×
×

المسيح الأسود: هل كان المسيح إفريقيا؟

هل كان المسيح إفريقيا؟ وما قصة الصور السوداء للسيد المسيح؟ وما هو سبب الخلاف بين الكنائس الافريقية وكنائس أوروبا الغربية؟ واحتفالات المسيح الأسود في بنما؟ هي بعض من الأسئلة التي يتناولها هذا المقال، ليقدم وجها آخر عن المسيح والمسيحية ليس معروفا للكل

ملصق فيلم لون الصليب
ملصق فيلم لون الصليب

يستبد بك الملل، فتحتاج إلى فيلم سينمائي يحلق بك بعيدا عن المشاغل اليومية.

تبحث في قائمة الأفلام، يلفت انتباهك هذا العنوان Color Of The Cross أو “لون الصليب”.

تبحث قليلا عن الفيلم، فتجده من انتاج سنة 2006 قام بإخراجه وبطولته جون كلود لامار، وأحدث ضجة عند عرضه، ليس لأنه يصور ما تعرض له السيد المسيح من اضطهاد في آخر 48 ساعة قبل صلبه –أو رفعه حسب المعتقد الإسلامي- ؛ ولكن لأنه يصور أن اضطهاد يسوع كان فعلا عنصريا، لأن المسيح ببشرة سوداء.

يبدو الأمر مخالفا للمألوف وللصور التي انطبعت في ذهننا عن السيد المسيح، صاحب الشعر الأشقر والعينان الخضرواتان والملامح الأوروبية الواضحة.

يدفع الأمر للبحث أكثر: هل كان الفيلم محض لحظة جنون إبداعي حلقت بالمخرج بعيدا، أم أن للأمر ما يبرره؟

يقودنا البحث في الأمر إلى اكتشاف أن الفكرة كانت رائجة في الولايات المتحدة الأمريكية، خلال القرن التاسع عشر؛ إذ أشارت بعض الدراسات إلى أن المسيح ينحدر من الأفارقة السود.

لكن هذه النظريات ستتطور بشكل خاص في القرن العشرين، حيث استند بعض الباحثين إلى أن مريم العذراء من أصول يهودية إفريقية، وبالتالي فإن المسيح سيكون ذا بشرة سوداء، وهو الرأي الذي تبناه مارثن لوثر كينغ.

مسيحيو بنما يخلدون في الـ21 من شهر أكتوبر، مهرجانا سنويا يعرف بـ”كريستو نيغرو”، أو “المسيح الأسود”، حيث يتقاطر عشرات الآلاف من المسيحيين على منطقة “بورتوبيلو” لشكر السيد “المسيح الأسود” على منحه وهباته، وتأدية الصلوات والطقوس الدينية، قبيل بدء طقس الصوم الكبير.

تبني مارثن لوثر كينغ لهذا الرأي، لم يخرج عن سياق الصراع الذي كان محتدا آنذاك في إطار حركة الحقوق المدنية، حيث اعتبر كينغ أن نضاله رفقة السود من أجل حقوقهم، استمرار وتجلٍ لنضال السيد المسيح ضد العنصرية.

موقف لوثر كينغ أعطى زخما قويا للكنائس المسيحية السوداء في أمريكا، وهي الفكرة التي بقيت مستمرة للآن، في عدد من دراسات المنتمين لحركة الأفروسنتريك –التي سنخصص لها مساهمة قادمة، فقد عبر عنها “إدوارد ج. بلوم” و”بول هارفي” في كتاب مشترك أصدراه سنة 2014 بعنوان The Color of Christ: The Son of God and the Saga of Race in America “لون المسيح: ابن الله ولحمة العرق في أمريكا”، اعتبرا فيه أن تصوير يسوع ببشرة بيضاء له انعكاسات سلبية على اللاهوت المسيحي، ويرسخ نوعا من الفهم العنصري للدين المسيحي، في حين أن القول بسواد بشرة المسيح، يجعل من المسيحية حاملة لأنات المستضعفين”.

أصبحت أطروحة المسيح الأسود عقيدة راسخة في أمريكا الآن، ونجد أن مسيحيي بنما يخلدون في الـ21 من شهر أكتوبر، مهرجانا سنويا يعرف بـ”كريستو نيغرو”، أو “المسيح الأسود”، حيث يتقاطر عشرات الآلاف من المسيحيين على منطقة “بورتوبيلو” لشكر السيد “المسيح الأسود” على منحه وهباته، وتأدية الصلوات والطقوس الدينية، قبيل بدء طقس الصوم الكبير.

المسيح الإفريقي

تقود جولة في الكنائس الافريقية إلى الوقوف على أن تصوير السيد المسيح ببشرة سوداء أمر عادي. لكن المثير أن الكنائس الأرثوذوكسية الروسية والصور الأقدم للمسيح في باقي كنائس أوروبا الشرقية تصوره أسود البشرة.

صورة السيد المسيح كما توجد في بعض الكنائس الافريقية والروسية
صورة السيد المسيح كما توجد في بعض الكنائس الافريقية والروسية

تعتبر الكنائس الإفريقية أن الكنيسة الكاثوليكية بالخصوص زيفت لون يسوع وأصوله الافريقية لتروج لنظرية تفوق الجنس الأبيض، وتبيح بالتالي استعباد السود.

تظل هذه من بين النقاط الخلافية المستمرة بين الكنائس الإفريقية وكنائس أوروبا الغربية بالخصوص، إذ تستدل الأولى بأن الوجود المسيحي في إفريقيا أقدم منه أوروبا. في الحقيقة، فإن هذا الكلام ليس مجرد مزايدات سياسية بل تطرق له عدد من الباحثين.

في كتابه “الكنيسة الأولى في إفريقيا The Early Church in Africa”، يوضح “جون مبيتي” حقيقة أن المسيحية انتشرت في جميع أنحاء إفريقيا، قبل أن تصل إلى أوروبا، معتبرا أنها قديمة جدًا ويمكن اعتبارها ديانة إفريقية أصيلة”.

كلام المؤرخ جون مبيي تعززه دراسات المؤرخ الأمريكي والمختص في الدراسات الإفريقية “جان جي جاكسون”، الذي أصدر سنة 1981 كتابا بعنوان “الأصول الإفريقية للمسيحية The African Origin of Christianity، تبعه سنة 1984 كتاب آخر بعنوان هل كان يسوع المسيح زنجيا؟ Was Jesus Christ A Negro ?، تبعه في نفس السنة كتاب بعنوان “الأصول الإفريقية لأساطير وملاحم جنة عدن The African Origin of the Myths & Legends of the Garden of Eden”.

الصور التي قدمته في صورة بيضاء، أغلبها يرجع للقرون الوسطى، وأغلب الوثائق التي استند عليها إما أنها من مصادر غير معروفة أو أنها مزورة في الأصل.

كانت دراسات جاكسون صادمة للكثيرين، حيث تطرق للأصل الإفريقي للسيد المسيح وللديانة المسيحية ككل، ولجزء من أساطير أو ملاحم الكتاب المقدس؛ مؤكدا بأنه، على عكس السائد، فإن أصوله ترجع للقارة الافريقية.

شكك جاكسون في السردية الرسمية التي ترجع الأحداث إلى منطقة الشرق الأوسط، مستدلا بأن الدراسات الأثرية لم تعثر، لحد اللحظة، على أي دليل يؤكد صدق هذه الروايات، وبأن أقدم الوثائق والصور تبدو إفريقية لا محالة.

يسوع بلا أوصاف وبوثائق مزيفة

رغم هيمنة يسوع على النص الإنجيلي –سواء الأناجيل القانونية أو الأبوكريفا-، فإنها لا تقدم أي أوصاف للمسيح، ما جعل الخلاف محتدما منذ البواكير الأولى للمسيحية حول شكل المسيح ولونه.

كما تحفظ عدد من المصادر تفاصيل الحملة الهجومية التي شنها الفيلسوف الروماني “سيلسوس” على السيد المسيح واصفا إياه بأنه “قبيح الشكل قصير القامة”، وهو ما تصدى له آباء الكنيسة، وبالخصوص القديس جيروم وأغسطين، حيث عرف عن الأخير قوله إن المسيح كان جميلا في شبابه، جميلا في الأرض، وجميلا في السماء”؛ والجمال هنا كان يعني اللون الأبيض.

بدأت محاولات رسم المسيح إذن في فترات مبكرة. لكن أقدم الصور له كانت ببشرة سوداء، وهي الموجودة في الكنائس الإفريقية والكنائس الأرثوذكسية.

أما الصور التي قدمته في صورة بيضاء، فأغلبها يرجع للقرون الوسطى، وأغلب الوثائق التي استند عليها إما أنها من مصادر غير معروفة أو أنها مزورة في الأصل.

في الحقيقة، إن نقاش لون بشرة المسيح لا يرتبط باللون فقط، ولكنه يرتبط بتصحيح للتاريخ، فالبدايات الأولى للمسيحية تعرف مشاكل حقيقية، إذ لا يوجد ما يؤشر عليها تاريخيا أو أثريا.

رغم نشوء وتطور فرع في علم الآثار تحت مسمى “علم آثار الكتاب المقدس”، إلا أنه يظل لحد الآن شبه عاجز عن التأكيد المادي لوجود السيد المسيح في فلسطين.

باستحضار عامل البشرة، والدراسات المهتمة بالموضوع، يجوز السؤال: هل كان السيد المسيح إفريقيا؟

إقرأ أيضا

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *