×
×

محمد عبد الوهاب رفيقي: حين يحتفي التراث الإسلامي بالمرأة

تروج كل كتب التراث لروايات حديثية منسوبة للنبي، لا يدري أحد صحة النسبة من وهائها، وإن صحت ففي أي سياق وبأي معنى؟
المرأة شيطان، المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، المرأة تقطع صلاة الرجل مثلها مثل الحمار والكلب الأسود، المرأة ناقصة عقل ودين، المرأة أكثر أهل النار، المرأة أخرجت آدم من الجنة، المرأة خلقت من ضلع أعوج، ليس في الدنيا فتنة أضر على الرجل من المرأة، الشؤم في الفرس والمرأة والدار…

مع تجدد النقاش عن المرأة وحقوقها، وهو نقاش ضروري في مرحلة انتقالية كالتي نعيشها، يتكرر نفس الكلام  من طرف الإسلاميين على أسماع المتعاطفين: “الإسلام كرم المرأة”، و”المرأة جوهرة مصونة”، إلى غيرها من العبارات التي استوردها المغرب من معجم الخطاب السلفي النجدي الذي طور وسائل خطابية لتبرير انتهاكاته الجسيمة بحق المرأة هناك، ومنعها من حقوقها الشرعية التي لا يختلف فيها اثنان، كالحق في ستر الوجه أو كشفه، والحق في قيادة السيارة والحق في الانتخاب، لن نتحدث هنا عن الأمور الخلافية وغيرها من حقوق المرأة المعاصرة!

يمكن فهم هذا الخطاب الحركي تجاه المرأة بأنه خطاب تبريري وتجميلي للورطة الحقيقية التي يعاني منها التفكير الإسلامي المعاصر تجاه المرأة، لا يسعف التراث الإسلامي في بناء صورة حقيقية عن تنزيل حقيقي للتكريم الذي كرسه الإسلام، بل جل النصوص التراثية تصب في خانة المزيد من تهميش دور المرأة، والحد من نشاطها الاجتماعي، حتى وصل الحال بالفقهاء في عصور الجمود إلى استحداث فتاوى تهين المرأة بواقع الحال، وتمعن في التمييز بينها وبين الرجل في الأحكام!

فبعكس قضايا أخرى، والتي ضاع واقعها العملي في ثنايا الممارسة التاريخية، ولم يتبق إلا أصداء نستنتجها من ركام المرويات التاريخية، فإن قضية المرأة يمكن الإطلال عليها كما تصورها الناتج التراثي الإسلامي في الدول التي تطبق مقتضيات الفقه التراثي بخصوص المرأة بحذافيره. واقع المرأة في هذه الدول اليوم، بكل مشاكلها، وما تعانيه في أحكام الطلاق، والعمل، والحرية الفردية، وممارسة الرقابة الشديدة، هي نموذج لما عليه هذه الكتب.

أي إسلام يتحدث عنه هؤلاء حين يعقدون ندوات ومحاضرات ومناظرات للتداول بشأن سياقة المرأة للسيارة؟ أو ممارسة حقها في الانتخاب الذي طالما عارضه السلفيون في مختلف دول الخليج؟ وأي إسلام هذا الذي يزعمون أنه كرم المرأة، ثم لم يتركوا لها حرية الاختيار حتى في ألوان لباسها وهيئتها؟

ألف المرحوم محمد التاويل، أحد فقهاء القرويين، كتابا بعنوان “لا ذكورية في الفقه”، يعتبر فيه الشيخ وصف الفقه بالذكورية مقولة شيطانية، هدفها القضاء على الفقه الذي أنتجه المسلمون بحيادية، وأدى إلى تفوقهم على سائر الأمم والحضارات.

ليس من غرضي هنا الحديث عن الحيادية في الاجتهاد، وأن سبب التفوق كان هو الفقه. أجد أن هذه الادعاءات طوباوية، ولا تصمد أمام التحليل التاريخي والمنطقي. لكن، هل صحيح أن الفقه لا ذكورية فيه؟ وأن هذه العبارة من نسج خيال “أعداء الفقه الإسلامي”؟

أعتقد أن الكتب التراثية عينها تخطئ دعوى الشيخ ودعوى كل التراثيين الآخرين، ذلك أن كتب التراث تبني تصورها على المرأة ضمن الأطر الآتية:

ـ المرأة ليست محل تشريف وتفضيل لنقصها، يبدو ذلك واضحا من قول الماوردي – على سبيل المثال- وهو يتحدث عن الإمامة: “الإمامة ولاية وموضع فضيلة وليست المرأة من أهل الولايات”. يشرح ذلك القلقشندي بقوله: والمعنى في ذلك أن الإمام لا يستغني عن الاختلاط بالرجال والمشاورة معهم في الأمور، والمرأة ممنوعة من ذلك، ولأن المرأة ناقصة في أمر نفسها حتى لا تملك النكاح فلا تجعل إليها الولاية على غيرها.

يناظره في هذا المعنى ما يبرر به عدم تولية المرأة خطة القضاء فيقول: “ولا يكتفى بالعقل المشترط في التكليف، بل لا بد أن يكون صحيح التمييز جيد الفطنة بعيدا من السهو والغلط، ولا يصح من المرأة لنقصها”.

ليست مثل هذه الأقوال شذوذا داخل التراث الإسلامي. يحكي البغوي الإجماع على هذه النظرة الدونية للمرأة فيقول: “اتفقوا على أن المرأة لا تصلح أن تكون إمامًا ولا قاضيًا لأن الإمام يحتاج إلى الخروج لإقامة أمر الجهاد والقيام بأمور المسلمين، والقاضي يحتاج إلى البروز لفصل الخصومات، والمرأة عورة لا تصلح للبروز، وتعجز لضعفها عند القيام بأكثر الأمور، ولأن المرأة ناقصة والإمامة والقضاء من كمال الولايات فلا يصلح لها إلا الكامل من الرجال”.

المرأة سفيهة عند كل المفسرين كما ينقل ابن كثير الدمشقي -وهو أحد كبار المفسرين-: (والسَّفيه: هو الجاهل الضعيف الرّأي القليل المعرفة بمواضعِ المصالح والمضار؛ ولهذا سمى اللهُ النساءَ والصبيانَ سفهاء، في قوله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} قال عامة علماء التفسير: هم النساء والصبيان).

ـ اعتبار المرأة مصدرا للشر: يمكن اعتبار كتب الحسبة من أكثر المصنفات التي يبدو فيها هذا المعنى حاضرا وبكثافة، حتى شاع عند الفقهاء الذين كتبوا في الاحتساب منع تعليم المرأة لأن شرها يتضاعف. جاء في كتاب (نهاية الرتبة في طلب الحسبة) لأبي المظفر العدوي الشافعي: “ولا يعلم المؤدب الخط امرأة ولا جارية؛ لأن ذلك مما يزيد المرأة شرا، وقيل: إن مثل المرأة التي تتعلم الخط مثل حية تسقى سما”، يتكرر نفس المعنى ونفس العبارة في أكثر من كتاب!

تروج كل كتب التراث لروايات حديثية منسوبة للنبي، لا يدري أحد صحة النسبة من وهائها، وإن صحت ففي أي سياق وبأي معنى؟ المرأة شيطان، المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، المرأة تقطع صلاة الرجل مثلها مثل الحمار والكلب الأسود، المرأة ناقصة عقل ودين، المرأة أكثر أهل النار، المرأة أخرجت آدم من الجنة، المرأة خلقت من ضلع أعوج، ليس في الدنيا فتنة أضر على الرجل من المرأة، الشؤم في الفرس والمرأة والدار…

المرأة في كتب التراث خلقت لإرضاء شهوات الرجل وتلبية غرائزه، متى حققت له إشباعا جسديا استحقت رتبا أعلى في الجنة. يروون عن النبي أخبارا وأحاديث تجبر المرأة على تلبية رغبات زوجها وإن كانت على ظهر دابة، أو كانت على فرن تهيء الخبز: “إذا الرجل دعا زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على قتب” (وإن كانت على تنور)! المرأة التي لا تلبي رغبة الزوج لعدم استعدادها أو رغبتها أو نفورها تستحق غضب الله ولعنة الملائكة!

أما الضرب، الذي يؤول له الفقهاء اليوم بما شاؤوا، فقد كان شائعا في عدد من الأحكام الفقهية، حيث يجوز للرجل أن يضرب زوجته إذا تركت الصلاة، فقط لا ينبغي له أن يفسد جمال وجهها بكثرة الضرب. يقول الفقيه عمر السنامي الحنفي: “ويجوز للرجل ضرب المرأة على ترك الصلاة ضربا لا ينقص منها جمالا”.

المرويات المنسوبة للنبي عليه السلام في مدونات الحديث تتحدث عن المرأة بكل عبارات الإهانة والتحقير: (لا يسأل الرجل فيما ضرب أهله)، (علّقوا السوط حتى يراه أهل البيت فإنه آدب لهم). هل هذه بهيمة أم امرأة كرمها القرآن وجعلها شقيقا للرجل؟ يفصل الفقهاء في تنزيل هذه الأحاديث ، فيقول الشافعي: (فأما إذا ضربها وجب في ذلك الضرب أن يكون بحيث لا يكون مفضيا إلى الهلاك البتة، بأن يكون مفرقا على بدنها، ولا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوج ؛ لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين)، هكذا يقدم فقهاؤنا دروسا في كيفية الضرب وشكله ومحاذيره!

اعتاد البعض على اعتبار هذه الاجتهادات الفقهية “شاذة”، أو “نادرة” في الفقه؛ وهو قول يندرج تحت إطار “عذر أقبح من ذنب”، بل لهذه الاجتهادات نظائر كثيرة وغزيرة في كل الكتب الفقهية، الأمر الذي يشكل تصورا وانطباعا عاما عن المخيال الجمعي الذي كان مسيطرا على المجتمع الفقهي والإسلامي تجاه المرأة.

حين تجد رمزا تراثيا كأبي حامد الغزالي، وهو الملقب لديهم بحجة الإسلام، يعبر بدقة عن نظرة الفقهاء للمرأة ووضعها في بيت الزوجية، فيقول: (النكاح نوع من الرق، فهي رقيقة له، وبما أنه نوع من الرق، فطاعة الزوج عليها مطلقة في نفسها مما لا معصية فيه). ويلخص كل هذه الأحكام فيقول: (فالقول الجامع في آداب المرأة من غير تطويل، أن تكون قاعدة في قعر بيتها، لازمة لمغزلها، لا يكثر صعودها واطلاعها، قليلة الكلام لجيرانها، لا تدخل عليهم إلا في حال يوجب الدخول، تحفظ بعلها في غيبته، وتطلب مسرته في جميع أمورها، ولا تخونه في نفسها وماله، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن خرجت بإذنه فمختفية في هيئة رثة، تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق، محترزة من أن يسمع غريب صوتها، أو يعرفها بشخصها، لا تتعرف إلى صديق بعلها في حاجاتها، بل تتنكر على من تظن أنه يعرفها أو تعرفه، همها صلاح شأنها، وتدبير بيتها، مقبلة على صلاتها وصيامها).

ليس فقها شاذا إذن، بل هو مخيال جمعي يفسر سبب منع النساء من الخروج من البيت ومنعهن من الدراسة والتحصيل، وسبب نمو عقلية ذكورية تحتكر كل شيء في مقابل امرأة عاجزة، تقمع في كيانها ووجودها باسم الله، وقد حان وقت التنقيح والتصحيح.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *