×
×

صناعة مخزنية: هكذا أفشل تهميش الكفاءات باكرا مشروع الإصلاح بالمغرب… 3/3لماذا تقدمت اليابان وتخلف المغرب؟

نبغ كثير من المتعلمين المغاربة الموفدين إلى الخارج… لكن هذه الكفاءات، إذ عادت إلى بلادها، لم تتبوأ المكانة التي كان ينبغي أن تحظى بها.

نواصل قراءتنا في كتاب “البعثات التعليمية في اليابان والمغرب من أربعينيات القرن الـ19 إلى أربعينيات القرن الـ20… تباين المقدمات واختلاف النتائج”، لمؤلفه الباحث المغربي يحيى بولحية.

بعد جزء أول تناولنا فيه أهم الأسئلة التي يطرحها الكتاب، وثان تابعنا فيه بعض الأسباب التي أسهمت في نجاح البعثات اليابانية وفشل نظيرتها المغربية، في هذا الجزء الثالث والأخير، نتابع أسبابا وتبعات أخرى.

بين الكفاءات الفردية المنعزلة ونخب الفعل الجماعي…

نبغ كثير من المتعلمين المغاربة الموفدين إلى الخارج… لكن هذه الكفاءات، إذ عادت إلى بلادها، لم تتبوأ المكانة التي كان ينبغي أن تحظى بها.

حتى إن الوثائق تندر في انخراط هؤلاء ضمن الإدارة المغربية، ذلك أنهم مثلوا أجزاء متنافرة كانت تحت يد الخبراء العسكريين الأجانب أو الجهاز المخزني.

اقرأ أيضا: “المخزن”… تاريخ طويل من الأسئلة! (الجزء الأول)

دار المكينة بفاس كانت أبرز مؤسسة قامت بدمج المتعلمين المغاربة في إنتاج الأسلحة وفقا للباحث، لكن دون أن يكون لهم تأثير واضح في تسييرها أو تحديد خياراتها.

استمرت الإدارة البيروقراطية في بسط سيطرتها على مفاتيح السلطة، فكان من الطبيعي أن يتبعثر جهد الطلبة، على النحو الذي يفقدهم فاعلية المساهمة في إنجاح سياسة الإصلاح.

ماذا إذن لو أنهم تبوؤوا، بعد عودتهم، مناصب إستراتيجية ومنحت لهم صلاحيات واسعة في تطبيق المعارف الحديثة التي تعلموها؟

كان في إمكانهم، يقول الباحث، التأسيس لبداية فعل تحديثي يجنّب السقوط ويمنح المعنى والغاية لسياسة الإصلاح، التي بلغت عنفوانها في زمن السلطان الحسن الأول.

غير أن هذه الخطوة لم تكن سهلة، إذا كانت تعني أو تتطلب إجراءات جريئة، مثل الإطاحة برموز الأزمة والمستفيدين من استمرارها وتناسلها.

اقرأ أيضا: الفرنكفونية في المغرب، لغة أم سلاح؟ 2/1

والحال هذه، استمرت الإدارة البيروقراطية في بسط سيطرتها على مفاتيح السلطة، فكان من الطبيعي أن يتبعثر جهد الطلبة، على النحو الذي يفقدهم فاعلية المساهمة في إنجاح سياسة الإصلاح.

بالمقابل؛ أي في اليابان، نجد أن الوزارات الأولى في عهد الميجي تشكلت من المتعلمين الذين درسوا في الولايات المتحدة وأوروبا.

كان من الواضح آنذاك، أن مشروع الدولة تأسس على ربط الإصلاح والتغيير بشخصية السلطان وإدارته، في حين، يرى الباحث، أنه كان يفترض أن يتأسس على منطق المجتمع؛ محتضنا ومدافعا عنه.

بالمجمل، ولادة الدولة الحديثة في اليابان وبروز تجربة التنمية الأولى (1853-1944)، تحققت من خلال نخبة متعلمة درست في أرقى الجامعات والمعاهد الأمريكية والأوروبية.

هؤلاء استفادوا من مقدمات التغيير، وعملوا بحسب الباحث، ضمن نسق يطبعه التجانس والتكامل، كما أنهم تمتعوا بحرية كبيرة في تشكيل الوزارات وفي رسم معالم يابان جديدة.

بين منطق القطيعة والاستمرارية ومبدأ النخبة والشمولية…

لم تحدث أي قطيعة في اليابان على مستوى إيفاد البعثات الدراسية إلى دول الغرب، وانسجمت بذلك مع خاصية الاستمرارية التي تتيح تراكم التجارب والخبرات.

بينما في المغرب، تحولت الوفود في عهد الحسن الأول إلى أرقام مهمة ومنظمة بعدما كانت ضئيلة ومحدودة في عهد محمد الرابع.

التركيز على الانتماء العسكري كان بسبب عوامل عدة، في مقدمتها عدم وجود مدرسة حقيقية في المغرب آنذاك تتمتع بمقومات الفعل التربوي والتحديثي وتكتسي خاصية الانتظام والمؤسساتية.

غير أنه لم يكن لدى معظم أفراد البعثات الحسنية أدنى ارتباط بالعهد السابق. لذا، لم يتأسس الفعل التحديثي، بحسب ما يتوصل إليه الباحث، على تراكم إيجابي يسمح بتطوير الكفاءات وتلافي العثرات.

كان من الواضح آنذاك، أن مشروع الدولة تأسس على ربط الإصلاح والتغيير بشخصية السلطان وإدارته، في حين، يرى الباحث، أنه كان يفترض أن يتأسس على منطق المجتمع؛ محتضنا ومدافعا عنه.

اقرأ أيضا: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية (الجزء الأول)

هكذا، لم تستفد البعثات المغربية إلى دول الغرب الأوروبي من تجربة مشابهة سابقة تمنحها العمق والنضج الكافيين.

ذلك ما أنتج نوعا من الاضطراب والقلق النفسي لدى مجموعة من الطلبة في بلجيكا وفرنسا، إذ تفصح بعض المراسلات عن مواجهتهم لمشكلات مالية مثلا!

غالبا ما اتسمت خيارات المخزن بالفشل والضعف، إذ اضطر أكثر من مرة مثلا، إلى إرجاع المتعلمين بسبب عدم ظهور نجابتهم، بل إن بعضهم سقط في براثن التجسس لمصلحة قوى أجنبية.

من جهة أخرى، كما تابعنا سابقا، كان أغلب أفراد هذه البعثات من العساكر الفاعلة؛ أي الفئة التي ظن المخزن أنها قابلة لتنمية قدراتها بسرعة وقادرة على الاستفادة من التدريبات بالخارج.

في تحليله لهذا المعطى، يرى الباحث أن التركيز على الانتماء العسكري كان بسبب عوامل عدة، في مقدمتها عدم وجود مدرسة حقيقية في المغرب آنذاك تتمتع بمقومات الفعل التربوي والتحديثي وتكتسي خاصية الانتظام والمؤسساتية.

وذلك، بحسبه، أحد الأسباب الرئيسة التي جعلت المخزن يضل طريق التحديث، فخياراته غالبا ما اتسمت بالفشل والضعف، إذ اضطر أكثر من مرة مثلا، إلى إرجاع المتعلمين بسبب عدم ظهور نجابتهم، بل إن بعضهم سقط في براثن التجسس لمصلحة قوى أجنبية.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: الرعايا والرعاع. حين يختلف اللصوص… ولا يظهر المسروق

أما اليابان، فقد اعتمدت معيار الكفاءة بسبب وجود مدارس متعددة قبل عهد الميجي، سواء على مستوى المركز أو المقاطعات.

ثم لاحقا أضحت وزارة التعليم، إلى جانب وزارات أخرى، إطارا محوريا للبعثات التعليمية التي توجهت إلى الولايات المتحدة وأوروبا.

لم تكن النخبة فاعلة وكانت على الدوام في يد البعثات العسكرية أو الإدارة المخزنية، فلم يفسح أمامها مجال للقيادة والإبداع، ومن ثم، ما كان لها أن تضطلع بالدور الذي أدّته النخبة اليابانية في تحديث بلادها.

هذا النظام أتاح فرصا حقيقية للترقي الاجتماعي عن طريق التعليم والمعرفة. انتشرت آنذاك داخل أوساط المجتمع، مقولة تلح على ضرورة انخراط المتعلمين في مسيرة التنمية للاستعاضة عن الخبراء الأجانب وبناء يابان جديدة بسواعد وطنية.

خلاصة

أحدث المتعلمون اليابانيون واقعا مجتمعيا جديدا، مدّ مشروع التحديث بالوقود اللازم والدينامية الملائمة. كل ذلك في مناخ سياسي وإداري جديد، وفي حالة تنافس علمي اعتُمد معيارا للترقي الاجتماعي والسياسي…

بينما في المغرب، لم تكن النخبة فاعلة وكانت على الدوام في يد البعثات العسكرية أو الإدارة المخزنية، فلم يفسح أمامها مجال للقيادة والإبداع، ومن ثم، ما كان لها أن تضطلع بالدور الذي أدّته النخبة اليابانية في تحديث بلادها.

لقراءة الجزء الأول: لماذا تقدمت اليابان وتخلّف المغرب؟ 3/1

لقراءة الجزء الثاني: حرص المخزن على إعادة إنتاج نفسه… هكذا فشلت البعثات التعليمية المغربية ونجحت اليابانية في تحديث بلادها 3/2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *