×
×

قانون حمورابي… حين اهتدى الإنسان القديم إلى نُضج “التشريع”! 1\3

لا يُعرَفُ حمورابي إلاّ في نطاق القانون، حيثُ يُدرسُ ويُنقَدُ ويُستَشهدُ به… لكنّ هذا الاسم ظلّ راسخاً في التّاريخ منذ أربع ألفيّات.
الشّريعة… أو القَانون الذي وضعهُ حمورابي وصاغَهُ، كان مُدهشًا للغاية، وذلك بالنّظر إلى الفترة التي ظَهر فيها. لهذا، ربّما، بقيَ إلى اليوم محطّ إعجاب كثير الباحثين في القانون وفي تاريخ التّشريع بشَكل عام.

جاء قانون حمورابي في معظمه بأسلوب “عِلمي” و”عَملي”، كما هو شأنُ القوانين الحديثة، وهو ما جعل المختصّين في القانون يصفونه بأنضج وأشمل قانون مُدوّن يعود إلى فترةِ ما قبل الميلاد.

في سيرة حمورابي!

حمورابي هو الملك السادس بين حكام “السلالة البابلية الأولى”. لكن، أجمع المؤرخون على كونه المؤسس الفعلي للإمبراطورية البابلية. وذلك بعدما تمكّن من توحيد دويلات بلاد الرّافدين المُتصارعة على السّلطة وإخضاعها لحُكمه.

ضمّت إمبراطوريته، وفق بعض المراجع، كلّ العراق والمدن القريبة من بلاد الشّام، حتى سواحل البحر المتوسط وبلاد عيلام ومناطق أخرى. [1]

حدثت حول فترة حكمه خلافات كثيرة خلال القرون الخوالي، والزمن الذي قضته الإمبراطورية البابلية بالتالي. رواية تقول إنّه حكم بابل بين 1728 و1686 قبل الميلاد، وأخرى تقدّر أنّ الحكم امتدّ من 1792 إلى 1750 قبل الميلاد.

غير أنّ الراسخ، هو حدوث توافق حديث بخصوص أنّ فترة حكمه، بالفعل، مثّلت مدّة تعادِل الاثنين وأربعين عاماً، وانتهت حين ترجّل عن صهوة الحياة.

عدّته بعض الروايات أعظمَ ملوك بابل. ويقال إنّه انصرف في أولى “سنوات حكمه إلى الإصلاحات الداخلية وترفيه حالة السكان المعيشية وإقامة المشاريع، وذلك لكسب رضا النّاس ومحبتهم. ثم انصرف إلى إصلاح الجهاز الإداري والقضاء على الرشوة ورفع المَظالم وتثبيت الأسعَار والاهتِمام بحفر قَنوات الرّي والمِلاحة وإقامة السّدود وتقوية الجيش… وكل ذلك لأجل تثبيت العدل”. [2]

هكذا، استكمل حمّورابي وحدة الدولة بوحدة قانونية، كانت شهادة على ظهور قانون حمورابي كأوّل تشريع “ناضج” في التّاريخ الإنسانيّ. أُصدِر هذا القانون باللّغة الأكدية البابلية وبالخط المسماري، وتمّ تطبيقه في كل أنحاء الدولة الأكدية. وبذلك، أصبح وسيلة لتوحيد عادات وأعراف السومريين والأكديين على حدّ سواء.

سجل حمورابي هذه القوانين على مسلة كبيرة من حجر الديورانت الأسود، طولها 225 سم وقطرها 60 سنتمراً، وهي أسطوانية الشكل، وقد وجدت في مدينة سوسة عاصمة عیلام، أثناء حفريات البعثة التنقيبية الفرنسية (1901 – 1902). وموجودة الآن في متحف اللوفر باريس، وتمّت ترجمتها إلى لغات عديدة. [3]

مسلة حمورابي
                                             مسلة حمورابي

في القسم الأعلى من المسلة، يوجدُ نحت بارز يمثل الإله شماس (إله الشمس) جالساً على عرشه، ويُسلم بيده اليمنى الملك حمورابي، الواقف أمامه بخشوع، أدوات القياس، ليتسنى له بواسطة القياسات الدّقيقة إعمار البلاد وتثبيت الملكية. [4]

بخصوص نقلها إلى مدينة سوسة، فالمصادر تذهبُ إلى أنّ الملك العيلامي شتروك ناخونتي، الذي غزا بابل حوالي سنة 1171 قبل الميلاد، هو الذي حوّل مُستقرّها. كما قد محا عدداً من الأسطر ليسجل مكانها، على ما يبدو، اسمه. [5]

إلاّ أنّ تلك “اللعنات المخطوطة” في خاتمة قانون حمورابي، بخصوص من يغيّر في نصوصها أو يضيف اسمه عليها، هي ما منع هذا الملك من تدوین اسمه عليها بالكامل أو نسبتها له. كان هذا سببا لتصلنا إلى اليوم على أنها ثمرة مجهود خالص للملك حمورابي.

في منَابع الشّريعة

لم توجد شريعة حمورابي إلا من خلال انتهالها من منبع “القوانين” التي سبقتها. لذلك، يجوز القول إنّ قانون حمورابي، هو عبارة عن تنقيح وتجميع وتجويد لقوانين سَالفة الوجود حينها.

لقد عمل حمورابي على اجتثات المواد التي لم تعد تنسجم ومصلحة “الدولة” والسياسة التّشريعية فيها. بل وحرص على استحضار الشروط الذاتية والموضوعية، التي لم تكن مطروحة قبل قيام إمبراطوريته.

أثناء البحث، وجدت مرايانا أنّ هُناك إجماعًا على أنّ شريعة حمورابي تأثّرت بالقَوانين التالية:

  1. إصلاحات أوركاجینا: يعدّ أوركاجينا من ملوك سلالة لكش الأولى. يوصفُ بأنّه صاحب أقدم إصلاح اجتماعي واقتصادي معروف لحد الآن. حيث يرجع تاريخ تلك الإصلاحات إلى 2355 ق الميلاد. وقد اكتشفت تلك الإصلاحات في مدينة لكش عام 1878م (هذه المدينة تسمى اليوم تل الهبا تقع على بعد 28 كم شمال غرب البصرة في العراق). وترجمها لأول مرة، الباحث الفرنسي تورو دانجان. وقد بينت عديد من الأبحاث أنّ هذا الملك حدّ من الفظاعات التي سادت في عصره. وخاصة ما يتعلق منها بالضرائب التي كانت مفروضة على “الشعب” دونما استجابة للقانون. [6]

تذكرُ المراجع أنٍ هذه الوثيقة أوضحت مقدار العدالة والحرية الذي توفّر “للشّعب” الذي حكمه أوركاجينا. مع أنّ تلك القوانين لا تزال محفوفة بالغموض، لأنها لم تكتشف لحد الآن على نحو يتيح مساءلتها. لكنّ تقديرات الباحثين باستفادة حمورابي من هذه القوانين عند صياغة قانونه واردة جدّا. [7]

  1. قانون أورنمو: 2111 – 2003 ق.م. يعتبر الملك أورنمو مؤسس سلالة أور الثالثة، منذ قضائِه على أتو حیکال، ملك السومريين. أصدر أورنمو قانونًا سُمّي باسمه، وهو أقدم قانون مكتشف لحد الآن، حيث عثر على قسم من الألواح التي تضمنت هذا القانون في مدينة نفّر (تسمى اليوم نيبور أيضاً)، وقسم آخر في مدينة أور (نفسه).

يتكوّنُ هذا القانون من 31 مادّة، ولاحظ المهتمون بالقانون تشابهاً بين كثير من مواد شريعة حمورابي وقانون أورنمو، ما دفع إلى الإجماع بأنّ حمورابي استفاد من هذا القانون أثناء صياغة شريعته.[8]

  1. قانون لبث عشتار: تمّ اكتشافُ هذا القانون في مدينة نفّر (نيبور) من خلال تنقيبات قامت بها بعثة جامعة بنسلفانيا عام 1947. [9]

تمّ إصدارُ هذا القانون من طرف الملك لبث عشتار (1934 – 1924) ق.م. بحسب المراجع التاريخية، وكان هذا الملك هو خامس ملوك سلالة إيسن (2017 – 1794) ق.م.

موادّ هذا القانون تبلغُ 37 مادّة، تعقبها خاتمة تتضمن تعهّدات قطعها الملك لبث عشتار، بغاية إنهاء الكراهية واجتثاث العنف وضمان العيش الرّغد. ضمّت هذه، “النصوص القانونية”، أيضاً، استنزال لعنات الإله على من يعبث بالنصوص أو يحرّفها أو يتلفها أو حتى… أن يكتب عليها اسمه!

بعض المصادر تذهب إلى أن قانون حمورابي هو عبارة عن ترجمة لكل من قانون أورنمو ولبث عشتار مع إضافة تفاصيل أخرى عليها. [10]

  1. قانون أشنونا (بلالاما): تمّ العثور على نسخة يدوية من هذا القانون عام 1945 في تل حرمل/ قرب بغداد، من قبل المؤسسة العامة للآثار؛ وهو يسبق شريعة حمورابي بحوالي نصف قرن، ويتكون، كالعادة، من مقدمة تختلف عن مقدمات الشرائع الأخرى و61 مادة. [11]

أما شريعة حمورابي، فتحتوي المسلة على 282 مادة، ومن المرجح أنها كانت تزيد على 300 مادة. الأمر يتعلّق بقانون همّ مختلف مناحي الحياة في ذلك العصر: السياسية والاجتماعية والعسكرية. حتى أنّه سنّ معاييراً للتّفاعلات التجارية وتمّ إقرار الغرامات والعقوبات الزجرية لتلبية متطلبات العدالة، وهو ما جعلهُ يغدو التّشريع المكتوب الأوّل على نحو منظّم. [12]

ورد في نصبه التذكاري، أنّه المشرّع الرائدُ، الذي عمل جاهداً “لمنع الأقوياء من قمع الضعفاء، ولتحقيق العدالة للأرامل والأيتام”. وهذا، عمليًّا، ما جعل هذا القانون “يتفوّق” على كل القوانين السومرية التي سبقته بمئات السنين، وظلّ قانون حمورابي محور كلّ دراسة تاريخية للظاهرة القانونية.

من الواضح أنّ حمورابي لم يقم بتجميع كل القواعد العرفية والتشريعية التي كانت سائدة قبل عهده، بل غيّر وبدل وأضاف لها الكثير.

لذلك، فإنّ قانون حمورابي احتوى أهمّ القواعد العرفية والتشريعية التي كانت سائدة قبل عهده، والتي أراد تأكيدها؛ وليس كل القواعد العرفية والتّشريعية. [13]

أيضاً، اتسم هذا القانون بعدة تعديلات أدخلها على تلك الأحكام العرفية والتشريعية بوصف حمورابي مُصلحاً اجتماعياً[14]

لكن ما هي سماتُ هذا القانون؟ وكيف نتبيّن النّقد الذي وُجِّه له؟

هذا ما سنجيبُ عنهُ في الجزء الثاني من هذا الملف.

هوامش:

[1] أحمد خالد عبد المنعم، حمورابي، دراسة تاريخية، الطبعة الأولى 2015.

[2] محمود الأمين، شريعة حمورابي، دار الوراق للنشر المحدودة، لندن، الطبعة الأولى 2007.

[3] المرجع نفسه.

[4] نفسه.

[5] نفسه.

[6] شعيب أحمد الحمداني، قانون حمورابي، الناشرالعاتك، القاهرة، توزيعال مكتبة القانونية، بغداد، الطبعة الثانية 2008.

[7] المرجع نفسه.

[8] نفسه.

[9] نفسه.

[10] نفسه.

[11] نفسه.

[12] نفسه.

[13] نفسه.

[14] نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *