×
×

محمود درويش… وبقيّ الشّعر وحيداً

أخرجتْ قصيدتُه الأبَ خاسراً في معركة الخبز. لكنْ: “الله يرزقنا”. ثمّ أخذ يُنادم جدّه؛ يُعلّمه شموخ الشّمس قبل قراءةِ الكتب، وينوّمه في عالمٍ سحريّ التكوين… هناكَ حيثُ يحيا الزّير سالم وعنترة…
غير أنّه أفاقَ في حيفا، مُقيماً جبريا، يُعتقل في كل سنة مرّة… صارَ شابا، يُدخّن التبغ ويتّكئ على الجدار

الـ13 من مارس/آذار 1941…

قرية البروة – الجليل، فلسطين…

إلى جانب البئر وُلد، والشّجرات الثلاث الوحيدات كالرّاهبات. وُلد بلا زفة وبلا قابلة، وسُمّي باسمه مُصادفة…

محمود درويش!

أصيبَ منذ باكر عمره بجنّ المعلّقة الجاهليّة، ولو أنّ ذلك المكانَ الزراعيّ لم ينكسر، لربّما صار زيتونةً، أو معلّم جغرافيا…

في ليلٍ صيفيّ قائظ، وكان في السابعة من عمره، أيقظته الوالدة من النّوم على أزيز رصاصٍ يلعلع في السمّاء…

حمَلَ أشياءه الصّغيرة، وهجرَ قسراً أرضَ الأجداد إلى المنفى في لبنان… كانت طفولة قاسيّة لم تكن لتُرْبَتَ بضمّة أو لمسة يد…

تراهُ مع ذلك بخير؟ ربّما! فما زال في عينيه بصرٌ وما زال في السماء قمر…

لو أنّ الأبَ، فقط، لم يترك الحصان وحيداً… لكنّه فعلَ ليؤنس البيتَ… حتّى لا يموت!

بعدَ عام من النّزوح، حنّ، وعاد مع عائلته مُتسلّلا إلى البروة، فلا البيتُ هناكَ… ولا الحصَان… سلبَ المُحتلّ كروم أجداده، وطمسَ هويّة قريته، التي صار اسمُها: “أحيهود”.

مُذّاكَ ودرويش يعيش حياةَ “التسلّل”… لولا أنّ قلبَ الأرضِ كان أكبر من خريطتها!

حلّ في “دير الأسد” والتحقَ بمدرسة ابتدائية… تعاطفَ معه المعلّمون، وكانوا يخفونه إلى أن يمرّ المارّون بين الكلماتِ العَابرة.

محمود درويش وأدونيس

هناكَ… خاطبَ “أخاه العبري”:

“يا صديقي! بوسعك أن تلعبَ تحت الشمس كما تشاء، بوسعك أن تصنع ألعابا، ولكنّي لا أستطيع…”.

أخرجتْ قصيدتُه الأبَ خاسراً في معركة الخبز. لكنْ: “الله يرزقنا”. ثمّ أخذ يُنادم جدّه؛ يُعلّمه شموخ الشّمس قبل قراءةِ الكتب، وينوّمه في عالمٍ سحريّ التكوين… هناكَ حيثُ يحيا الزّير سالم وعنترة…

غير أنّه أفاقَ في حيفا، مُقيماً جبريا، يُعتقل في كل سنة مرّة… صارَ شابا، يُدخّن التبغ ويتّكئ على الجدار: أحبّ فتاةً تُدعى ريتا، وانتسبَ إلى الحزبِ الشيوعي الإسرائيلي، ثمّ اشتغل في صحيفة الحزب…

وإن كان غريبَ الدّار في وطنه، فليكن خارجه… سافر عام 1970م إلى موسكو في أولّ لقاء مع عالمٍ غير الذي يعرفه… ومنذ ذاك، طار الحمامُ وحطّ، من محطّة إلى محطّة… من القاهرة، بيروت، تونس، باريس، عمّان…

كان محمود درويش يكره الانتظار… مع أنّه نصحَ في قصيدة، عاشقاً، يقول بين كل سطر وآخر: “وانتظرها”. زفّ نفسه إلى الموت، قبل أن يزفّه إليه.

إلى أن عاد إلى فلسطين… إلى سيّدة الأرض… إلى أمّ البدايات وأمّ النهايات.

أخضعَ عاطفتَه بلغة الضّاد وأخضَعته العاطفة بحرفِ الياء… أجاد الشّعرَ، والقصيدةُ رميةُ نردٍ على رقعة من ظَلام، تشعّ وقد لا تُشعّ…

أشعّتْ في البداية على القضيّة الفلسطينية، حتى عُرف بـ”شاعر المقاومة”…

حتى صار كلّ ما يقرِضُه يحيل إلى فلسطين… حين كتب قصيدته “أمّي”، مثلا، لم تكنْ أكثر من امتثال لحسّ يستحيل شعراً في حضرة أمّ تزور ابنها في السجن، تحمل قهوةً وبعضَ الخبز السّاخن…

لكنّ مارسيل خليفة، الفنان اللبناني، حوّل “أمّي”، وقبلَ أن يعرفَه درويش، إلى أغنيّة جماعيّة سكنت في زمنٍ ما… كلّ لسان.

اشتغل درويش، أثناء ذلك، مُحرّراً في صحف عديدة: “الأهرام”، “الكرمل”، “شؤون فلسطينية”… وكان عضواً في منظمة التحرير الفلسطينية، التي استقال منها عقبَ اتّفاق أوسلو.

إلى حدود عام 1977م، كانَ قد باع من دواوينه أكثرَ من مليون نُسخة… حاز شُهرةً لم تكن يومها في مُتناولِ غير المغنّين.

تأثّر بلوركا يقول، ونزار قباني… لكنّه كان عوّاماً وصار يوماً ما يُريد. استطاع في فترةٍ وجيزة أن يخبزَ جوّا شعريا لا تُخطئ الألسن في حدسه.

إلى أن شعّت القصيدةُ ذات يوم على “الجدارية”… وكانت لحظة فارقة في التّجربَة.

انتقل درويش من “العنتريات” إلى وعاء إنسانيّ أكبر، يَهمي بالحيرة ويتدفّق الأسئلة…

وإن كانَ أكثر ما طغى على شعره بعد ذاك تيمةُ “الموت”، فالموتُ عنده ليس سديميّةُ عدمٍ، إنّما… حياةٌ خارجَ المُعتقل البشري.

كانَ قلبه قد توقّف عن النبض لدقيقتين عام 1984م… ولم يشعر بالألم إلّا عندما عاد إلى الحياة.

“أنا وحيدٌ

لا شيء يوجعني على باب القيّامةِ

لا الزّمان ولا العواطف…

لا أحسّ بخفّة الأشياء أو ثقل

الهواجس… لم أجدْ أحداً لأسأل:

أينَ أيني الآن؟”.

مع ذلك، ومنذُ هبّت في بلاده العاصفة، وعدَتْهُ بنبيذ وبأقواس قزح… ونافح بالشّعر إلى آخر رمق عن الذّاكرة الفلسطينية.

كان الشّخص الوحيد الّذي لم يبكِ في ذلك اليوم… وحسبهُ أنّه ووريّ ثرى الأرضِ التي تعجّ بما يستحق الحياة.

كان محمود درويش يكره الانتظار… مع أنّه نصحَ في قصيدة، عاشقاً، يقول بين كل سطر وآخر: “وانتظرها”. زفّ نفسه إلى الموت، قبل أن يزفّه إليه.

حلّ صباحَ الإثنين 28 يوليوز/تموز 2008، في هيوستن بالولايات المُتّحدة الأمريكية، قادماً من عَمّان، غير متأكد من العودة…

ودّع الجميع. لم يكتب وصيّة، ولم يقل الكثير…

ثمّ في الـ9 من غشت/أغسطس، كذبَ القلبُ وأوقع درويش عن صَهيله… ومن هو ليُخيّب ظنّ العدم؟

رحلَ محمود درويش بعد أن عرّى شجر الزيتون من كلّ الغصون الزائفة…

مات وفي حوزته نحوَ ثلاثين جائزة، ونحو ذاك دواوينَ شعرٍ تُرجمت إلى أكثر من 22 لغةً.

تُراه رآنا يومَها أم رأى عدماً؟ المؤكّد أنّه لم يأسف للنّهاية…

كان الشّخص الوحيد الّذي لم يبكِ في ذلك اليوم… وحسبهُ أنّه ووريّ ثرى الأرضِ التي تعجّ بما يستحق الحياة.

وفي حكايةِ حياةٍ كالتي عاشَها… كان يُمكن، أو لنقل، يجب على هذا البورتريه… أن لا ينتهي… تماما كما “العرس الذي لا ينتهي

في ساحة لا تنتهي

في ليلة لا تنتهي”

… تماما كما “العرس الفلسطيني…

لا يصل الحبيب إلى الحبيب

إلا شهيدا أو شريدا”.

 

مواضيع قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *