×
×

زينب الغزالي: النسوية المصرية التي اختارت أن تتحول لجارية “في سبيل الله” 3\3

على الرغم من محاولاتها، لم تنجح زينب الغزالي في الإنفلات من سطوة التعليم الديني الذي تلقّته، ولم تتمكن، في ذات الوقت، من محوِ آثار الطفولة “الجهادية” التي ترسخت في أعماق نفسها منذ نعومة أظافرها. نعم، انضمت للإتحاد النسائي المصري، لكن حتى في تلك اللحظات لم تنفلت من عقال البيت “الأزهري” الذي تربت فيه، وظلت حبيسة قناعاتها الإسلامية، طالبت بالتحرر لكن شريطة أن يكون هذا التحرر نفسه ضمن الإطار الإسلامي.

تابعنا في الجزء الأول من هذا البورتريه التحول المفاجئ في مسار واختيارات زينب الغزالي.

وتعرفنا في الجزء الثاني على حكاية الحريق التي تعتبر زينب الغزالي أنه كان سببا في تغير مسارها.

في هذا الجزء الثالث والأخير، نواصل تفكيك مسار امرأة انتقلت من الدفاع عن حقوق النساء… للدفاع عن الجهاد ولتنصب نفسها جارية في سبيل الله!

كما في الإتحاد النسائي المصري،-تمكّنت زينب الغزالي من إيجاد موطئ قدم في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، رغم أنه من النادر أن تبرز امرأة إلى الواجهة، وتعتلي المناصب القيادية بالجماعة. كما أنه إنادراً ما تُخرج الجماعة أي عنصر نسوي للعمل العام.

هذا الضمور مردّه أساساً إلى نظرة الجماعة للمرأة، حيث تنص لائحة الأخوات، الصادرة في 1944، في (المادة 3 فقرة ز)، على أنه “يمنع منعاً باتاً تكوين هيئات إدارية مستقلة للسيدات حتى لايشغلن أنفسهن بتشكيلات وتسميات لا طائل تحتها ولا خير فيها، بل تتفرغن تفرغاً كاملاً للإستفادة من الدروس وتطبيقها في منازلهن على أولادهن وأخواتهن وإخوانهن وخدمهن ونشرها خارج منازلهن بين صديقاتهن وذوات قرابتهن، فيبتعدن بذلك عن أوضار الشكليات مبتغيات وجه ﷲ منصرفات إلى الفائدة”[1].

لهذا لم تفلت من هذا السياج إلا القليلات، وإحداهن زينب الغزالي الجبيلي، أشهر شخصية نسائية على الإطلاق، ليس في تاريخ الإخوان فحسب؛ بل وفي تاريخ الحركة الإسلاموية بأطيافها المتعددة، فقد قامت زينب الغزالي بدور مهم في تنظيم الإخوان، خاصة سنة 1965م، حيث شاركت في التخطيط لاغتيال جمال عبد الناصر، وألقي القبض عليها ضمن تنظيم سيد قطب أو ما يعرف بـ(تيار 1965)، وحكم عليها بالمؤبد. لكن سرعان ما خرجت من السجن بروح جهادية أكبر، عاملة على الترويج لأفكار الجماعة التي تنضوي تحت لواء تنظيمها الخاص الذي يشكل الذراع العسكري للإخوان قبل ثورة يوليو.

اقرأ أيضا: محمد أنور السادات… في الطريق نحو منصة الاغتيال. حين ينقلب الوحش على مروضه

أيدت زينب الغزالي ثورة 23 يوليو بداية لاعتقادها أن الضباط الأحرار الذين صنعو الثورة سيقيمون نظاماً على نهج إسلامي. لكن، سرعان ما خاب ظن الغزالي التي انقلبت وبدأت بالحشد ضد نظام عبد الناصر، وتقربت من تنظيم سيد قطب المتشدد؛ وما لبثت في 1974 أن ساعدت الإخواني الفلسطيني صالح سرية في التخطيط للإنقلاب، عبر استهداف الجيش المصري ورموز السلطة في تلك الفترة ضمن ما عرف بـ “الفنية العسكرية” ليتم اعتقالها من جديد على خلفية ذلك.

خرجت من السجن… لكن هذه المرة مبتعدةً عن طريق العنف، مكتفية بالدعوة ونشرها بين النساء، ومتفرغة في الآن نفسه للكتابة. لكن، ظل “شبح الجهاد” يراود مخيلة زينب الغزالي، ويؤزُّها أزًّا لاستكمال المسيرة بالدعوة لأفكار جماعة الإخوان المسلمين. لم تغيّر سنون السجن من ولائها للجماعة شيء…

على الرغم من محاولاتها، لم تنجح زينب الغزالي في الإنفلات من سطوة التعليم الديني الذي تلقّته، ولم تتمكن، في ذات الوقت، من محوِ آثار الطفولة “الجهادية” التي ترسخت في أعماق نفسها منذ نعومة أظافرها. نعم، انضمت للإتحاد النسائي المصري، لكن حتى في تلك اللحظات لم تنفلت من عقال البيت “الأزهري” الذي تربت فيه، وظلت حبيسة قناعاتها الإسلامية، طالبت بالتحرر لكن شريطة أن يكون هذا التحرر نفسه ضمن الإطار الإسلامي.

اقرأ أيضا: من اليمن، حسين الوادعي يكتب: تاريخنا المثالي العظيم

من هنا، يمكن القول إن زينب الغزالي، في الرسالة الموجهة للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، التي قدمت فيها نفسها كجارية تقبل أن تباع وتشترى “في سبيل الله”، والتي قدمنا فقرات منها في الجزء الأول من هذا البورتريه، لم تصرف سوى الإحساس الدفين لسطوة “الأخ الأكبر” الذي كانت ملزمة بطاعة أوامره، والإنقياد لتعليماته تحت رقابة الأب والأم؛ ولم تغير جلدها من الحرية إلى العبودية بقدر ما ألزمت نفسها بما عاشته في سنوات حياتها الأولى.

على الرغم من هامش الحرية المخيم على الأجواء ولو بدرجات قليلة/متفاوتة، ظلت وفية للروح الجهادية… مما شكل منعطفا كبيراً في التحول من نور الفكر والتحرر إلى ظلمات الجهل والتطرف…

[1] https://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=مجموعـة_القوانين_و_اللوائح_الإدارية_حتى_عام_1944م#15-_.D9.84.D8.A7.D8.A6.D8.AD.D8.A9_.D9.82.D8.B3.D9.85_.D8.A7.D9.84.D8.A3.D8.AE.D9.88.D8.A7.D8.AA_.D8.A7.D9.84.D9.85.D8.B3.D9.84.D9.85.D8.A7.D8.AA

الجزء الأول: زينب الغزالي: من مدافعة عن حقوق المرأة إلى… جارية 1\3

الجزء الثاني: زينب الغزالي في أحضان الإخوان المسلمين: من القبعة إلى الحجاب! 2\3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *