×
×

عن الجدل حول الأعمال التلفزية الرمضانية بالمغرب

النقد في العمل الفني هو نقد علمي لعناصره الفنية ومعايير الجودة والرداءة فيه، بعيدا عن أي مقاربة أخلاقية.
الأعمال الفنية محاكاة متخيّلة للواقع وليست الواقع بعينه، والفن هو الكذبة التي تجعلنا ندرك الحقيقة لكنه ليس الحقيقة. لا يستقيم إذن مقارنة عمل فني تخييلي بواقع ديني أخلاقي.

أثار غضب شريحة واسعة في المغرب أن تكون ابنة الشيخة ـ المرأة التي تمتهن الرقص والغناء ـ فتاة مثقفة ومؤدبة، استطاعت أن تتخرج من الجامعة وتحقق عملا مستقلا وتتزوج رجل أعمال؛ وأن تكون الشيخة امرأة تكِدّ في عمل أجبرتها عليه الظروف، لكنها تحب ما تقدمه فيه أيضا.

قد يخال أحدهم أن القصة تجري في أحد الأحياء المغربية، وهو ما أثار حفيظة القريبين من شخوصها. لكن المؤسف هو أن نعلم أنها مجرد عمل تلفزي متخيل، قسم الشارع المغربي وأثار الجدل.

عرضت القناة الثانية خلال شهر رمضان المنصرم مسلسلا تلفزيا تحت عنوان “المكتوب” لمخرجه علاء أكعبون وكاتبة السيناريو فاتن اليوسفي. يحكي المسلسل عن قصة “الشيخة” التي تؤدي دورها الممثلة والكوميدية دنيا بوطازوت التي تحاول من خلال الشخصية أن تحارب الصورة النمطية والأحكام الجاهزة عن مهنة الشيخة في المجتمع المغربي، رفقة ابنتها في المسلسل، الممثلة هند بنجبارة، التي أبانت في دورها عن شخصية مركبة تتصارع بين احترام مهنة والدتها أو رفضها نتيجة لقسوة نظرة المجتمع إليها. تتشابك أحداث هذا العمل الدرامي الكوميدي وتتداخل فيها شخصيات أدى دورها نجوم كبار كالممثل أمين الناجي والممثلة مريم الزعيمي وغيرهم.
كان تصريح الداعية ياسين العمري حول ما رآه فسادا يُعرض على قناة عمومية مغربية ويحاول جعل المغاربة يطبعون مع مهنة الشيخة، فتيلا أشعل المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي بين المؤيدين لطرحه والرافضين لتكميم أفواه الفن الذي لا يعدو أن يكون أداءً متخيلا فقط. بدءا من الحوار البناء إلى كيل الاتهامات كلٌّ إلى الطرف الآخر.

إن البحث في المعجم عن مصطلح “شيخة” يحيل على دلالات كثيرة وبعيدة عن أي مفهوم مشبوه أو قدحي. فالشيخة من شيّخ يُشيّخ تشييخا، أي تقدم في السن وظهرت عليه علامات الكبر والوقار، وشيّخه على القبيلة أي جعله قائدا عليها. في الخليج العربي، يطلق اسم الشيخة على الأميرة ويرتبط كذلك بالسيادة والسلطة الدينية والسياسية.

أما في المغرب، فقد اقترن اسم الشيخة بالمرأة التي تصنع الفرجة بالرقص والغناء الشعبي والفلكلوري، وقد كانت تحظى باحترام القبيلة وتقديرها، بل ويتم استقبالها من طرف القياد والقائمين على السلطة. إلى عهد قريب، كانت الشيخات عنصرا من عناصر خشبة الاحتفال بعيد العرش.

تتأصل الشيخة في الذاكرة والتاريخ المغربي فنانة ومقاومة للفساد على غرار خربوشة، وصانعة للفلكلور بأهازيجها الأمازيغية في احتفالات أحواش وأحيدوس، ومؤدية بارعة لفن غناء العيطة والعلوة. فكيف تبدل مفهوم الشيخة إذن في الذهنية المغربية؟

لكاتب والباحث المغربي في تراث العيطة، حسن نجمي، يرجع هذا التحول في صورة الشيخة إلى اللحظة التي جمع فيها الباشا الكلاوي بمراكش بين الشيخات ومن يمتهنَّ بيع الجنس في مكان واحد، عندما كانت سلطات الحماية تقوم بتنظيم المهن. منذ ذلك، اقترن عمل الشيخة بامتهان الجنس. ما أثر أيضا على صورة الشيخة في الذهنية المغربية هو التأثر بصورة الراقصة القادمة من الشرق في الأعمال المصرية، تلك التي ترقص شبه عارية وتتمايل على أحضان رجال يمسحون اللعاب عن شواربهم الطويلة من شدة الإغراء. أضف إلى ذلك صورة المرأة العورة في الوعي الديني الذي يضع قيودا على جسدها ولا يقبل أي محاولة لكسرها.

لم يستطع العمل الكوميدي للفنان حسن الفذ المعنون بـ “التّي را التّي” أن يضحكني هذه السنة، وشعرت باستياء كبير أن لا بديل لي عن الضحك سوى ما يقدمه كوميدي واحد في التلفزة المغربية. يعم الاستياء الشارع المغربي أيضا بشكل متكرر سنويا إزاء الأعمال التلفزيونية التي تعرضها القنوات العمومية، والتي لا ترقى في أغلبها لتطلعات الجمهور المستهدف، بين شُحّ الإبداع ورداءة السيناريو وفراغ الحوار وغياب رسالة تحترم ذكاء المتلقي.

يطالب كثيرون بضرورة إحداث تغيير يستجيب للذوق العام ويحترمه مادام ما يعرض على قناة عمومية تموّلها ضرائبهم. هذا النقاش المتكرر صحيّ ومطلوب لتحقيق الجودة المنشودة في الإبداعات الفنية المغربية، التي لا تتطور إلا بالنقد ومراكمة التجربة. غير أن النقد في العمل الفني هو نقد علمي لعناصره الفنية ومعايير الجودة والرداءة فيه، بعيدا عن أي مقاربة أخلاقية. الأعمال الفنية محاكاة متخيّلة للواقع وليست الواقع بعينه، والفن هو الكذبة التي تجعلنا ندرك الحقيقة لكنه ليس الحقيقة حتما كما يقول عنه بيكاسو. لا يستقيم إذن مقارنة عمل فني تخييلي بواقع ديني أخلاقي.

في الأخير، للشيخ أن يعبّر عما يمسه أو يعجبه في الأعمال التلفزية، وللمغاربة ذلك أيضا على اختلاف توجهاتهم وخلفياتهم دون مس أو تجريح في فئة أو شخص بعينه. لكن النقاش يحتاج لمن يضفي عليه طابع الواقعية والفنية… لا يحاكم الفن إلا بالفن، ومسؤولية رداءة ما يعرض تلفزيا مشتركة، ولعل للمشاهد أيضا نصيب لا بأس فيه منها.

مواضيع قد تهمك

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *