×
×

الدراسات الطبية… هل انكشف المستور في زمن كورونا؟ 2/1

عدا المتخصصين منّا، قليلون هم الذين يقرؤون الدوريات الطبية، إلا ما طالعنا من خلاصات لبعض الدراسات الواردة فيها عبر الصّحف ووكالات الأخبار…

في زمن كورونا، تغير الوضع؛ التركيز منصبٌّ على أي دراسة تكشف بعضا من لغز هذا الفيروس، أو طريقةً ما تكبح عدواه في انتظار إيجاد لقاح يضع له حدا.

بتركيز الاهتمام، بدا أوضح أن هذا المجال لا يخضع للعلم وحده كما يُفترض، وأن البعض فيه لا ينضبط لأي معيار أخلاقي على نحو قد يضر، للمفارقة، بالصحة العامة…

يوليوز 1996

حلّ 12 طفلا بالمستشفى الملكي بالعاصمة البريطانية لندن، وأحيلوا على 13 طبيبا، يرأسهم أندرو وايكفيلد، المتخصص في الجهاز الهضمي.

تعرّف وايكفيلد إلى حالتهم، فساوره الشك حيال سلامة اللقاح الثلاثي…

أندرو وايكفيلد

اللقاح الثلاثي، الذي يُعرف أيضا بلقاح “MMR”، لقاح مناعيّ ضدّ الحصبة، النّكاف، والحصبة الألمانية.

هذا اللقاح كان متعددا قبل أن يُصيّر واحدا، تُعطى للأطفال منه جرعةٌ أولى عندما يبلغون من العمر عاماً، ثم ثانية قبيل التحاقهم بالمدرسة لدعم مناعة الأولى.

يعدّ اللقاح الثلاثي اليومَ أحد أنجح اللقاحات… قبل انتشاره على نطاق واسع، كانت الحصبة تودي بحياة 2.6 مليون نسمة سنويا وفقا لتقديرات منظمة الصحة العالمية.

لكنْ… وايكفيلد أجرى دراسة عن سلامة اللقاح، وخلص، يقول، إلى نتيجة مؤسفة!

فبراير 1998

دورية “ذا لانسيت”، الرّائدة في العلوم الطبية منذ 1823، تنشرُ عددا جديدا يتضمن دراسة لوايكفيلد وزملائه.

يقول في هذه الدراسة، التي شملت عيّنة الأطفال الـ12 (وحسب)، إن اللقاح الثلاثي يتسبّب في ظهور أعراض مَرَضية بالمعدة والأمعاء.

… وهذه الأعراض، هي التي تُسبّب مرض التوحد!

الذي ووجه به وايكفيلد لاحقا، كان أسوأ من مجرد إعداد دراسة حتى ينجحَ ترويجُ لقاحه!

أو كذلك ألمحَ، قبل أن يُفصح في فيديو نشره بالموازاة مع دراسته.

لكنّ السؤال… كيف؟

وايكفيلد زعم حينها أن السّبب الرّئيس الذي يؤدّي إلى ما أسماه “التهاب الأمعاء التوحّدي” (Autistic Entercolitis)، يكمن في أنّ اللقاح الثلاثي… ثُلاثيّ!

أي أن إعطاء لقاح منفصل لكل مرض على حدة، وفي فترات متباعدة، لن يُسبّبَ ظهور الأعراض التي تؤدي إلى التوحّد.

مِن ثمّ… أوصى باستخدام لقاح خاص لكل واحد من الأمراض الثلاثة.

خرافة قاتلة

يعتقد البعض أنّ اللقاحات تصيب الأطفال بالتوحد… ولأن دراسة وايكفليد، منشورة في “ذا لانسيت” العريقة، قطع الكثير الشك باليقين.

غلاف لدورية ذا لانسيت

وبعدما مضى العالم بعيدا في القضاء على أوبئة كانت قاتلة إلى زمن قريب، كادت جهوده تعود أدراجها إلى الصّفر.

أفقدتِ الدراسةُ الثقةً باللقاح الثلاثي، وانخفضت نسب تلقيح الأطفال في بريطانيا وإيرلندا ودول أخرى… وكان لذلك من التبعاتِ المُكلّفَ من الأرواح.

أجرى علماء الأوبئة أبحاثا جديدة للتّأكد من دقة ما يزعمه وايكفيلد، لكن النتائج جميعها لا تصل إلى علاقة بين اللقاح والتوحد.

اللّقاح آمن… وفعال حتّى!

ثمّ وبتوالي السنوات، صارَ زعمُ وايكفيلد يوصفُ بـ”أكثر الخدع الطبية ضَرراً في المائة سنة الأخيرة”.

يونيو 1997

تقدّم وايكفيلد في بريطانيا بطلب للحصول على براءة اختراع لقاح جديد.

أورد في طلبه بعضا مما سيأتي، بضعة أشهر بعد ذلك، في دراسته، وقال إنّ لقاحَه الجديد… يقي من الحصبة ويُشفي من التهاب الأمعاء التوحّدي!

انكشاف السر

كيف غفل المجتمع العلمي والطبي لسنوات عن تضارب المصالح هذا؟

سؤال وجيه… لكنّ الذي ووجه به وايكفيلد لاحقا، كان أسوأ من مجرد إعداد دراسة حتى ينجحَ ترويجُ لقاحه!

عام 2004، وبعد أربعة أشهر من التحقيق الصحفي، افتُضِح سرّه…

زعمُ وايكفيلد يوصفُ اليوم بـ”أكثر الخدع الطبية ضَرراً في المائة سنة الأخيرة”.

نشرت صحيفة “الصنداي تايمز” تحقيقا أجراه صحفي يدعى براين دير، يقول فيه:

تلقّى وايكفيلد 55 ألف جنيه إسترليني (أزيد من 60 ألف يورو) من محام للحصول على أدلة تُدين منتجي اللقاح الثلاثي لصالح جهة ما.

ريتشارد هورتون

نفى الأخير التّهمة وقال إن الدراسة مُوّلت من الخدمات الصحية الوطنية (NHS)[1]… لكن الّذين شاركوه الدراسة، سحبوا الاستنتاجات التي جاءت فيها.

ثمّ اعترفَ ريتشارد هورتون، رئيس تحرير “ذا لانسيت”، في مقابلات تلفزيونية بأنها تضمنت أخطاء قاتلة!

مع ذلك، لم تسحب الدوريةُ الدراسةَ إلا عام 2010؛ أي 12 عاما بعد نشرها.

لماذا؟ هورتون يقول في حوار لصحيفة “ليبراسيون” الفرنسية، يونيو 2020، إنهم كانوا بحاجة إلى دلائل دامغة على زيف نتائجها.

أشهراً بعد ذلك، أصدر “المجلس الطبي العام” في بريطانيا قرارا يقضي بإيقاف وايكفيلد عن ممارسة الطبّ في البلاد.

في الجزء الثاني… التمويل شر لا بد منه في الدراسات الطبية، لكن هل يبرر الطابعُ المُلحّ لجائحة كورونا صدور دراسات سيئة؟

لقراءة الجزء الثاني: الدراسات الطبية: العلم يحتمل الخطأ… التدليس أيضا وغواية المال! 2/2


[1]  نظام تقديم الرعاية الصحية للمواطنين في بريطانيا.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *