×
×

الأكراد… بين الحلول الواقعية والشعور القومي: لماذا تستحيل إقامة دولة كردستان؟ 4/4

يعد النموذج العراقي في التعامل مع القضية الكردية، أحد أبرز ملامح الحل الممكن، لولا أن الأكراد، في غالبيتهم، يصرون على الاستقلال رغم صعوبته كحل واقعي وفق الكثيرين.

بعد الجزء الثالث الذي تابعنا فيه بعضا من فصول القمع والاضطهاد التي تعرض لها الأكراد على امتداد القرن الماضي في الدول التي يعيشون فيها، وكذا جزءا من نضالاتهم توقا لتحقيق حلمهم بإنشاء دولة مستقلة… في هذا الجزء الرابع والأخير، نرى لماذا يعد البعض مستحيلا في المستقبل المنظور إقامة دولة كردية.

لم يستطع الأكراد تأسيس دولة مستقلة على مدى تاريخ طويل، وظلوا شعبا يعد جزءا من أمم أخرى، لم تتجاوز نجاحاته إقامة بعض الإمارات المتناثرة، لكن في إطار دول أكبر وأوسع.

اليوم، تفصل الحدود بين الأكراد في البلدان التي يعشيون فيها على نحو يصعب عملية التواصل بينهم… بشكل أدى إلى تفاوت لافت في مستويات التطور والنمو والوعي لديهم.

لا يمكن للقمع والاضطهاد سوى أن يدفعا بالأكراد إلى الاستمرار في نضالهم للاستقلال، سواء كان حلا واقعيا لقضيتهم أو مجرد حلم.

يوضح الباحث عبد الباسط سيدا[1] أن تلك البلدان؛ أي تركيا، إيران، سوريا والعراق، لا تلبي خططها الاقتصادية التنموية سوى مراكزها، ولا تعطي أي اعتبار لاحتياجات المناطق الكردية فيها.

… بل إن المناطق الكردية في هذه الدول، يتابع الباحث ذاته، دائما ما كانت هدفا لسياسات التهميش والإهمال، وجهود إلغاء الهوية الكردية.

اقرأ أيضا: الإبادة الثقافية: الفظاعة الناعمة للبشرية! 2/1

أكثر مقومات الهوية الكردية تأثرا في هذا الصدد هي اللغة الكردية. تجمع بعض المصادر على أن البلدان تلك فرضت على الأكراد لغاتها الرسمية، بينما حاربت لغتهم ومنعتهم من استخدامها.

كل ذلك، يقول سيدا، ولّد مظلومية كردية أسهمت السياسة الإنكارية المستمرة في تعميقها وتعميمها، وهو ما ترتب عليه الكثير من التوتر والتشنج والتشدد…

صار في العراق عرف جعل الأكراد يكتسبون حصصا بالغة الأهمية في هرم السلطة، منها بعض الوزارات وكذا مقاعد في البرلمان وأهمها… رئاسة الجمهورية!

في الواقع، لا يمكن للقمع والاضطهاد سوى أن يدفعا بالأكراد إلى الاستمرار في نضالهم للاستقلال، سواء كان حلا واقعيا لقضيتهم أو مجرد حلم.

لأجل هذا يقر الباحث علي محمود[2] بصعوبة اقتراح حلول لمعضلة امتزجت بمشاعر القومية وآلام الضحية، ومصالح حزبية ومناطقية وعشائرية.

النموذج العراقي

يعد النموذج العراقي في التعامل مع القضية الكردية، أحد أبرز ملامح الحل الممكن، لولا أن الأكراد، في غالبيتهم كما سنرى بعد قليل، يصرون على الاستقلال رغم صعوبته كحل واقعي وفق الكثيرين.

قبل سقوط النظام في العراق عام 2003، عانى الأكراد الويلات، ناهيك عن أن يحظوا بفرصة للمشاركة في إدارة شؤون الدولة.

اقرأ أيضا: علي الوردي… ابن خلدون العراق!

ظلوا على الدوام، يؤكد الباحث علي محمود، يطالبون بالاعتراف بلغتهم وثقافتهم، يرفضون لغة الأمر من بغداد، يتأملون حماية من الظلم المستمر، واستعادة الحقوق المسلوبة، وإنهاء الإقصاء والتهميش، وتحقيق المساواة والمواطنة العادلة.

لم يستطع الأكراد تأسيس دولة مستقلة على مدى تاريخ طويل، وظلوا شعبا يعد جزءا من أمم أخرى، لم تتجاوز نجاحاته إقامة بعض الإمارات المتناثرة، لكن في إطار دول أكبر وأوسع.

لكن بعد سقوط نظام صدام حسين، تحول الأمر كلية… كانت لحظة لم يظن الأكراد أنها آتية يوما ما في ظل ما كانوا يكابدونه.

… شاركوا في لجان كتابة الدستور، وتضمنت ديباجة الدستور العراقي الجديد نصوصا صريحة تعبر عن آلامهم وتطلعاهم.

الدستور العراقي أقر تعدد القوميات في البلاد، ونص على أن القومية الكردية هي القومية الرئيسية الثانية إلى جانب القومية العربية.

وكذا اللغة الكردية، بجانب اللغة العربية، أقرهما لغتين رسميتين للعراق، مع ما يستتبع ذلك من إجراءات.

اقرأ أيضا: إيران كونترا: حكاية عشق ممنوع بين الخميني وريغان. 1\2

كما وأقر بأن الأكراد متساوون مع العرب وسائر مكونات الشعب العراقي… بلا تمييز.

بل وحصن الأكراد يومها مكتسباتهم هذه، تورد الباحثة كولشان صغلام[3]، بجدار يستحيل تجاوزه يتمثل في منع أي انتقاص من صلاحيات الإقليم، إلا بموافقة برلمان كردستان وسكانه.

بعدما كانوا قد حققوا مكتسبات عدة، غرق الأكراد اليوم بسبب الاستفتاء في خلافات حادة مع الحكومة العراقية في ملفات عديدة، تتعلق بالنفط وتوزيع الثروات والمنافذ الحدودية والصلاحيات القانونية وغيرها.

أكثر من كل هذا، صار ثمة عرف جعل الأكراد يكتسبون حصصا بالغة الأهمية في هرم السلطة، منها بعض الوزارات وكذا مقاعد في البرلمان وأهمها… رئاسة الجمهورية!

الرئيس الحالي للعراق مثلا، برهم صالح، كردي، وينتمي إلى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني.

صحيح أن السلطة التنفيذية لرئيس العراق ضعيفة دستوريا، إلا أنه مع ذلك، يضطلع بدور مهم على المستوى المعنوي والسيادي.

اقرأ أيضا: من الأردن، بشار حداد يكتب: #دمتم_وقودا

لكن، ورغم كل هذا…

في الـ25 من شتنبر 2017، توجه أكراد العراق إلى مراكز الاقتراع تلبية لدعوة إلى استفتاء يعلن استقلال إقليم كردستان تمهيدا لإنشاء دولتهم.

يومها، وحسب الأرقام المعلنة، 92 بالمائة صوتوا لصالح الاستقلال عن العراق، في تأييد ساحق للانقسام المقترح عن العاصمة بغداد.

دائما ما كانت المناطق الكردية في الدول حيث يوجدون، هدفا لسياسات التهميش والإهمال، وجهود إلغاء الهوية الكردية.

استفتاء بدا أنه لم يحظ بتأييد دولي رسمي، كما وأثار موجة من الإجراءات الغاضبة من قبل الحكومة ومجلس النواب العراقيين.

وبينما اعتبر كثير من الأكراد ذلك الاستفتاء لحظة تاريخية انتظروها طويلا، اعتبره آخرون مجرد استطلاع للرأي يفتقر إلى وجود آلية مساعدة سياسيا وجغرافيا للنهوض بالاستقلال.

وها هم، بعدما كانوا قد حققوا مكتسبات عدة، غارقون اليوم في خلافات حادة مع الحكومة المركزية في ملفات عديدة، تتعلق، بحسب علي محمود، بالنفط وتوزيع الثروات والمنافذ الحدودية والصلاحيات القانونية وغيرها.

هكذا، فشل مشروع الانفصال، ويبدو أنه وفق محمود، مستحيلٌ في المدى المنظور استنادا إلى المعطيات الجيوسياسية في المنطقة.

… ليستمر الحلم، لكن الواقع له رأي آخر!

لقراءة الجزء الأول: الأكراد… أصدقاء الجبال، المشتّتون، وحلم الدولة الذي تجهضه لعنة التاريخ والجغرافيا 4/1

لقراءة الجزء الثاني: الأكراد… تعدّدت فصول التاريخ والنتيجة واحدة: “وطنٌ مشتّت”! 4/2

لقراءة الجزء الثالث: الأكراد… بعد سايكس بيكو: تاريخ من القمع والاضطهاد والنضال على أمل الاستقلال 4/3


[1]  عن ورقته: “نحو مقاربة جديدة لحل المسألة الكردية”، منشورات مركز الجزيرة للدراسات.
[2]  عن ورقته: “النخبة الكردستانية: الدولة، الهوية، المواطنة”، منشورات مؤسسة فريديريش إيبرت.
[3]  عن أطروحتها للدكتوراه: “الأكراد بين حلم إقامة الدولة وواقع الجغرافيا السياسية”، جامعة بيروت العربية.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *