×
×

أسماء بن العربي: وجاءت سكرة كورونا بالحق!

في لمح بصر، تخثر الزمن، بل إنه فاض في حياتنا، وصار علينا أن نبتكر ما نملأ به فم الساعات المفتوح، علينا أن نعيد اكتشاف هذه الحياة التي لا سعار ولا جري ولا زحام فيها. هذه الحياة الرتيبة التي لن يكسرها ضيف ولا متطفل ولا موعد ولا رغبة في شيء بعيد. حياة صار فيها جافيل أهم من العطر والكمامة أهم من أثمن الحلي.
حياة عادت بنا إلى ما هو جوهري: حفظ الحياة. وكشفت الكم الهائل للرغبات الكاذبة في حياتنا والرهانات الخاطئة والجري الذي لا طائل من ورائه

هل فهمنا الحياة، حقا، قبل آفة كورونا؟ هل سنفهمها بعد مرورها؟

أم أن هناك غباء متأصلا فينا يجعلنا دوما نخطئ موعدنا معها!؟

نحن الذين كنا نتأفف من الزحام ومن امتلاء الشوارع بالناس والحركة…

نحن الذين كنا نصارع الزمن فيصرعنا في كل مرة ولا نجد الوقت لا للأكل ولا للاستحمام ولا للنوم ولا لمجالسة الأصدقاء ولا لإنجاز مشاريعنا المؤجلة دوما…

نحن الذين كنا في قلب زوبعة حقيقة من الجري واللهاث كي لا نخلف موعد خروج الترام أو القطار وموعد الوصول للعمل وإنجاز ما طلبه من المسؤول ولا يبقى لنا وقت للعناية بأنفسنا. أحياناً نمشط شعورنا في السيارات ونكمل زينتنا ونرتب هندامنا وننتبه بأننا، في عجلة الخروج، نسينا الهاتف أو وثيقة مهمة…

نحن الذين كنا نستعين بمذكرة تسند ذاكرتنا المزدحمة بالمواعيد والوعود والمشاريع ونعرف بأنها هي أيضا لن تنفع، فحياتنا وما هو مطلوب منا أكبر من ذاكرتنا وأسرع من جرينا وأعلى من حرصنا على أن نقوم بكل شيء في وقت واحد…

نحن الذين كنا لا نجد الوقت لآبائنا وأمهاتنا ونخشى أن يباغثنا ضيف فيحدث خللا جسيما في ترتيبنا المزعوم للوقت…

نحن الذين كنا نتصور بأن الحياة في مكان آخر بعيد، فنحلم بالساحات والحدائق والشواطئ البعيدة. نحلم بالطائرة ولقاء شعوب لا تذكرنا بأنفسنا وحالتنا…

نحن الذين كنا نتأفف من كل شيء ونلعن مع اللاعنين الحكومة والإدارة والتخلف الذي نراه في كل شيء….

نحن أبناء هذه القرية الصغيرة التي صارها العالم. أبناء عالم خرجنا فيه من دُورِنا ولم نعد إليها بوصفها سترا لنا. نحن كائنات هذا العالم المجنون الذي صار لكل واحد فيه حق الكلمة، فتزاحمت في ساحاتنا وشاشاتنا أشد التفاهات مع التماعات الفكر…

نحن ضحايا أنفسنا وضحايا هذا العالم الذي صنعه مدراء الشركات الكبرى وصنعته السلع وآلات تحويل الناس لفئران مذعورة.

نحن من أفقنا على كابوس كورونا الذي رفس كل هذا وأعمل منشارا رهيبا فصل به حياتنا قطعتين غريبتين عن بعضهما البعض. فجأة، صار لزاما علينا أن نرابط بالبيت وأن لا نخرج إلا للضرورة القصوى. وإن فعلنا، فعلينا أن نحافظ على مسافة أمان مع الناس وأن نسرع لنعود مذعورين إلى الدار بشكل قاتل: هل التصق بنا الفيروس اللعين!؟

في لمح بصر، تخثر الزمن، بل إنه فاض في حياتنا، وصار علينا أن نبتكر ما نملأ به فم الساعات المفتوح. علينا أن نعيد اكتشاف هذه الحياة التي لا سعار ولا جري ولا زحام فيها. هذه الحياة الرتيبة التي لن يكسرها ضيف ولا متطفل ولا موعد ولا رغبة في شيء بعيد. حياة صار فيها جافيل أهم من العطر والكمامة أهم من أثمن الحلي.

حياة عادت بنا إلى ما هو جوهري: حفظ الحياة. وكشفت الكم الهائل للرغبات الكاذبة في حياتنا والرهانات الخاطئة والجري الذي لا طائل من ورائه. كم سنحن للناس وللزحام ولمماحكاتنا مع نادل المقهى ولضيق الانتظار في مفاصل الطرق أمام الضوء الأحمر؟ كم سنحن لما عشناه ولما كنا نعتقد بأنه مهم جدا، لكن كورونا أنهت كل شيء… وسنخرج، حين نخرج، بشرا جديدا سيتخلى من بين ما سيتخلى عنه عن تلك النرجسية التي تزين لكل واحد منا فكرة أنه مركز العالم.

سنستمر في نشر صورنا وبعض أحداث حياتنا، لكن بفكرة أن كل هذا مهدد وكل هذا بإمكانه أن يختفي في لمح بصر. سنخرج لنحب ولنتصالح مع الحياة ولنتنبه لما هو جوهري فينا: بسمة، حركة إيخاء وتفهم ومواساة.

سنخرج لنجد عالما آخر براهانات جديدة وبقلب جديد. وسيقول كل واحد منا: إننا لا نملك إلا هذا الوطن وهذه الحياة، فلنخدمهما بإخلاص وحب….

تعليقات

  1. كبيرة

    احسنت لخصت واقعنا في زمن كورونا

  2. عبد الصادق بغشو

    اتمنى صراحة ان نعيد ترتيب اولوياتنا ونعتز بدواتنا وعلقاتنا… لكني جد متشائم من يحدث هذا التغيير وان نتخلى عن جرعة من الانانية على اعتبار ان الانسان كاين اناني أو بصيغة فلسفية الانسان ذئب لأخيه الانسان، ذاكرتنا سواء الفردية او الجمعية قصيرة فلم نستفد من الحروب والاوبئة وفي كي مرة نعيد تكرار المرارة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *