×
×

سلسلة ــ عبد الله القصيمي: من السلفية إلى الشك 1/4

من هو عبد الله القصيمي… هذا المفكر المتمرد على الأعراف الثقافية والدينية؟

وما دواعي تحوله الرديكالي من السلفية الى الشك في ثوابت الدين؟

ولماذا لم يأخذ حقه في الساحة الإعلامية كواحد من كبار المفكرين والأدباء الذين أحدثوا رجة عظيمة وامتلكوا الشجاعة الكافية ليعلنوا أفكارهم قبل ثورة مواقع التواصل الاجتماعي، وشيوع المعلومة التي أوقفت الناس على مجموعة من الحقائق الغائبة؟

لا توجد أمة بين الأمم تبرع في هذر طاقتها، وجذ براعم الإبداع بين مفكريها، كما يوجد لدى هذه الأمة العربية التي تعيش على هامش التاريخ وخارج الزمن الحضاري.

تجتهد الأمم في فسح مجال الفكر ليُبدع علما وفلسفة ونظما سياسية واجتماعية ترقى بالإنسانية عن نوازعها البدائية، وتضع خطوات واثقة لاستشراف آكام المستقبل وسحيق الفضاء؛ بينما تجتهد هذه الأمة المتدينة جدا! المتفسخة جدا! في فرض رقابة دينية وثقافية تظلل سماء العلم والفكر، وترسم خطوطا حمراء لا يجوز الاقتراب منها، وتزرع حقول ألغام ينبغي أن يحسب لها هُواة اليراع ألف حساب حتى لا يطؤوها سهوا بأقلامهم وبنات أفكارهم.

أقماعٌ كثيرة منصوبة لفلترة كل فكرة والنظر في مدى موافقتها للأعراف والعقائد والمواضعات الدينية والسياسية، حتى لا يُزعزع اليقين وتنقدح شرارة الشكوك، ويزحزح ثبات الشرائع ورسوخ الانظمة السياسية والاجتماعية…

 فلِمَ تخاف هذه الأمة من الشك؟ ولم تعتبر دغمائيتها ويقينية أفكارها فوق مشارط النقد ومبادئ النسبية؟

قبل الخوض في ضرورة الشك المعرفي والمنهجي لبناء المعرفة المستندة للبرهان العقلي والتجربة الحسية، ننبه إلى أن الشك المقصود هو البعيد عن الشك البيروني الراديكالي الذي يفضي الى السفسطة والعدمية المعرفية. يقول الفيلسوف وعالم الرياضيات “لودفيغ فتغنشتاين”: ”إذا حاولت الشك في كل شيء، فلن تصل إلى حد الشك في أي شيء. لعبة التشكيك في ذاتها تفترض اليقين”.

لكنه أيضا ليس اليقين المتعصب الذي يجعل الدين هو المصدر الرئيسي للمعرفة، والدليل الوحيد على صحة المجال القيمي والمفاهيمي، ويرفض كل جدال علمي وفلسفي من أجل الهدم والبناء.

إنه الشك الايجابي المولد للأسئلة القلقة الباحثة عن المعرفة. الشك الذي يسائل المسلمات بعد الطفرات العلمية والصدمات الحضارية… الشك الذي دفع عبد الله القصيمي ليتحول من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

.    الشك والإيمان بالغيب

رغم أن الشريعة فسحت الباب للشك والتساؤل، تلبية للشكوك التي عبر عنها الجيل الأول من المؤمنين، وضربت بعض النماذج عن شرعية السؤال، كقصة ابراهيم وتنقله بين الإيمان بالقمر والشمس، وطلبه الأدلة الملموسة لطمأنة قلبه: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.)، سورة الأنعام. (وإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، سورة البقرة.

رغم هذه المرونة في قبول السؤال، إلا أن الشرع عموما أبقى الباب مواربا لغياب الإجابات اليقينية في إثبات الغيبيات، كما أن البدائل التي وجه إليها لا يمكن من خلالها قطع الشك باليقين، وكل التساؤلات المطروحة كان جوابها إما الكف عن التساؤل، أو اعتبار الشك هو عين الإيمان، أو أن كثرة السؤال مدعاة للهلاك.

ـ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: “لا يزال الناس يتساءلون حتى يُقال هذا: خلق الله الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله”. صحيح مسلم.

–  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ”. صحيح مسلم.

– عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: (ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فَأْتُوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم، واختلافُهم على أنبيائهم). صحيح مسلم.

لعل معترضا يستدل بقوله تعالى في سورة يونس: “فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك”.

أو الحديث الذي رواه مسلم: “نحن أحق بالشك من إبراهيم”. لكن التفسير الفعلي لرسول الإسلام، والتأصيل العقدي لشيوخ الإسلام، ينأى بالآية عن مدلولها الظاهر إلى معنى مناقض تماما للشك المجاوز لحدود الإيمان.

يقول سعيد بن جبير في تفسير هذه الآية عند الطبري: “ماشك وما سأل”، ويقول ابن القيم في أحكام أهل الذمة: “أشكلت هذه الآية على كثير من الناس، وليس فيها بحمد الله إشكال، وإنما أُتِيَ أشباه الأنعام من سوء قصدهم وقلة فهمهم، وإلا فالآية من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم وليس في الآية ما يدل على وقوع الشك ولا السؤال أصلا ، فإن الشرط لا يدل على وقوع المشروط ، بل ولا على إمكانه”.

فلا يمكن القول بعدما سبق إن الشريعة أسست لمنهج إيماني أو معرفي مبني على اتباع مدارج الشك ومبادئه للوصول إلى اليقين، والشك عند المشايخ أحد نواقض كلمة التوحيد المؤدي للكفر، يقول الشيخ القاري في شرحه لحديث (من قال لا إله إلا الله مستيقنا بها): “أي منشرحا بها صدره غير شاك ومتردد في التوحيد”.

لملء هذه الفجوات الكبرى وإطفاء شرارة الشك والسؤال، كان لزاما أن يُستدعى مفهوم الغيب، هذه اللفظة الصغيرة التي يحيل مدلولها على مجموع الاعتقادات التي لا تنتهض البراهين العقلية والمنطقية على إثباتها، فيأتي الإيمان ليبدد الحيرة، ويختصر كل الإجابات في التسليم والتفويض، والإيمان بالحكمة المطلقة التي تعجز عن إدراكها الخلائق. يقول ابن خلدون في مقدمته: “بلِ العقلُ ميزانٌ صحيح، فأحكامُه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمعُ أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طورِه، فإن ذلك طمعٌ في محال”. يؤكد هذه الحقيقة ابن تيمية في كتابه نقض المنطق بقوله: “إن المنطق إذا عُدَّ ميزانًا عقليًّا، فهو يعجِزُ عن إدراك الحقائق الدينية والإلهية، ووَزْنُ الحقائق الغيبية”.

أمام هذه المعضلة التي تلجم العقول بلجام الإيمان بالغيب وتقمع ما يعتمل في صدور المؤمنين من شكوك، انقسم الناس إلى أربعة أصناف:

– عوام على دين النخبة المهيمنة في المجتمعات، خاملو الفكر متمذهبون بالسائد بين الناس من عقائد وأعراف.

– متعلمون لم يتحرروا من الرزنامة العقدية التي تم تلقينها إياهم في الصغر، يتكلفون كل صعب وذلول ليطمئنوا قلوبهم ويزيلوا الكدر عن واحة يقينهم، فتراهم مرقعين للشبهات، باحثين عن كل ما يثبت أطناب الإيمان في الصدور المضطربة، وأكثر هؤلاء تجدهم مغرمين بالإعجاز العلمي والعددي كآخر قشة لحماية معتقداتهم من البوار.

– مثقفون ارتقت الشكوك عندهم إلى درجة هدم نصف مسلماتهم، فيحاولون تعويضه بإفرازات الحضارة المعاصرة ودمجه مع ما سَلِمَ لهم من غربال الشكوك، فهم كالذي يريد جمع الخريف والصيف تحت سقف واحد، وأكثر هؤلاء هم رواد المدرسة القرآنية ودعاة الإصلاح الديني ومراجعة التراث.

– مثقفون تجاوز الشك كل مسلماتهم وتمرد على بضاعتهم المزجاة، ومزق نسيج إيمانهم فانطلقوا يبحثون عن الحقيقة دون مرجع من إيمان طفولي، أو قناعات راسخة أو انحياز تأكيدي… من مثل هؤلاء خرج طه حسين ونوال السعدواي ومحمود محمد طه وعلي عبد الرازق وفرج فوده وسيد القمني وعبد الله القصيمي الذي سنحاول إفراد هذه السلسلة للتعريف به وبمنجزاته الفكرية والأدبية…

 فمن هو عبد الله القصيمي… هذا المفكر المتمرد على الأعراف الثقافية والدينية؟

وما دواعي تحوله الرديكالي من السلفية الى الشك في ثوابت الدين؟

ولماذا لم يأخذ حقه في الساحة الإعلامية كواحد من كبار المفكرين والأدباء الذين أحدثوا رجة عظيمة وامتلكوا الشجاعة الكافية ليعلنوا أفكارهم قبل ثورة مواقع التواصل الاجتماعي، وشيوع المعلومة التي أوقفت الناس على مجموعة من الحقائق الغائبة؟

أسئلة وغيرها، نجيب عنها في الجزء الثاني من هذه السلسلة.

 

الحلقة الثانية: سلسلة ــ من السلفية إلى الشك. عبد الله القصيمي، السلفي المتعصب 2/4

الحلقة الثالثة: سلسلة ــ من السلفية إلى الشك. ردة فعل التيارات الإسلامية من تحول عبد اللـه القصيمي 3/4

الحلقة الرابعة: سلسلة ــ من السلفية إلى الشك. هكذا تكلم عبد الله القصيمي 4/4

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *