×
×

من كندا، عبد الرحمان السعودي يكتب: رسالة الجندي المجهول إلى السفيرة “هيلين”

صدقيني، كنت أتمنى أن أخط لسيادتك هذه الرسالة بيدي لكي تشعري بنبض مشاعري مباشرة. لكن المشكلة أني فقدت ذراعي اليمنى حين جندني أجدادك في حرب “لاندوشين”، التي ما زلت أجهل أسبابها

سعادة السفيرة،

أنا مواطن مغربي، حاربت دفاعا عن بلدك من أجل تحريرها من الاستعمار. ثم ضحيت بروحي في سبيل تحرير بلدي من استعمار بلدك.

أكتب إليك هذه الرسالة بعد أن وصلتني أخبار لا تسر…. وللأمانة، فلست أنا من يكتب، بل أملي هذه الرسالة على صديق فدائي، سالت دماؤه فوق جبال الألب وهو يحارب إلى جانب بلدك ضد الإيطاليين. طلب مني عدم ذكر اسمه ظنا منه، بسذاجته المعهودة، أنك قد تقترحين إطلاق اسمه على أحد الشوارع الرئيسية لمدينة الأنوار، إحياء لذكراه، وتقديرا لبسالته وتضحيته. لكن اعتزازه الشديد بنفسه، يجعله يرفض أي تداول لاسمه على ألسنة الفرنسيين لأنهم يتلعثمون في نطقه.

أقسمت لهذا الأخ في الكفاح أن اسمه لن يكتب أبدا، ولو بقلم رصاص، على جدار بيت مهجور، في زقاق ضيق مظلم، في ضواحي قرية نائية بفرنسا. وحاولت جاهدا إقناعه بأن الأمور تجري في باريس بخلاف المعتاد عليه في الرباط. لكنه أصر على موقفه، وفضل عدم كشف هويته.

صدقيني، كنت أتمنى أن أخط لسيادتك هذه الرسالة بيدي لكي تشعري بنبض مشاعري مباشرة. لكن المشكلة أني فقدت ذراعي اليمنى حين جندني أجدادك في حرب “لاندوشين”، التي ما زلت أجهل أسبابها.

اقرأ لنفس الكاتب: عاشت الولايات المتحدة “السَّنفورية”…

لكيلا أطيل، فقد جاءني اليوم أحد رفاق النضال المعروف بعدم ثقته في بلدك، لأن أرملته وأبناءه لم يستفيدوا من معاشه، بسبب خطأ مطبعي في اسمه لم تتجاوز عنه الادارة الفرنسية، بالرغم من علمها أنه سلم الروح إلى بارئها في ساحة المعركة ضد الألمان.

كنت قد تعرفت عليه حين كان جنديا في كتيبة المشاة التي حاربت لتحرير منطقة “الألزاس” شمال فرنسا. كان دائما يقف في الصفوف الأمامية إلى جانب أشقائه الجزائريين والتونسيين، ليبادروا بالهجوم ويشكلوا أهدافا لرصاص الألمان، ليتمكن الفرنسيون بسهولة من تحديد موقع الرشاشات ومكان اختباء الجنود، فيقوموا بقصفهم عن بعد.

أخبرني هذا الصديق البائس، أنك التقيت مؤخرا السيد شكيب بنموسى. وحسب قوله، فإن الشيطان الذي كان ثالثكما وسوس إليك فكتبت تغريدة (مسمومة)، مهينة لوطني الحبيب، بأسلوب استعلائي ولغة استعمارية، تنم عن استمرار عهد الوصاية على بلدي، والتدخل في شؤونه الداخلية واستقلالية قراره.

لا أخفيك أني نظرت بكثير من الحزن والأسى إلى ذراعي المقطوعة، وظللت أسُحّ في الدموع على حياة ضحيت بها هباء. لم يجعلني أتوقف عن البكاء إلا زميل لي من قدماء المقاومين، طلب ذكر اسمه هو الحاج لحبيب “آمبّوسيبل”.

كنت قد تعرفت عليه حين كان جنديا في كتيبة المشاة التي حاربت لتحرير منطقة “الألزاس” شمال فرنسا. كان دائما يقف في الصفوف الأمامية إلى جانب أشقائه الجزائريين والتونسيين، ليبادروا بالهجوم ويشكلوا أهدافا لرصاص الألمان، ليتمكن الفرنسيون بسهولة من تحديد موقع الرشاشات ومكان اختباء الجنود، فيقوموا بقصفهم عن بعد.

الغريب أن لحبيب، الذي لم يتقن يوما استعمال البندقية، كان في كل مرة يعود من هذه المهمة الانتحارية سالما غانما، وكم كان يفرح بردة فعل القائد الفرنسي، الذي كان يردد كلمة واحدة كلما رآه عائدا “آمبّوسيبل…آمبّوسيبل…آمبّوسيبل…”.

كان لحبيب يحب دائما أن يروي هذه القصة بمناسبة وبغير مناسبة، حتى صار معروفا باسم لحبيب آمبّوسيبل.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: وقاحة الفرنسيين… أو قردة شوبنهاور!

لم يلتحق بنا الحاج آمبّوسيبل إلا مؤخرا، فقد كان له حظ الموت محاطا بأحفاده عن عمر يناهز 92 عاما (دون احتساب العطل). يحب كثيرا أكل الكرفس نيّئا، متابع جيد للأحداث، مدمن على إعادة حلقات “ألعاب بلا حدود”، يعشق التحليل السياسي ومتابع وفيّ لمصطفى العلوي.

يرجع له كل الفضل في قراءة وتحليل ما بين السطور، وكشف براءتك بالدليل والحجة من كل الافتراءات والاتهامات.

قبل أن يتناول تغريدتك بالتحليل، قال لي إن الشيطان الذي وسوس لك خلوق ومؤدب، ولا يمت بأي صلة لا من قريب ولا من بعيد للشيطان قليل التّرابي الذي وسوس منذ شهور لرئيسك “ماكرون”، الذي خاطب السلطات المغربية بأسلوب أبوي خشن، خال من اللباقة واللياقة، وتجاهل فج لسيادة بلدنا الحبيب.

أقسم بالله لو كان الأمر بيدي لجعلت 5 جوان (تاريخ ميلاد التغريدة) يوم عيد وطني، وأسميته “عيد التقديم المجيد”…

مقدمته حفزتني للإنصات باهتمام لتحليله الذي سأسرده عليك دون حذف أو إضافة أو تعديل. لكن، للأمانة فقد حذفت الشتائم الصريحة التي يمكن لك تخيلها، مكتفيا ببعض الإشارات من أجل تحقيق وحدة النص.

الحاج لحبيب آمبوسيبل: قال لي:

“سماااع أسيدي، تقول سعادة السفيرة: “أشكر شكيب بنموسى سفير المغرب لدى فرنسا، ورئيس اللجنة الخاصة بإعداد النموذج التنموي الجديد، على تقديمه لي هذا الصباح تقريرا مرحليا عن عمل اللجنة. آفاق جديدة لشراكة اقتصادية جيدة بين المغرب وفرنسا”. مع وضع العلمين المغربي والفرنسي جنبا إلى جنب في آخر التغريدة.

اقرأ أيضا: من فرنسا. مريم أبوري: مغاربة مناجم فرنسا المنسيون

كما سمعت يا عزيزي، فأول التغريدة شكر…. بالله عليك، هل سمعت يوما شكرا رسميا يليق بالتضحيات والدماء المغربية التي روت الأراضي الفرنسية؟ هل سمعت يوما بشكر رسمي على الخيرات والثروات التي شحنت من المغرب الى فرنسا طوال 43 سنة؟…

اليوم، وقد ابتسم الحظ لأحفادنا، بشكر رسمي من سعادة السفيرة، يرفسون النعمة ولا يبالون بالقطرة التي ستشكل أول الغيث. يا له من جيل طائش ضائع وقصيرالنظر! (فأصدر الأخ لحبيب صوتا منكرا غير قابل للكتابة، ولا يليق بحاج مناضل مخضرم من حجمه).

رحم الله من قال “شرح الفاضحات من الفاضحات”… الرجل سفير المغرب لدى “طييط”، ونفس الرجل بشحمه ولحمه رئيس لـ “طييييييط”… بالعقل وبالمنطق، مع من يريدونه أن يناقش “طييييييط” إذا لم يناقشه مع ال”طييط”؟ يناقشه مع خالتي؟ (وواصل إطلاق الأصوات المستعصية على الكتابة والنشر).

أقسم بالله لو كان الأمر بيدي لجعلت 5 جوان (تاريخ ميلاد التغريدة) يوم عيد وطني، وأسميته “عيد التقديم المجيد”…

منذ متى كان المغرب هو الذي يقدم لفرنسا؟ لطالما كانت هي صاحبة المبادرة جازاها الله عنا كل خير. قدمت لنا أول دستور، قدمت لنا القوانين، قدمت لنا نظاما تعليميا وإدارة حثيثة ونخبة فرنكوفونية وشعبا عرنسيا، وقدمت الجنسية للسياسيين ورجال الأعمال تحسبا للطوارئ…

لقد أعلنت السفيرة عن عهد جديد يسمح للمغرب بالمبادرة، وعلى مراحل لكيلا تثقل عليه… إذا لم يستغل أحفادنا هذه الفرصة الذهبية لتنمية روح المبادرة فمن سيستغلها…خالتي؟ (أدركت على الفور، أن الأخ الحاج له مشكلة حقيقية مع خالته، فلم أعلق على كلامه لكيلا أقطع حبال أفكاره، خصوصا وأنه كان جد متحمس لتحليل ما جاء في آخر التغريدة).

اقرأ لنفس الكاتب: وسام “سُحلفائي” للمنجرة… المهدي الذي لم نهتدِ به

وختامها مسك وعنبر…. إعلان عن شراكة اقتصادية جديدة مع وضع علمي البلدين جنبا إلى جنب، ومنح الأسبقية للراية المغربية… الله أكبر…!!!

هذا التصرف النبيل الذي سيسجله التاريخ لسعادة السفيرة، هو اعتراف بالجميل، وتكريم غير مسبوق لوفاء بلدنا الحبيب. فالسيدة “هيلين” تعي جيدا أن المغرب رفض ود التنين الصيني، وتحايا العم “سام”، ولم تطربه يوما لا أشعار الحديدية “ميركل” ولا أغاني “البيتلز” ولا رقصات “الفلامنكو”…فلا ينغّمه إلا صياح الديك ولا يرضى غيره شريك.

وأنت سيد العارفين…. فثقافة الوفاء المتبادلة بين البلدين، لا تقتصر على الاقتصاد فقط بل تجاوزته لتتمثل في كل المجالات، كالرياضة مثلا؛ فالفرنسيون يشجعون فريقنا الوطني لكرة القدم لأن مدربه فرنسي، ونحن نشجع فريقهم الوطني لأنه يتكون من أشقائنا الأفارقة… (gagnant-gagnant)!

الغريب أن لحبيب، الذي لم يتقن يوما استعمال البندقية، كان في كل مرة يعود من هذه المهمة الانتحارية سالما غانما، وكم كان يفرح بردة فعل القائد الفرنسي، الذي كان يردد كلمة واحدة كلما رآه عائدا “آمبّوسيبل…آمبّوسيبل…آمبّوسيبل…”

هنا ختم لحاج لحبيب تحليله لأن حديثه عن الرياضة ذكّره بموعد إعادة حلقة أخرى من مسابقة ألعاب بلا حدود، فاعتذر مني وانصرف مسرعا، دون أن أتمكن من سؤاله عن سر إعادته للحلقات، وعن سر تشجيعه الدائم لفرنسا، رغم أنها كانت دائما تخسر أمام باقي الدول الأوروبية في هذه مسابقة.

لا تقلقي يا سعادة السفيرة، فلن أحرجك بهذا السؤال. المهم أن الحاج الحبيب أفحمني بتحليله، لدرجة أني ندمت على التضحية بذراعي وبحياتي، وتمنيت لو أطال الله في عمري، ليس من أجل أن أعيش شبابي وأموت في أحضان أحفادي، ولكن لكي أقف بجانب بلدك فرنسا في مواجهة انتفاضة “السترات الصفراء“، التي لم تكن رحيمة سامحها الله، فعرَّت سوءة بلادك وكشفت حقيقته، ومنحته لقب “رجل أوروبا المريض”.

اللهم إني قد ندمت، اللهم فاشهد…

شاهد أيضا: فيديو. نجيب أقصبي لمرايانا: لجنة النموذج التنموي ضرب لجوهر العملية الديمقراطية

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *