×
×

معطيات تاريخية لا تعرفها عن صلاة التراويح

لم تكن الصراعات السياسية والمذهبية فقط وراء منع صلاة التراويح، بل كثيرا ما تم منعها بسبب الظروف العامة التي تعرفها البلدان الإسلامية، خاصة إذا تصادف الأمر مع فتن أو ثورات أو أوبئة وجوائح.
في هذا السياق، يقدم لنا الناصري نصا مهما خلال فترة حكم الوليد بن زيدان، ورد فيه “وعظُمت الفتن بفاس حتى عُطلت الجمعة والتراويح من جامع القرويين مدة، ولم يصلِّ به ليلةَ القدر إلا رجل واحد من شدة الهول والحروب”!!

سنة 2021، شهد العالم ظرفية استثنائية بسبب تفشي وباء كورونا، دفعت عددا من الدول الإسلامية إلى منع صلاة التراويح حينذاك، خوفا من إسهامها في تفشي الوباء.

لم يكن لقرار مثل هذا أن يمر دون أن يحدث ضجة كبرى في المجتمعات الإسلامية، فتوالت ردود الأفعال المستنكرة. ردود أفعال وصل بعضها حد اعتبار الأمر مؤامرة على الإسلام، وتعطيلا لإحدى العبادات.

في هذا الملف، مرايانا تسلط الضوء على تاريخ صلاة التراويح، وأبرز اللحظات التي عرفتها في تاريخها.

سنة مؤكدة أم فرض عين؟

هناك خلاف حول حكم صلاة التراويح بين المذاهب، فقد اعتبرها كل من الشافعية والأحناف والحنابلة سنة عين (أي إذا قامت بها جماعة لا تسقط عن الجماعة الأخرى)، وهي مؤكدة للرجال والنساء، بينما اعتبرها المالكية سنة مندوبة ندبا أكيدا للنساء والرجال.

اختلف الفقهاء أيضا حول صلاتها جماعة في المسجد، أو فرادى في المنازل، فبينما ذهب الشافعية والحنابلة إلى التأكيد على صلاتها جماعة، وإلا فات المصلي ثواب الجماعة؛ قال المالكية بأن الجماعة فيها مندوبة، بينما اعتبر الحنفية أن الجماعة فيها سنة كفاية، إذا قام بها البعض، سقطت عن الباقين.

سنة نبوية أم “بدعة عمرية”؟

لم يقتصر الاختلاف على حكم صلاة التراويح فقط، بل اختلفت المصادر في تاريخها، بين من يرجع إقرارها إلى الرسول ومن يرجعها إلى عمر بن الخطاب

يستند الفريق الأول على الحديث الوارد في “الموطأ” لمالك بن أنس، والذي ورد فيه أن الرسول صلى في المسجد “فصلى بصلاته ناس كثير، ثم صلى من القابلة، فكثروا، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: “قد رأيت صنيعكم، فما يمنعني من الخروج إليكم إلا أنى خشيت أن تفرض عليكم”.

حسب المصادر الإسلامية، فقد استمر المسلمون في صلاة التراويح بعد وفاة النبي فرادى وجماعات، إلى سنة 14 هجرية، حيث يورد البخاري، عن “عبد الرحمن بْنِ عَبْدٍ الْقَارِى أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ لَيْلَةً فِى رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّى الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّى الرَّجُلُ فَيُصَلِّى بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّى أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَى بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِى يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِى يَقُومُونَ – يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ – وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ”.

يشير الطبري في تاريخه إلى أن عمر بن الخطاب كان أول من جمع الناس على إمام يصلي بهم التراويح في شهر رمضان، وكتب بذلك إلى البلدان وأمرهم به، وذلك سنة أربع عشرة، كما عين قارئين، واحدا للرجال وواحدا للنساء، وقد سميت التراويح بهذا الاسم لأن المصلين فيها يرتاحون بعد كل أربع ركعات.

بالعودة إلى المصادر الإسلامية، لا نجد عددا قارا لعدد الركعات، فقد كان الأصل فيها ثمان ركعات، والبعض قال إن النبي جعلها عشرين ركعة. لكن الأكيد أن عمر هو من حددها في عشرين ركعة. في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، رفعها إلى أن أصبحت ستا وثلاثين ركعة… ترجع الروايات هذه الزيادة إلى رغبة عمر بن عبد العزيز في المساواة مع أهل مكة، الذين كانوا يطوفون بالبيت بعد كل أربع ركعات، بإضافة أربع ركعات عوضا عن كل طواف.

لم تتوقف التغييرات في عدد الركعات، بل كانت مختلفة حسب المذاهب، وحتى رغبات السلطة السياسية في بعض الأحيان، ففي الحجاز مثلا، وطيلة ألف سنة، لم يتم الاستقرار على عدد معين إلا في حكم آل سعود. من ذلك ما نقلته المصادر، مثلا، أن المكيين كانوا يصلون عشرين ركعة، متبوعة بثلاث ركعات وتر، بينما المدنيون كانوا يصلون تسعا وثلاثين ركعة منها ثلاث للوتر.

منع التراويح بين الدين والسياسة

لم تحظ صلاة التراويح بإجماع فقهي، فإذا كان السنة قد ساروا في اتجاه العمل بها، فإن مذاهب أخرى أنكرتها، وأبرزهم فرقة النظامية للمعتزلة الذين أنكروها. أما فرق الشيعة فقد اعتبروها “بدعة عمرية” وبالتالي رفضوا العمل بها، باستثناء فرقة الزيدية.

تجاوز الخلاف حول صلاة التراويح المستوى المذهبي إلى المستوى السياسي، فكان من الطبيعي أن يتدخل الفاطميون ليمنعوا صلاة التراويح، بحكم مذهبهم الشيعي. يروي ابن عذاري المراكشي أن الشيعة العبيدين (الفاطميون) خاطبوا الناس في أول سنة من قيام دولتهم بإفريقية: “إن رمضان قد جاء، ومذهبنا ألا تُصلَّى التراويح لأنها ليست من سنة النبي (ص) وإنما ‏سنّها عمر”. وجاء في كتاب “أخبار بني عبيد” عما حدثه عبيد الله أنه كان “مما أحدث عبيد الله أن قطع صلاة ‌التراويح في شهر رمضان، وأمر بصيام يومين قبله، وقنت في صلاة الجمعة قبل الركوع وجهر بالبسملة في الصلاة المكتوبة، وأسقط من أذان صلاة الصبح الصلاة خير من النوم”.

كما أورد الأنطاكي في تاريخه، “وتقدّم العزيز بالله بمصر في شهر رمضان سنة سبعين وثلاثمائة (370) بقطع صلواة القنوت (التراويح)، وهي صلاة يصلّيها المسلمون في المصلّيات الجامعة في شهر رمضان بعد صلواة العتمة، وعظم ذلك على كافّة أهل السّنّة من المسلمين”.

بقي منع صلاة التراويح قائما إلى سنة 397 حتى أوقفه الفاطميون، ثم عادوا لمنعه سنة 399 هجرية. بحسب ما أوردت المصادر، فقد “كان في شهر رمضان من سنة 399 يمنع الناس من صلاة ‌التراويح واجتمع الناس في الجامع وتخوف من سوء العاقبة فلم يصل ‌التراويح وتقدم أبو الحسن بن جد الدقاق فصلى بالناس الشهر كله أجمع وقتل بعد ذلك في اليوم الثاني من ذي القعدة …. ولم تصل التراويح إلى سنة ثمان وأربعمائة (408 هــ) فخرج المعز في هذه السنة بالأمر فيها، وقرر بالمساجد والجوامع بمصر والقاهرة ومن يصلي فيها ولم يزالوا يصلون التراويح إلى آخر خلافته”.

بعد المعز، سيسمح الحاكم بأمر الله بإقامتها، ثم سيمنعها عشر سنوات.

لم تكن الصراعات السياسية والمذهبية فقط وراء منع صلاة التراويح، بل كثيرا ما تم منعها بسبب الظروف العامة التي تعرفها البلدان الإسلامية، خاصة إذا تصادف الأمر مع فتن أو ثورات أو أوبئة وجوائح. في هذا السياق، يقدم لنا الناصري نصا مهما خلال فترة حكم الوليد بن زيدان، ورد فيه “وعظُمت الفتن بفاس حتى عُطلت الجمعة والتراويح من جامع القرويين مدة، ولم يصلِّ به ليلةَ القدر إلا رجل واحد من شدة الهول والحروب”!!

وتحفل النصوص التاريخية بعدد من الإشارات في هذا السياق سواء ما تعلق منها بالمجاعات أو الأوبئة.

تعدد المحاريب في الصلاة

من المظاهر الغريبة التي لازمت صلاة التراويح، هي تعدد المحاريب والجماعات حسب المذاهب الفقهية والطوائف، فقد تجد داخل المسجد الواحد أربع محاريب أو جماعات تصلي كل منها التراويح خلف إمام، وهي ظاهرة لم يسلم منها الحرم المكي، إذ كان يصلي إمام الشافعية في مقام إبراهيم تجاه باب الكعبة، بينما يصلي إمام الأحناف مقابل حِجْر إسماعيل تجاه الميزاب، أما إمام المالكية فيصلي بين الركنين اليماني والشامي، ثم إمام الحنابلة فيصلي مقابل الحَجَر الأسْود”! وقد بقي العمل بهذا الأمر إلى غاية سنة 1923، عندما سيطر آل سعود على الحجاز، فوحدوا المحاريب والجماعات.

لم يقتصر الأمر على الحجاز، فابن كثير يشير في “البداية والنهاية” إلى أن الجامع الأموي كانت به محاريب للمذاهب الأربعة، قبل أن يتم جمعهم على صلاة واحدة في القرن الثامن الهجري؛ ونفس الأمر عرفه المسجد الأقصى.

كانت هذه لمحات من تاريخ عبادة تحولت من سنة عمرية أو بدعة بتعبير طوائف الشيعة، إلى عبادة تستغل اليوم بشكل مؤدلج، في سياق عالمي محتقن.

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

  1. لينة

    شكرا

  2. samir

    important ne pas liberer

  3. يوسف

    جيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *