×
×

كوثر بوبكار تكتب: باسم الشعب… أي شعب؟

الشعبوية أسلوب سياسي للاستيلاء على السلطة أو تحقيق مكتسبات ذاتية، يستغل رمزية بعض التمثيلات الاجتماعية، الثقافية أو الدينية في عمليات خطابية. تقوم الشعبوية على مجموعة أساليب أهمها: أولا – تمثيل …

الشعبوية أسلوب سياسي للاستيلاء على السلطة أو تحقيق مكتسبات ذاتية، يستغل رمزية بعض التمثيلات الاجتماعية، الثقافية أو الدينية في عمليات خطابية.

تقوم الشعبوية على مجموعة أساليب أهمها:

أولا – تمثيل الشعب أنه واحد لا يتجزأ، أي أنه كيان متجانس اجتماعيا، ثقافيا وسياسيا.

ثانيا – الادعاء بالأحقِّية الحصرية للحديث باسم هذا الشعب.

ثالثا – خطاب عاطفي دوغمائي، يميزه الهجوم والقدح في المخالفين. خطاب غضب تجاه الخصوم مليء بالشخصنة وبعيد عن الموضوعية والمنطق.

رابعا – كبش فداء تنسب إليه مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى السياسية.

خامسا – التشكيك في أحقية النخبة المعارضة واتهامها بالفساد.

… ومن خلال ذلك، يظهر هنا، أن الإشكال الأول، يبدأ في تحديد مفهوم الشعب، فما هو هذا الكائن المتخَيَّل الذي يتحدث الكثيرون باسمه ومن أجله؟

الشعب أكبر من أن يمثله صوت يعلو ببلاغة، ومصلحته أرقى من أن تصب في تيار وحيد، فمصلحته الأولى في وحدته التي تستلزم لا محالة، استحضار العقل النقدي واحترام تنوع تشكيلاته.

هل هو نسيج متجانس يمكن اختزاله في فكر وحيد كما يدعي الشعبوي؟ أم هو تركيبة معقدة يصعب حتى تعريفها؟.

تعريف الشعب يكتسي صبغة بالغة القيمة، إذا نظرنا الى أنه ذكر في نصوص الدستور المغربي.

الفصل 174:

“تعرض مشاريع ومقترحات مراجعة الدستور، بمقتضى ظهير، على الشعب قصد الاستفتاء. تكون المراجعة نهائية بعد إقرارها بالاستفتاء. للملك، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية، أن يعرض بظهير، على البرلمان، مشروع مراجعة بعض مقتضيات الدستور. ويصادق البرلمان، المنعقد، بدعوة من الملك، في اجتماع مشترك لمجلسيه، على مشروع هذه المراجعة، بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منھم. يحدد النظام الداخلي لمجلس النواب كيفيات تطبيق ھذا المقتضى. تراقب المحكمة الدستورية صحة إجراءات هذه المراجعة، وتعلن نتيجتھا.”

اقرأ أيضا: كوثر بوبكار، من أبرز الباحثين في ميدان النانوتيكنولوجيا في العالم: ساهمت في تصميم رقاقة استعملت في الرحلة الفضائية التي أطلقها مركز الفضاء الأوروبي نحو كوكب المشتري

… يمكننا محاولة تعريف الشعب سطحيا، من خلال هذا الفصل، بإحالته على مجموع الناخبين المغاربة.

يطرح هذا التعريف اشكالات عدة!

ماذا عن غير الناخبين، كالقاصرين أو السجناء أو المحكومين بعقوبات حبسية لجنايات مثل السرقة أو النصب، الذين لم يعد بإمكانهم حق التصويت، أليسوا أيضا جزء من الشعب المغربي؟

قد نحاول تعريف الشعب بتحديد مفاهيم انتماء قِوامها تاريخ، لغة وثقافة مشتركة، لكن هذا سيفتح بابا خطيرا للانقسامات، وادعاء تواجد شعب أمازيغي، صحراوي، فاسي …. في حين أن الشعب الشرعي الوحيد، هو الشعب المغربي.

قد نحاول أيضا أن نُعَرف الشعب كونه مجموعة أفراد، يقيمون على أرض محددة جغرافيا، وهنا… نتساءل عن الجالية المقيمة في الخارج، خاصة إذا أخدنا بعين الاعتبار، أنها تساهم بقوة في ضخ العملة الصعبة في الاقتصاد المغربي، وأنها أُقصيت من التصويت في الانتخابات التشريعية لسنة 2016.

فهل هي جزء من الشعب أم لا؟

وقد نحاول أيضا، تعريف الشعب في كل من يحمل الجنسية المغربية، وهذا سيحيلنا إلى إشكالات جديدة أخرى. فهناك على سبيل المثال، من ولد وترعرع بعيدا عن الثقافة واللغة والأرض الوطنية، ولا يشعر بالانتماء لهذا البلد، هل هو أيضا جزء من الشعب المغربي؟

وهناك أيضا… من حرمته ظروف والديه الاقتصادية أو الاجتماعية، من أن يحصل على بطاقة تعريف وطنية، بل وحتى على عقد ازدياد، أليست هذه الفئة أيضا، جزء من الشعب؟

إلى جانب الشعب، ذكر الدستور المغربي مصطلح الأمة في فصول عدة، وهو بهذا يميز بين المفهومين.

قد نُعرف الأمة على أنها ساكنة تعيش في حدود جغرافية معينة، وتقتسم نفس الثقافة والنسيج الحضاري النسبي والتاريخي.

تركيبة الشعب المغربي متنوعة ومعقدة، وفي هذا يكمن غناها وقوتها، وتاريخ البشرية شاهد على أن التطور يأتي من الاختلاف، وأن الفكر الوحيد مآله الفشل، ولو نجح مرحليا، لأن التغير هو الثابت الوحيد في الحياة، وبالتنوع والاختلاف، نستطيع مواجهة تحديات العالم المتغير باستمرار.

الأمة بالنسبة لي، هي كائن متخيل، أو روح مشتركة، تستمد جذورها من الماضي، وتحاول بناء حاضر ومستقبل مشترك، أساسه رغبة في العيش معا، تصل أوجها في الاستعداد للتضحية من أجل الحفاظ على ما اصطلح على تسميته… الوطن.

وبهذا، تكون الدولة هي المؤسسة القانونية، التي تسمح بإدارة الأمة، وتنظيم الحياة المشتركة لكل أفرادها.

صعوبة تعريف الشعب، تُظهر أنه بعيد كل البعد على أن يكون تركيبة متجانسة، أو أن يُختزل في توجه فكري واحد.

تركيبة الشعب المغربي متنوعة ومعقدة، وفي هذا يكمن غناها وقوتها، وتاريخ البشرية شاهد على أن التطور يأتي من الاختلاف، وأن الفكر الوحيد مآله الفشل، ولو نجح مرحليا، لأن التغير هو الثابت الوحيد في الحياة، وبالتنوع والاختلاف، نستطيع مواجهة تحديات العالم المتغير باستمرار.

اقرأ أيضا: من نقد التراث إلى نقد العقل، الجابري يوثق لـ “استقالة العقل العربي” 2/3

وبعيدا عن الخطابات الشعبوية الغارقة في التبسيط، يبدأ تكوين الشعب من الإنسان بكل تناقضاته، طموحاته، آماله، آلامه واحتياجاته.

الإنسان الذي يشكل أسرة وعائلة، ومجتمعا ثم شعبا، لديه تجانس نسبي وعدد من العادات المشتركة، وملزم بقوانين تشريعية موحدة، تضمن التطور للجميع والتعايش مع الاختلاف.

الشعب أكبر من أن يمثله صوت يعلو ببلاغة، ومصلحته أرقى من أن تصب في تيار وحيد، فمصلحته الأولى في وحدته التي تستلزم لا محالة، استحضار العقل النقدي واحترام تنوع تشكيلاته.

التلويح بخطاب ديمقراطي ظاهريا يبطن الإقصاء للفكر الآخر عبث خطير. ويبقى العقل النقدي الذي يرفض الوصاية… هو السبيل الوحيد لتفادي فخ الشعبويين.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *