×
×

ابن باجة… فيلسوفٌ ظُلِمَ حياً وميتاً

دافع عن الإنسان وحريةُ الإرادة والإختيار فيه، واعتبر العقل قيمة مطلقة وفصلَ بين العلم والدين فصلاً واضحاً في نظرياته العلمية، وأكد أن مجال البحث العلمي يقومُ على التجريب والبرهان، ومجالَ الدين والإلهياتِ يقُوم على الغيب والإيمان.

عبد الصمد البلغيتي

علاقةُ ابن باجة بزمنهِ كانت متوترة وسيرتهُ تميزت بالكثير من المحنِ، نظراً لكونه أولَ المشتغلين بالفلسفة وعلومها في الأندلس.

دافع عن الإنسان وحريةُ الإرادة والإختيار فيه، واعتبر العقل قيمة مطلقة وفصلَ بين العلم والدين فصلاً واضحاً في نظرياته العلمية، وأكد أن مجال البحث العلمي يقومُ على التجريب والبرهان، ومجالَ الدين والإلهياتِ يقُوم على الغيب والإيمان.

من هنا كان شخصية أندلسية تنويرية مرموقةً وظف قلمهُ للبحث العلمي في مجال الطبيعيات كالحيوان والنبات والفلك، وفي مجال المنطق والأخلاق والسياسة…

غير أن عصرهُ ظلمهُ كثيراً وتعرض له العامةُ والخاصةُ وسعُوا في قتلهِ والنيل منه؛ ولم يسلم حتى بعد موته، إذ لم تنل كتبه وفلسفته عنايةً ولم تجد إهتماماً من الدارسين والمفكرين وطالهُ النسيان، لهذا يستحق بالفعل لقب الفيلسوفُ الذي ظُلم حياً وميتاً.

سيصلُ الأمرُ بخصومِ إبن باجة حداً لم يكُن يتوقعهُ، حيثُ سيسعَى زميلهُ الطبيب ابن زهر فيِ قتلهِ بمدينة فاس سنة 533 هـ، وهو الأمرُ الذي تحقق لهُ بعد أن وضعَ لهُ السم في طعامٍ من الباذِنْجَانِ، فكانت نهايةً مأساويةً لرجلٍ بذل الكثير من أجل التغيير في عصرهِ على المستوى الفكري والسياسي

الجميلُ أن الإحساس بالظلم قد عبر عنهُ ابن باجة بشكلٍ صريحٍ في كتبه، مما لا يدعُ الشك في أنه كان شخصية قلقةً بسبب ثقافته وفكره، الأمر الذي جعله يبوحُ بهذا الظلم لتلميذه الوزير ابن الإمام في رسالةٍ بعثها له يقول فيها: “وسِيرَتِي التِي عليها مشهُورةٌ، وأنا مُتعرضٌ فيها للخطرِ، ولعَلي لاَ ألقاكَ وفي نفسيِ تشوُقٌ شديدٌ إلى مفاوضتك”[1].

يدلُ هذا النصُ على حجم الخطر الذي كان يحس به ابن باجة كأي مفكرٍ حرٍ في مجتمع متعصبٍ، وهو خطرٌ كان يتهددُهُ من رجال الدين وشخصيات فكرية معروفة في زمنه؛ مما يشهدُ على تطرف وتعصب هذا الزمن ورفضه للفلسفة وعلومِها.

لنتذكر على سبيل المثال ما تعرض له المفكر مالك بن وهيب الإشبيلي الذي كان سابقا على ابن باجة، وعُرِفَ بالإشتغال بالفلسفة، لكنه ابتعد عنها بسبب الخوف من أعدائها الذين أفتوا بقتله، وتهمتهُ كانت الإشتغال بالفلسفة وعلومها.

اقرأ أيضا: في ذكرى اغتيال فرج فودة: حين يحاكم القاتل… قتيله!

يقول الوزير ابن الإمام عن مالك بن وهيب الإشبيلي: “ثُم أضربَ الرجُلُ عن النظرِ ظاهراً في هذهِ العلُومِ وعن التكلُم فيها، لِمَا لحقهُ منَ المُطالبَاتِ في دَمِهِ بسببها… وأقبلَ على العلوم الشرعية”[2].

كذلك فيلسوفنا سيشعُر بالخوف على نفسه رغم المكانة التي كان يتمتعُ بها في مدينتهِ سرقسطة، وهو الذي اشتغل وزيرا لأميرها، ويُعتقدُ أن المحَنَ جاءتهُ من مناصبه كسياسي وطبيب في بلاط الأمير، خاصة من زملائه الأطباء والشعراء والفقهاء الذين حسدُوه على مكانته المرموقة.

عصرهُ ظلمهُ كثيراً وتعرض له العامةُ والخاصةُ وسعُوا في قتلهِ والنيل منه؛ ولم يسلم حتى بعد موته، إذ لم تنل كتبه وفلسفته عنايةً ولم تجد إهتماماً من الدارسين والمفكرين وطالهُ النسيان، لهذا يستحق بالفعل لقب الفيلسوفُ الذي ظُلم حياً وميتاً

من بين أكثر من ظَلَمَ ابن باجة واتهمهُ في دينه وشهّرَ به، الأديب المعروف الفتح ابن خاقان، الذي كانت لهُ مع الفيلسوف خصومة مشهورة وبسببها شَوهَ سيرتهُ ولفقَ لهُ تهماً خطيرةً وقال: “هُو رَمْدُ جَفْنِ الدين وكَمَدُ نفُوسِ المهتدين، اشْتَهَرَ سُخْفاً وجُنُوناً، وهَجَرَ مفرُوضاً ومسْنُوناً، فما تشرع، ولا يأخُذُ في غير الأضاليل ولا يَشْرَعُ، ناهِيكَ عن رجل ما تطهر من جنابةٍ ولا أظهر مخايل إنابةٍ ولا سْتَنْجَى من حدَثٍ ولا أشجى فؤاده بتوار في جدثٍ ولا أقر بباريهِ ومُصورهِ ولا قر بتباريهِ في ميدان تهوره، الإساءةُ إليه أجدى من الإحسان، والبهيمةُ عندهُ أهدى من الإنسان، نظر في تلك التعاليم وفكر في أَجْرامِ الأفلاك وحدود الأقاليم. ورفض كتاب الله الحكيم العليم ونبذهُ وراء ظهره”[3].

اقرأ أيضا: علماء حاربهم الفقهاء… هؤلاء 6 من أهم علماء الإنسانية المسلمين الذين اتهموا بالزندقة والكفر

يبدو أن خصمهُ هذا لم يترك شيئاً إلا ونسبه لإبن باجة، وكل ذلك يدل عن حقدٍ وكرهٍ كبيرٍ لهُ يصعب تفسيره، وهو ما جعل الباحث جمال راشق في مؤلفه “ابن باجة، سيرة وبيبليوغرافية”، يعتقدُ أن ذلك لا يُعتدُ به ويقول: “يُشِيرُ القِفْطِي إلى سبب هذه الخصومة أن الفتح أرسل إلى ابن باجة يطلبُ منهُ شيئاً من شعره ليوردهُ في كتابهِ قلائدُ العِقْيَانِ فغالطهُ مغالطةً أحنقتهُ عليه، فذكره ذكرا قبيحا في كتابه، وقال صاحب الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام: كلامُ الفتح فيه لا يعولُ عليه، ولا يلتفت ذو علمٍ إليه، لِمَا عُلم بينهُ وبينهُ من المنافرةِ والمعاداة والمهاجرة بسبب حكاية وقعت بينهما وخصومة سلفت لهما”[4].

تحتفظُ لنا مدينةُ فاس المغربيةُ بقبرِ ابن باجة في مقبرةٍ خارجَ أسوارها أمام بابِ الجيسةِ وبجوارِهِ قبرُ ابن العربي المعافري. غير أن الظُلم سيطالُ قبره أيضا، فنحنُ لا نجدُ له أثراً بهذه المقبرة…

لم تقف محنةُ فيلسوفنا إلى حد التكفير والتشهير، بل وصلت إلى الإعتقال مرتين في السجون، وكان في كل مرة يعاني ويتألمُ من ذلك وهو يكتب ويؤلف في الفلسفة والعلوم، وذكر ذلك في رسالتهِ التي بعث بها إلى تلميذه ابن الإمام حيث قال: “وأَنْ أُضِيفَ إليها مسَائِلُ قد كُنتُ ذكرتُ لكَ أنِي صنعتُ بُراهينهَا مدةَ الإعتقالِ الثانِي الذِي كُنتُ فِيه”[5]، وهذا ما يفسر شكل كتبه ومؤلفاته التي تتميزُ بكونها رسائلُ مختصرةٌ ولا تكَادُ تبينُ عن فِكرتها ومضمُونها، وهو ما انتبه له ابن طفيل حين قال عن كتب ابن باجة: “وأكثرُ ما يوجدُ لهُ من التأليف، إنما هي غيرُ كامِلةٍ، ومجزُومَةٌ مِن أواخِرها… وأما كتُبهُ الكاملةُ فهي كتبٌ وجِيزةٌ، ورسائلُ مُخْتلَسَةٌ… وأن ترتيب عبارته في بعض المواضعِ، على غيرِ الطريقِ الأكمل، ولو اتسع لهُ الوقتُ، مَالَ لتبديلها”[6].

الحقيقةُ أن شهادة ابن طفيل هذه تدعمُ كثيراً ما عرفتهُ حياةُ الفيلسوفِ من أحداثٍ وتقلباتٍ، لم تساعدهُ على الاستقرار والاطمئنانِ في الكتابةِ والتعبيرِ عن رأيهِ وموقفهِ من قضايا عصرهِ، لأن الرقابةَ كانت قويةً تتصيدُ أنفاسهُ وسُطور مؤلفاته، ما جعلهُ يحاول الإنفلات منها عن طريق الإختصارِ في العبارةِ والتلميحِ دُون التصريحِ… خصُوصاً أنهُ كان يؤسس لتقليدٍ علمي بالأندلس سيفتحُ الباب أمام من سيأتي بعدهُ، وهي أسبقيةٌ ستجد أمامها الكثير من العقباتِ والمعوقاتِ.

اقرأ أيضا: ميمونيدس.. مفكر يهودي أم مفكر إسلامي؟

سيصلُ الأمرُ بخصومِ إبن باجة حداً لم يكُن يتوقعهُ، حيثُ سيسعَى زميلهُ الطبيب ابن زهر فيِ قتلهِ بمدينة فاس سنة 533 هـ، وهو الأمرُ الذي تحقق لهُ بعد أن وضعَ لهُ السم في طعامٍ من الباذِنْجَانِ، فكانت نهايةً مأساويةً لرجلٍ بذل الكثير من أجل التغيير في عصرهِ على المستوى الفكري والسياسي.

واقعة تُذكرنا بنهايةِ سُقراط وموتِه بكأسٍ من السُم في محاورةِ فادُون…

تحتفظُ لنا مدينةُ فاس المغربيةُ بقبرِ ابن باجة في مقبرةٍ خارجَ أسوارها أمام بابِ الجيسةِ وبجوارِهِ قبرُ ابن العربي المعافري. غير أن الظُلم سيطالُ قبره أيضا، فنحنُ لا نجدُ له أثراً بهذه المقبرة…

لمن يعرف مقبرة باب الجيسة بمدينة فاس، سيلاحظُ أن جانباً كبيرا منها اندثرَ وتحولَ إلى عُمرانٍ، ما يعني أن الرجل لم ينعم حتى بقبر يشهدُ له ويكرم ذكراهُ.

الغريبُ أن جميع كتبهِ طالهاَ النسيانُ ولم يُكتب لها أن تُحقق وتُدرس إلا في بداية القرن العشرين، حيثُ سيتم إكتشافهُ مع الباحثِ الإسباني أسين بلاثيوس Asin Palacios الذي يعودُ لهُ الفضلُ الكبيرُ في بعثهِ ونفضِ غبارِ النسيانِ عنهُ.

لا زلنا رغمَ ذلك نشهدُ على مظاهرِ الظُلم والإقصاءِ لهذا الرجل في أغلبِ الأبحاثِ والدراساتِ التيِ تعرضت للفلسفة الإسلامية وقضاياها عامة، وللفلسفة المغربية والأندلسية خاصة، بحيثُ لم تحظَ كتبهُ بتحقيقاتٍ علميةٍ ولا بدراساتٍ أكاديميةٍ؛ وأغلبُ ما كتبَ عنهُ تنقصهُ الدقةُ ولا يعدُو أن يكُونَ دراسات سطحية غارقة في العُموميةِ والأحكام الجاهزة.

 

[1] رسالة الوداع، ضمن رسائل ابن باجه الإلهية، تح ماجد فخري، دار النهار للنشر، لبنان، 1968، ص113.

[2] ابن الإمام أبو الحسن، ملحق، ضمن رسائل ابن باجه الإلهية، م.س، ص175

[3] ابن خاقان الفتح، قلائد العقيان، مطبعة التقدم العلمية، ط.1، مصر، 1320ه، ص ص. 313-314

[4] راشق جمال، ابن باجه سيرة وبيبليوغرافية، دار الأمان، الرباط، 2017، ص 24

[5] ابن باجة، رسائل فلسفية لأبي بكر ابن باجه، تح جمال الدين العلوي، دار الثقافة ودارالنشر المغربية، 1984، ص 88

[6] ابن طفيل، حي بن يقظان، تح يوسف زيدان، دار الأمين، ط.2، 1998.ص 164

 

مصادر ومراجع الموضوع:

– ابن باجة، رسائل ابن باجه الإلهية، تحقيق ماجد فخري، دار النهار للنشر، لبنان، 1968.

– ابن خاقان الفتح، قلائد العقيان، مطبعة التقدم العلمية، ط.1، مصر، 1320 هـ.

– راشق جمال، ابن باجة سيرة وبيبليوغرافية، دار الأمان، الرباط، 2017.

– ابن باجة، رسائل فلسفية لأبي بكر ابن باجة، تحقيق جمال الدين العلوي، دار الثقافة ودارالنشر   المغربية، 1984.

– ابن طفيل، حي بن يقظان، تحقيق يوسف زيدان، دار الأمين، ط.2، 1998.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *