×
×

جائحة كورونا بين التفسير الخرافي والفهم العلمي

وجد الكثير من الباحثين في التاريخ أن الموقف من الإجراءات الصحية والإحترازية من الوباء التي ظهرت في أوربا الحديثة، كانت موضع رفض من بعض الفقهاء وبعض العلماء المسلمين الذين زاروا بعض الدول الاوربية في وقت الأوبئة (…) ولا حاجة لنا إلى القول بأن الزمن يتحرك ببطء في مجتمعاتنا، وأن نفس النصوص والمواقف الخرافية والغيبية من الأوبئة لا زالت حاضرةً وانتعشت أكثر مع وباء كورونا، كما كانت في تاريخنا مع الطاعون وأوبئة أخرى…

لا أحد يُنكِرُ أن ظهور وباء كورونا وانتشارهُ خلف الكثير من النقاش الفكري، وأفرز تنوعا في المواقفِ حول مصدرهِ وطبيعتهِ وطُرق الوقايةِ والعلاج منهُ؛ وهو نقاش صحي وطبيعي إنخرطت فيه جميعُ المجتمعات اليوم.

غير أن الملاحِظَ سيجدُ أن هذا النقاش إتخذ اتجاهين: الأولُ، إتجاه سِحريٌ ميتافيزيقي في تفسيره لمصدر الوباء وطبيعته. والثاني، علميٌ تجريبي يحاولُ البحث في الأسباب الطبيعية لظهوره وسبل الوقاية منه.

كباقي دول العالم، إنخرطت مجتمعاتنا في هذا النقاش، وظهرت أدبيات وبائيةٌ حول فيروس كورونا إتخذت أيضا في تعاملها مع الوباء، نفس التقابل بين إتجاهٍ سحري ميتافيزيقي واتجاهٍ علمي تجريبي.

انتشر الإتجاه الغيبي والسحري عند فئات واسعةٍ في هذه المجتمعات، مما جعلها تستخفُ بخطرهِ وترى أن لا جدوى من الوقاية منه؛ ويرجعُ سبُبُ ذلك في انتشار ثقافة دينيةٍ سطحيةٍ تقومُ على خطاب فقهي تقليدي جامدٍ، وتهميشُ الخطاب العقلاني المتنور للكثير من الأطباء والعلماء في تاريخنا القديم والحديث.

لذلك، نرغبُ في هذا الموضوع أن نُوضح بعض الأسباب لما يحدثُ الأن من تعامل سحري وغيبي مع وباء كورونا، وأن ذلك ليس وليد اللحظة بل نتيجة نصوصٍ وأدبيات فقهيةٍ جامدة كانت رائجة منذُ قرونٍ، وخاصة  في زمن الانحطاط الفكري وتوقف الإجتهاد، ما يفسر لنا لجوء الكثيرين إلى الأدعية والصلوات وممارسة الشعائر الدينية لمواجهة الوباء.

“وبعد يومين، جاءنا الإذن بالنزول إلى الكرنتينة الشنعاء الممنوعةُ عرفاً وشرعاً”؛ وأضاف مستنكراً إجراءات الحجر الصحي: “وأنزلُونا بقلعةِ تيكي وسط البحر بقصد بدعة الكرنتينة التي جعلُوها دفعاً للوباء قبح الله مبتدعها”.

كما يظن الكثيرون أن سبب الوباء عقاب إلهي أنزله الله على الكفار وابتلاءٌ للمسلمين، لذلك فهو، حسب فهمهم، قضاءٌ وقدرٌ لا ينفع رده ولا الوقاية منه؛ كما لا ينفع حذرٌ من قدرٍ.

لقد غاب عنِ الكثيرِ منا وهُو يتأملُ هذا النقاش، أن ذلك يجدُ أصولهُ في تاريخنا العربي الإسلامي، الذي عرف الكثير من الجوائح من الطاعون والمجاعة والجذري في حقب متنوعة. وقد حدث نفس الشيء حينها: انقسم النقاشُ بين فريقين: فريقٌ يفسرُ مصدر الوباء تفسيرا غيبيا وسحريا، وفريقٌ يفسرهُ تفسيرا علميا. فكيف كانت تفسيرات هؤلاء للأوبئة؟ ومن هم العلماء الممثلون لكل فريق؟

أ- فريقٌ من الفقهاءِ الذين تكلمُوا عن الوباء وخاصة الطاعون من خلال نصوص من القرآن أو الحديث دون أي نظر عقلي، فجاءت تفسيراتهم ميتافيزيقية وغيبية، ساهمت في انتشار الأوبئة والجوائح ولم تساعد أو تشجع على ظهورِ فهمٍ علمي لأسباب وعوامل ظهور الأوبئة وطرق العلاج والوقاية منها.

من بين هؤلاء، الفقيه ابن حجر العسقلاني 773/852ه في كتابه “بذل الماعون في فضائل الطاعون” (تح. أحمد عصام. دارالعاصمة. الرياض)، الذي يرى فيهِ أن للطاعون فوائدا كثيرة على المسلمين، من بينهَا أن المتوفي به يعتبرُ شهيدا؛ لذلك فالطاعون عذابٌ للكافرينَ وشهادة للمسلمين ورحمةٌ. بل يذهبُ إلى تحريم الفرار من الطاعون والبحث عن مكان آمن منه، لأنهُ قدرٌ من الله ولا ينفع فرار من قدر الله. ويستشهدُ في ذلك بالكثير من الأحاديث المنسوبة للنبي منها: “إن هذا الطاعون رجسٌ وبقية عذابٍ عُذبَ بهِ قومٌ…” و”إن هذا الوباء رجس أهلك الله به بعض الأمم، وقد بقي في الأرض منه شيء يجيئُ أحياناً ويذهبُ أحيانا…” و”أتاني جبريل عليه السلام بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلتُ الطاعون إلى الشام، والطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم، ورجس على الكافرين”.

المقريزي ينطلقُ من مشاهداته وكذلك من أحداث تاريخية، وهو يسرد الكثير من الشواهد التي تؤكد على أن سوء الحالة الإقتصادية للبلد بسبب انقطاع المطر أو الحروب، يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وندرة الغذاء فتظهر الأمراض وتنتشر الأوبئة. مما يدل على أن المقريزي في نظرته للطاعون لم يكن يعتقد أن مصدره الجن أو غضب إلهي.

ويذهب الفقيه في تفسيره الغيبي حد اعتبار الوباء مرضا يصاب به الإنسان عن طريق الجن، وليس أي وباء وإنما يخصُ بذلك الطاعون حين يقول: “ويفارقُ الطاعونُ الوباءَ بخصوصِ سببه الذي لم يرد في شيء من الاوبئة نظيرهُ، وهو كونهُ من طَعنِ الجن…”(م.ن.ص104)؛ ويستشهد بحديث نبوي يقول: “فناءُ أمتي بالطعن والطاعون. فقيل: يا رسول الله هذا الطعنُ قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: وخزُ أعدائكم من الجن. وفي كُلٍ شهادةٌ”. (م. ن. ص 109)

ويستنتج ابن حجر العسقلاني في الأخير أن الطاعون ملحمة من الجن، وكل منهما بتسليط العزيز الحكيم، عقوبة لمن يستحق العقوبة، وشهادة ورحمة لمن هو أهل لها.

في اعتقادي، إن هذه الصورة الغرائبية والميتافيزيقية التي قدمها العسقلاني عن الطاعون كانت بسبب عجز الأطباء في ذلك الزمن عن علاجه، وما كان يُخَلِفُهُ من قتلى وما يتركه من مجاعةٍ، حتى أنه كان يمحوا قرى ومدنا من الوجود، الأمر الذي جعل التفسيرات الخرافية والسحرية له تنتشر.

ب- فريق الفقهاء المتنورين والأطباء، وهو إتجاه ظهر بالموازاة مع الفريق السابقِ، ويُمثِلهُ بعضُ الفقهاء الذين تميزوا بميلهم إلى العقلانية، وعدم إغراقهم في سرد النصوص بل حاولوا التوفيق بينها وبين ما وصل له العلم في زمانهم.

لا يعني هذا أنهم تخلصوا نهائيا من التفسيرات السحرية وإنما كان أثرها في كتبهم أخفُ من غيرهم، ومنهم إبن خلدون والسيوطي والمقريزي والرازي ابن زكرياء وعلاء الدين ابن النفيس وابن سينا وغيرهم كثير…

سوف نقف عند تقي الدين المقريزي 764/845 هـ، الذي عبر عن أرائه من الطاعون في كتابه “إغاثة الأمة في كشف الغُمة” (تح. كرم حلمي فرحات. ط.2008 .1)، الذي خصصه لوصفٍ علمي دقيقٍ لحالِ الأمة أثناء الجوائح والأوبئة وخاصة الطاعون. وقد وقف على ظاهرة الغلاءِ الذي يؤدي إلى المجاعة، وهي أحدُ أسبابِ ظهور الطاعون.

كما يظن الكثيرون أن سبب الوباء عقاب إلهي أنزله الله على الكفار وابتلاءٌ للمسلمين، لذلك فهو، حسب فهمهم، قضاءٌ وقدرٌ لا ينفع رده ولا الوقاية منه؛ كما لا ينفع حذرٌ من قدرٍ.

طبعا، المقريزي هنا ينطلقُ من مشاهداته وكذلك من أحداث تاريخية، وهو يسرد الكثير من الشواهد التي تؤكد على أن سوء الحالة الإقتصادية للبلد بسبب انقطاع المطر أو الحروب، يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وندرة الغذاء فتظهر الأمراض وتنتشر الأوبئة. مما يدل على أن المقريزي في نظرته للطاعون لم يكن يعتقد أن مصدره الجن أو غضب إلهي.

كما أن الأطباء كان لهم موقف متقدم من الأوبئة والطاعون، وحاولوا إنطلاقا من مما وصلهم من كتب أبقراط وجالينوس وغيرهم، البحث في الأسباب الحقيقية للأوبئة، واقترحوا من خلال تجربتهم وما تيسر لهم في زمنهم طرقاً للوقاية كالحجر الصحي وعدم المخالطة وتهوية البيوت والإعتناء بالتغذية والنظافة.

وقد وجد الكثير من الباحثين في التاريخ أن الموقف من الإجراءات الصحية والإحترازية من الوباء التي ظهرت في أوربا الحديثة، كانت موضع رفض من بعض الفقهاء وبعض العلماء المسلمين الذين زاروا بعض الدول الاوربية في وقت الأوبئة، وكتب الباحث محمد الامين البزاز في مؤلف “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب” عن بعض هذه المواقف من الحجر الصحي la quarantaine ويذكر منها:

انتبه الباحث إلى أن هذا الوصف الدقيق للحجر الصحي دليلٌ على أنهُ كان غير معروفٍ عند المغاربة.

– مثال السفير المغربي ابن عثمان المكناسي الذي توفي 1799م، في كتابه “الإكسير في فكاك الأسير”، حيث ذكر أنهُ وصل إلى سبتة سنة 1779م ووجد الحجر الصحي بها وقال: “وقد ذكرُوا لنا قبل أن لا بد أن نجعل الكرنتينة، ومعناها أن يقيم الذي يردُ عليهم في موضعٍ معروفٍ عندهم مُعدٍ لذلك أربعين يوماً لا يخرجُ منهُ ولا يدخل إليه أحد… ولهم في ذلك تشديد كثير حتى أن الذي يأتي إلى صاحب الكرنتينة بالطعام يطرحهُ لهُ من بعد ويحمله الأخر ولا يتماسان. وإن ورد عليهم بكتاب ذكروا أنهم يغمسونهُ في الخل بعد أن يقبضُوهُ منه بقصبة”. (م. ن. ص404). وقد انتبه الباحث إلى أن هذا الوصف الدقيق للحجر الصحي دليلٌ على أنهُ كان غير معروفٍ عند المغاربة.

– مثالٌ عند أبو القاسم الزياني 1734/1833م في كتابه “الترجمانة الكبرى”، ذكر فيه تعرضه للحجر الصحي بتونس في السفينة التي كان يركبها مع بعض الحجاج وقال: “وبعد يومين، جاءنا الإذن بالنزول إلى الكرنتينة الشنعاء الممنوعةُ عرفاً وشرعاً”؛ وقال مستنكراً إجراءات الحجر الصحي: “وأنزلُونا بقلعةِ تيكي وسط البحر بقصد بدعة الكرنتينة التي جعلُوها دفعاً للوباء قبح الله مبتدعها”. (م. ن. ص404).

إن هذه الصورة الغرائبية والميتافيزيقية التي قدمها العسقلاني عن الطاعون كانت بسبب عجز الأطباء في ذلك الزمن عن علاجه، وما كان يُخَلِفُهُ من قتلى وما يتركه من مجاعةٍ حتى أنه كان يمحوا قرى ومدنا من الوجود، الأمر الذي جعل التفسيرات الخرافية والسحرية له تنتشر.

– مثال العربي المشرفي، الذي توفي 1895م. وهو ذاهبٌ إلى الحج، وجد المشرفي في مصر السلطات الفرنسية تضعُ الحجاج بالحجر الصحي، وقال: “نعوذُ بالله من هذا الاعتقاد، فلا يموتُ ميتٌ دون أجله”.(م. ن. ص404)

– مثال الناصري 1835/1897م في كتابه الإستقصاء، يذهبُ في فتوى تحرم الحجر الصحي لأنه إعتراضٌ على قضاء الله وقدره، وأنه مخالفٌ لإعتقادات المسلمين الدينية ويقول: “فالحاصلُ أن الكرنتية اشتملت على مفاسد كل منها محقق، فتعين القول بحرمتها، وجَلبُ النصُوصِ الشاهدةُ لذلك من الشريعة لا تعوز البصيرة”.(م. ن. ص404).

بعد هذه الشواهد، نصل إلى أن الفقهاء اختلفُوا حول الموقف من الأوبئة، بين من ذهب في اتجاه قدري وغيبي يناقشُ في شرعية الوقاية واتخاذِ الحيطة والحذر، ويعتبر أنه لا ينفع حذر مع قدر بل ويُرغبُ الإنسان المسلم في الإصابة بالوباء و ينهاهُ عن تجنبه، باعتباره إبتلاء من الله ورحمة؛ واتجاهٌ كان أكثر عقلانية في تفسيره للأوبئة التي شهدها التاريخ، وقدم الوباء كمرض لهُ أسبابهُ الطبيعية التي يمكن معرفتها، وحاول البحث في طرق الوقاية والعلاج التي كانت متوفرة. من هؤلاء، الأطباءُ المسلمون الذين تركوا الكثير من الرسائل والكتب في الأوبئة والطاعون خاصة.

ولا حاجة لنا بعد هذا العرض المختصر إلى القول بأن الزمن يتحرك ببطء في مجتمعاتنا وأن نفس النصوص والمواقف الخرافية والغيبية من الأوبئة، لا زالت حاضرةً وانتعشت أكثر مع وباء كورونا، كما كانت في تاريخنا مع الطاعون وأوبئة أخرى.

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *