×
×

كيف يغير الخوف من الأوبئة نفسية وسلوك البشر؟

نادرا ما احتل الخطر الناجم عن أي مرض هذا القدر من تفكيرنا واهتمامنا. في الأسابيع الأخيرة، كل وسائل الإعلام في العالم تقريبا تنشر أخبارا وتقارير مفصلة عن وباء فيروس كورونا المستجد، كما أن الشبكات الاجتماعية مليئة بالإحصاءات المخيفة أو النصائح العملية أو الكوميديا السوداء.

هذا السيل المستمر من الأخبار عن هذا الوباء، وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، قد يؤدي إلى زيادة القلق وبالتالي التأثير على صحتنا العقلية… كما أن الشعور المستمر بالتهديد قد تكون له آثار أخرى أكثر فداحة على حالتنا النفسية.

جهاز المناعة السلوكي

قبل ولادة الطب الحديث، كانت الأمراض المعدية واحدة من أكبر المخاطر التي تهدد بقاء البشر.

ولحسن الحظ، يمتلك جهاز المناعة الخاص بنا بعض الآليات المدهشة لمواجهة وقتل الأجسام الغريبة التي تصيبنا بالأمراض.

إلا أن التعرض للإصابة بمرض له كلفة بدنية. مثلا، ارتفاع درجة حرارة الجسم أثناء الحمى ضروري للاستجابة المناعية الفعالة، ولكن هذا يؤدي إلى زيادة في استهلاك طاقة الجسم بنسبة 13٪.

يقول مارك تشالر من جامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر بكندا بـ”بي بي سي”: “إن الإصابة بالمرض والسماح لهذا الجهاز المناعي الرائع بالعمل، أمر مكلف فعلا”.

أي شيء يقلل من خطر العدوى في المقام الأول يقدم لنا ميزة واضحة للبقاء. لهذا السبب، طور البشر بلا وعي مجموعة من الاستجابات النفسية، أطلق عليها تشالر “جهاز المناعة السلوكي”، لتكون بمثابة خط الدفاع الأول لتقليل اتصالنا مع مصادر الأمراض المحتملة.

يعد رد فعلنا وشعورنا بالاشمئزاز واحدا من أكثر مكونات نظام المناعة السلوكية وضوحا.

مثلا… مجرد شعورنا بأننا قد أكلنا بالفعل شيئا فاسدا يمكن أن يقودنا إلى القيء، وإخراج الطعام قبل أن تتاح للعدوى فرصة الاستقرار.

وتشير الأبحاث إلى أننا نميل أيضا إلى تذكر المواد التي تثير الاشمئزاز بقوة أكبر، مما يسمح لنا بتذكرها، وبالتالي تجنب المواقف التي قد تعرضنا لخطر الإصابة بالعدوى لاحقا.

هذه الاستجابات قد تكون بدائية تماما، فأسلافنا لم يكن لديهم فهم للأسباب الخاصة لكل مرض أو طريقة انتقاله.

وتوضح لين آرو من جامعة آرهوس في الدنمارك لـ”بي بي سي” أن جهاز المناعة السلوكي يعمل وفق مبدأ “من الأفضل البقاء سالما بدلا من الإحساس بالندم”.

اليقظة الأخلاقية

يجادل تشالر بأن العديد من قواعدنا الاجتماعية الضمنية مثل الطرق التي يمكننا أو لا يمكننا إعداد الطعام بها، أو مقدار الاتصال الاجتماعي المقبول أو غير المقبول، أو كيفية التخلص من النفايات البشرية يمكن أن تساعد في تقليل مخاطر العدوى.

ويقول: “على مدار تاريخ البشرية، تخدم الكثير من الأعراف والطقوس هذه الوظيفة المتمثلة في إبقاء الأمراض بعيدة عنا”.

ويضيف: “الأشخاص الذين يلتزمون بهذه المعايير خدموا البشرية خدمة صحية كبيرة، أما الذين انتهكوا هذه المعايير فلا يعرضون أنفسهم للخطر فحسب بل الآخرين أيضاً”.

نتيجة لذلك، من المفيد أن تصبح أكثر احتراماً للاجماع عند مواجهة تفشي العدوى.

قد يفسر المنطق نفسه لماذا أصبحنا أكثر يقظة من الناحية الأخلاقية عند تفشي الأوبئة. أظهرت الدراسات أنه عندما نخشى العدوى، فإننا نميل إلى أن نكون أكثر قسوة عند الحكم على الخروج عن الإجماع (مثل الموظف الذي يسيء لشركته) أو عندما نرى شخصاً لا يحترم سلطة القضاء.

التعامل مع كوفيد-19

يختلف تأثير “جهاز المناعة السلوكي” من شخص لآخر، ولن يتأثر الجميع بنفس الدرجة.

تقول آرو: “لدى بعض الأشخاص نظام مناعة سلوكي حساس مما يجعلهم يتفاعلون بشدة أكبر مع الأشياء التي ينظرون إليها على أنها مصدر خطر محتمل للعدوى”.

وتشير الأبحاث إلى أن هؤلاء الأشخاص سيكونون بالفعل أكثر احتراماً للمعايير الاجتماعية وأكثر عدم ثقة بالغرباء من الشخص العادي، كما أن الخطر المتزايد للمرض سيؤدي ببساطة إلى تشددهم في مواقفهم.

صحيح أننا لا نملك حتى الآن أي بيانات ثابتة عن كيفية تغيير تفشي فيروس كورونا لعقولنا، لكن نظرية “نظام المناعة السلوكي” ترجح هذا الاحتمال.

يجادل يوئيل إنبار من جامعة تورنتو في كندا في حديث مع “بي بي سي”، بأن هذا التغيير سيكون طفيفا نسبيا لدى غالبية السكان وليس تحولا كبيرا في المواقف الاجتماعية.

فقد لوحظ ظهور بعض الأدلة على التغيير الاجتماعي خلال تفشي وباء إيبولا، عام 2014، إذ أظهرت عينة ضمت أكثر من 200،000 شخص أن المواقف الضمنية تجاه المثليين والمثليات قد تراجعت قليلاً أثناء تفشي المرض.

“لقد كانت تجربة طبيعية حيث كان يقرأ الناس مخاطر الأمراض كثيرا، ويبدو أنها غيرت المواقف قليلا”، يقول إنبار.

هكذا، سواء كنا من أنصار الإجماع أو نحكم على سلوك شخص آخر أو نحاول فهم أهمية سياسات احتواء مختلفة، فقد نتساءل عما إذا كانت أفكارنا حقًا وليدة تفكير منطقي، أو ما إذا كانت قد تشكلت من خلال استجابة قديمة تطورت عبر آلاف السنين قبل اكتشاف نظرية الجراثيم.

بتصرف عن موقع هيئة الإذاعة البريطانية.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *