنزلية. وعليه، ينعكس تمثل الأفراد حول أهمية اشتغال المرأة سلبيا بالنظر للتقييم السطحي لمردوديتهن، حيث حتى بعد انخراطهن في سوق الشغل، تواجه النساء صعوبات في الحصول على العمل.

سنة 2021، بلغت نسبة البطالة بينهن 16,8% على الصعيد الوطنى، وتصل هذه الحصة إلى 41,9% بالنسبة للشابات المتراوحة أعمارهن ما بين 15 و24 سنة و31,8% بالنسبة اللواتي حصلن على شواهد عليا[4]. ومن المفارقة أن هذه المعدلات في تزايد مستمر رغم التحسن النسبي في المستوى التعليمي للمرأة.

نسبة مشاركة النساء

وفق دراسة مشتركة أنجزتها المندوبية السامية للتخطيط والنبك الدولي، فإن الضعف الهيكلي لنشاط المرأة، وهي خاصية يتقاسمها المغرب مع باقي بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مرده بالخصوص إلى المسؤوليات الأسرية المرتبطة بتربية الأطفال والأعمال المنزلية. في هذا الصدد، دعى ملك المغرب المؤسسات الدستورية المعنية بتفعيل المساطر القانونية لإعطاء المرأة كامل حقوقها وإعادة النظر في مدى نجاعة مدونة الأسرة  بقوله:

“وهنا، ندعو لتفعيل المؤسسات الدستورية المعنية بحقوق الأسرة والمرأة، وتحيين الآليات وتشريعات لنهوض بوضعيتها. وإذا كانت مدونة الأسرة قد شكلت قفزة على الأمام، فإنها أصبحت غير كافية لأن التجربة أبانت أن هناك عدة عوائق تقف أمام استكمال هذه المسيرة وتحول دون تحقيق أهدافها، ومن بينها عدم تطبيقها الصحيح لأسباب سوسيولوجية متعددة…”[5].

يعد هاجس إدماج المرأة في النشاط الاقتصادي من أهم الاكراهات المطروحة فيما يتعلق بالسياسات الاجتماعية والاقتصادية، إذ بغض النظر عن الجانب الحقوقي والاجتماعي لحق المرأة في المساواة، فإن العديد من الدراسات قد أشارت إلى تكلفته الاقتصادية الكبيرة. حسب تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في 2013 (أنظر: الآفاق الاقتصادية الإقليمية، الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، صندوق النقد الدولي 2013 )، كان من شأن تقليص الفارق في معدل النشاط بين الرجال والنساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من ثلاثة اضعاف إلى ضعفين مقارنة بالمتوسط المسجل في الأسواق الصاعدة والنامية أن يؤدي إلى مضاعفة وتيرة النمو في هذه المنطقة خلال العقد المنصرم، مما كان سيدر ربحا تراكميا يصل إلى ألف مليار دولار.

لقد برز هذا الوعي بأهمية مشاركة المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية عند الملك محمد السادس منذ توليه السلطة، وقد عبر عن هذا الأمر في خطاب العرش بقوله: “لقد حرصنا منذ اعتلاءنا العرش على النهوض بوضعية المراة وفسح افاق الارتقاء لها واعطائها المكانة التي تستحقها… والامر هنا لا يتعلق بمنح المرأة امتيازات مجانية وانما باعطائها حقوقها القانونية والشرعية وفي المغرب اليوم لا يمكن أن تحرم المرأة من حقوقها، وهنا ندعو لتفعيل المؤسسة الدستورية”[6].

 

[1] خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 23 لعيد العرش المجيد 30/07/2022

[2] بنك المغرب، التقرير السنوية، السنة المالية 2021، ص52
[3] نفس المصدر
[4] نفس المصدر
[5] خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 23 لعيد العرش المجيد 30/07/2022
[6] خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 23 لعيد العرش المجيد 30/07/2022

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *