×
×

من كندا، عبد الرحمان السعودي يكتب: خونا منصف…

يشاء السميع العليم أن يختبر مشاعرنا في هذه الأيام المفترجة، في غمرة احتفائنا بخونا منصف، فيسوق إلينا خبر إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية ‏بنيامين نتنياهو عن أسماء وزراء حكومته الجديدة، التي تضم عشرة وزراء أصولهم مغربية، أدوا اليمين أمام الهيئة العامّة للكنيست، وأقسموا على الوفاء لدولة إسرائيل.

عبد الرحمان السعودي

عندما كنت يافعا في سن الضياع، كان من أكثر ما يفرحني فوز فريق كرة القدم الذي أشجعه بإحدى البطولات المحلية أو الدولية. وكم كنت أنتشي كلما أتيحت لي فرصة تذكير الآخرين بكل فخر وزهو بأننا (نحن) من فاز بالبطولة. وكلمة (نحن) هنا لم أكن أستعملها بالمعنى المجازي، بل كنت أعتبر نفسي بطلا مع الفريق وحاملا للكأس معه.

الغريب يا أخي أنه عندما كان الفريق يخسر أي مباراة، كانت لغتي تنتقل من النقيض إلى النقيض. عوض أن أقول: “خسرنا المباراة”، كنت أقول، وبكل نذالة: “لقد خسروا المباراة”، في إشارة إلى تبرئي من الفريق وهزيمته. وبطبيعة الحال، أستمطر اللعنات على اللاعبين، وأكيل الشتائم للمدرب ولمساعد المدرب.

لم أفهم هذا التناقض في ردة فعلي حينذاك إلا عندما اطلعت على ما يسمى في علم النفس الاجتماعي بال BIRGing، وهو بكل اختصار حرص الإنسان على البحث عن المنظومات الناجحة لإظهار علاقته بها، والتمسح بأعتاب نجاحاتها، واعتبارها امتدادا لذاته. بالمقابل، يميل الإنسان إلى تجنب أي علاقة له بالمنظمات الفاشلةو وهو ما يصطلح عليه بالـ CORFing.

لقد كنت فعلا محتاجا لهذه المقدمة الطويلة، لكي أتحدث عن الخبر الذي شغل الناس وأثار الكثير من اللغط في الأيام الماضية في المغرب. يتعلق الأمر بإعلان (حبيبنا) ترامب عن تعيين البروفيسور منصف السلاوي، المغربي الأصل، رئيسا للجنة المكلفة بتحضير لقاح كورونا، وهو المنصب الأهم في أمريكا حاليا، بل وفي العالم بأسره بشيء من المبالغة.

وبينما كان الدكتور السلاوي وطاقمه الأمريكي يسابقون الزمن لكي يزفوا البشرى، اجتاحت حالة الـ BIRGing نقوس المغاربة أجمعين وغمرهم الزهو وأصابتهم حمى الفخر بأخيهم المغربي منصف، متجاهلين طبعا حقيقة أن البروفسور قضى أهم فترات حياته في بلاد الفرنجة، لكي يبقى فخرهم متماسكا.

المثير للتأمل وليس للاستغراب، تسابق “شوف تي في” وغيرها من الإعلام الإكشواني الإكنواني إلى الدشيرة، مسقط رأس خونا منصف، حيث استطاعوا الوصول إلى صاحب المحل الذي كان يشتري منه البروفيسور الزريعة، بينما ما يزال البحث جاريا عن بائعة البغرير التي كان يحب السلاوي اللعب مع أطفالها وهو صغير. وأصبحنا وأمسينا نرى اسم خونا منصف مكتوبا بالبنط الغليظ في الصفحات الأولى للجرائد الورقية والإلكترونية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأقسم بالله حتى الرياضية. أما عن جيش الفيسبوكيين واليوتيوبيين، فحدث ولا حرج، ماكاين غير خونا منصف صائد الفيروسات، خونا منصف منقذ البيت الأبيض، خونا منصف ملك اللقاحات، إلخ إلخ إلخ خ….

الطريف في الأمر أن “فيروس” الـ BIRGing تجاوز حدود المغرب ليمتد إلى عدد من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تم تجريد الدكتور السلاوي من جنسيته المغربية البلجيكية الأمريكية، ليقدموه في جرائدهم وعلى نشراتهم الإخبارية، بصفة “العالم ذو الجنسية العربية” الذي سيخلص العالم من كل الشرور. ضامنين بذلك صلة القرابة بخونا منصف، ومدافعين عن حقهم في نجاحات “أخيهم في العروبة”.

ولأزيدك من الفكاهة بيتا، فقد دخل أخونا وأخوهم منصف السباق على لقب فخر العرب. والأرجح أن البروفيسور سيفوز باللقب دون منازع، خصوصا في ظل هذه الظروف الحالكة، التي لم نعد نرى فيها محمد صلاح ومحرز وزياش إلا على تطبيق التيك توك.

ولكن، يشاء السميع العليم أن يختبر مشاعرنا في هذه الأيام المفترجة، في غمرة احتفائنا بخونا منصف، فيسوق إلينا خبر إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية ‏بنيامين نتنياهو عن أسماء وزراء حكومته الجديدة، التي تضم عشرة وزراء أصولهم مغربية، أدوا اليمين أمام الهيئة العامّة للكنيست، وأقسموا على الوفاء لدولة إسرائيل.

خبر قوبل بصمت مطبق، اختلطت فيه المشاعر والأحاسيس والأفكار في صراع محموم. وبقي السؤال الصعب المحير معلقا دون إجابة: هل ستبحث “شوف تي في” عن فضائح لهؤلاء الوزراء الإسرائيليين، أم أنها ستعتز بأصلهم المغربي وتبحث إن كانوا معجبين بأغاني الميلودي؟

لا أحد ينكر أن الوضع معقد وغير مألوف. لكن المحامي المحترم حسن سبانخ يخبرنا أن القضية التي أمامنا قضية بسيطة جدا وواضحة تماما، فبالاستناد إلى التفسير العلمي، سنخلص إلى أن الأشخاص العشرة وزراء، وبالتالي فهم ناجحون. وبما أنهم من بني جلدتنا، فمن المفروض أن نصاب بالـ BIRGing. وبما أنهم وزراء في حكومة إسرائيلية، فسنتمنى لهم الفشل. وإذا فشلوا، فطبيعي أن نصاب بالـ CORFing.

إنه وببساطة، أيها السيدات والسادة، فيروس الـ BIRGing-CORFing الأزلي.

وللأسف، وبالذات في هذا الفيروس، لا يمكن أن نعول على أحد أن يخلصنا منه. حتى لو كان خونا منصف.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *