×
×

كوثر بوبكار، من أبرز الباحثين في ميدان النانوتيكنولوجيا في العالم، تكتب: زمن الاستعباد… في الحاجة للعقل النقدي

أصبحت الديمقراطية الليبرالية دينا، وقُسّم العالم إلى محور خير يتبنى هذا الدين ومحور شر مخالف له. ارتكبت جرائم كثيرة باسم هذا الصنم الجديد، ورغم ما نراه من خراب ناتج عن الحروب من أجل هذا الدين الأسمى، لا زالت الأغلبية تصبو إلى الديمقراطية الليبرالية كسبيل وحيد للتقدم.
أصبح التلاعب بالعقل والمفاهيم سهلا لدرجة أن الناس لا تتساءل عن بديهيات واضحة أحيانا.

التفكير النقدي هو تفكير منطقي يقوم على إخضاع كل ما يقدَّم من أفكار للنقد، قبل اتخاذ قرارات أو إطلاق أحكام عليها.

يرتكز هذا غالبا على التحليل الدقيق، إخضاع الحجج للتقييم والمنطق واستخدام كل هذا في مواجهة الإشكاليات التي نصادفها.

أهم خطوة في بناء العقل النقدي هي طرح الأسئلة الكافية لنكون فعّالين في ما نقرره، ولا نخضع للتلاعب بالعقول. وذلك يستلزم، الابتعاد عن التبسيط الكبير للأشياء، الرجوع بما يكفي للخلف وأخذ المسافة الضرورية لرؤية صورة مكتملة للمواقف، تحديد نقط التشعب والارتباط، تحليل المصادر، استبيان التهافت في التحليل والتفكير الذاتي قبل اتخاذ القرارات.

التفكير النقدي لا يُختزل فقط في النقد وإيجاد الهفوات في الأفكار المقدمة، بل هو يشمل أيضا التأمل في المحيط، الطبيعة، التاريخ الإنساني، وتحرير الذات لتبدع بطريقة فعّالة وتقرر بناء على كل هذا.

كلمات “العدل”، “التسامح”، “السلم” و”الإخاء” تردد فقط لتجعل الخطابات تبدو جميلة، لكنها أُفرغت من معانيها. في أحسن الأحوال، هي تقتصر على فئة دون أخرى، فنحن متسامحون مع من يشبهوننا فكريا أو سياسيا أوعقديا فقط.

التفكير النقدي هو التحرر من الوصاية على العقول، وتحمل مسؤولية اتخاذ القرارات بطريقة فردية ذاتية متحررة من العواطف والتأثيرات المحيطة.

لنحاول الآن إخضاع المرحلة التي نعيشها لتحليل نقدي :

لقد دخلنا عصر استبداد جديد، فلم يعد لازما ارتداء بذلة عسكرية وفرض قوانين الطوارئ للتحكم في الجماهير، بل أصبح اللباس المدني الأنيق واستعمال مسرحية الديمقراطية وصناديق الاقتراع كافيان للمستبد كي ينفرد بالسلطة بشكل إنساني وأخلاقي ظاهريا.

اقرأ أيضا: ناقد مغربي يقصف سكان القارة الزرقاء بقذيفة أرض جو، ويصفهم ب(المسحورين)

كيف لا والتلاعب بعقول الناخبين ممكن، وأساليبه متعددة بين عدم تمكينهم من ركائز التفكير النقدي، معايير الاختيار والمعلومات الكافية لاتخاذ القرار الصائب؛ أو بشكل آخر، التلاعب بعواطفهم عبر خطاب مبني على معلومات خاطئة أو غير دقيقة لاكتساب تعاطفهم، بدل مشاركتهم الايجابية في المشروع السياسي والمجتمعي المقترح.

أصنام جديدة

“إن الطابع الديماغوجي وخطة العمل على الجماهير مشتركة في الوقت الحالي بين جميع الأحزاب السياسية”، يقول نيتشه.

أصبحت الديمقراطية الليبرالية دينا، وقُسّم العالم إلى محور خير يتبنى هذا الدين ومحور شر مخالف له. ارتكبت جرائم كثيرة باسم هذا الصنم الجديد.

رغم ما نراه من خراب ناتج عن الحروب من أجل هذا الدين الأسمى، لا زالت الأغلبية تصبو إلى الديمقراطية الليبرالية كسبيل وحيد للتقدم.

أصبح التلاعب بالعقل والمفاهيم سهلا لدرجة أن الناس لا تتساءل عن بديهيات واضحة أحيانا. حين نوهم الجماهير أن الهجوم على العراق أو سوريا، كان من أجل تمكين شعوبها من الديمقراطية وتحريرها من ديكتاتور دموي، لا يتساءل الكثيرون كيف يمكن ذلك والتحالف الذي يسعى إلى هذا الهدف النبيل يضم دولة كالسعودية، التي أقل ما يمكن القول في حقها، إنها ملكية دينية بعيدة عن الديمقراطية. كيف لا نلاحظ أن العراق أو سوريا كانتا دولا تمكنت من خلق تعايش بين أقليات دينية، عرقية وثقافية مختلفة، ولم تكن تعرف الأمية إلا بنسب ضئيلة؟

يلزمنا أن نرى الأمور بحيادية أكثر، وأن نخرج من الثنائية القطبية لمحوري الخير والشر. بعقل نقدي، لماذا نتقبل استبداد بعض الرؤساء كأردوغان وخرقهم لحقوق الإنسان؟ هل توجههم الديني كافٍ لغض النظر؟ أم أن السياسة أصبحت تختزل في الاقتصاد والمصالح؟

ألم يخلق محور الخير، باسم الدفاع عن حرية الرأي، بؤر استبداد جديدة وصلت إلى حد عودة الاستعباد كما هو الحال في ليبيا؟

لا يمكن الدفاع عن سياسات صدام حسين أو بشار الأسد القمعية للرأي المخالف؛ لكن العقل النقدي يلزمنا أن نرى الأمور بحيادية أكثر، وأن نخرج من الثنائية القطبية لمحوري الخير والشر.

بعقل نقدي، لماذا نتقبل استبداد بعض الرؤساء كأردوغان وخرقهم لحقوق الإنسان؟ هل توجههم الديني كافٍ لغض النظر؟ أم أن السياسة أصبحت تختزل في الاقتصاد والمصالح؟

في الطريق نحو الاستعباد

إن الإرهاب أهم المفاهيم التي استعملت مؤخرا بحدة لتجسيد محور الشر، والتأثير على الرأي العام، لأن الخوف هو أهم المحركات العاطفية التي يتم التلاعب عليها.

يُقدّم لنا الإرهاب على أنه أكبر الشرور والمخاطر الحالية، التي يجب أن تأخذ كل اهتمامنا وتركيزنا، وواقع الحال أن عدد ضحايا الإرهاب بمختلف أنواعه عبر أنحاء الأرض، قليل بالمقارنة مع ضحايا آفات أخرى كحوادث السير أو آثار الرأسمالية البشعة من مضاربات جشعة أدّت الى مجاعات وفقر ومرض في بعض المناطق…

اقرأ أيضا:علم نفس الجماهير: هل كان غوستاف لوبون يتهجم على الجماهير أم يدرسها وحسب؟ 3/2

أصبحنا لا نستخدم العقل إلى درجة أنه أصبح عاديا أن تكون قيمة حياة شخص ما، مقرونة بجنسيته وماله وعلمه وإيمانه بمعتقد ما.

أصبحنا نرتب الناس في درجات. ابتعدنا عن أساس المساواة في الإنسانية وعن فكرة تمكين حياة كريمة للجميع، مهما كانت أعراقهم واتجاهاتهم الفكرية والعقدية.

كلمات “العدل”، “التسامح”، “السلم” و”الإخاء” تردد فقط لتجعل الخطابات تبدو جميلة، لكنها أُفرغت من معانيها. في أحسن الأحوال، هي تقتصر على فئة دون أخرى، فنحن متسامحون مع من يشبهوننا فكريا أو سياسيا أوعقديا فقط.

يكفي أن نستعمل العقل النقدي للحظة لنجد أن المحرك الأول للغالبية من الخطابات يمكن اختزاله في الأنانية والطمع.

نحن نعيش في مجتمع تحركه ثقافة الاستهلاك؛ وعوض أن يسمح المال بشراء الأشياء، سمح لهذه الأشياء بشراء إنسانية الفرد وعقله ووقته.

من منا يتوقف لحظة شرائه قطعة قماش، على ظروف إنتاجها من طرف أطفال في بنغلادش مثلا؟

حين نوهم الجماهير أن الهجوم على العراق أو سوريا، كان من أجل تمكين شعوبها من الديمقراطية وتحريرها من ديكتاتور دموي، لا يتساءل الكثيرون كيف يمكن ذلك والتحالف الذي يسعى إلى هذا الهدف النبيل يضم دولة كالسعودية، التي أقل ما يمكن القول في حقها، إنها ملكية دينية بعيدة عن الديمقراطية.

المجتمع الديمقراطي الرأسمالي الاستهلاكي المحض يفتح الطريق أمام أسوء أنواع العبودية، لأنه يترك لنا وهم الحرية والاختيار؛ والواقع أننا عبيد الأشياء التي نشتريها، كما يقول نيتشه “من لا يملك ثلثي يومه، فهو عبد”. ندرس لنعمل ونستهلك. أصبحنا نقيس النجاح بالقدرة على الاستهلاك، في ابتعاد عن معاني إنسانية كالسعادة والرضا عن الذات.

الجري وراء النمو الاقتصادي المستمر يخرب الكوكب الذي نحيا عليه، وينهب كل ثرواته. فهل هذا هو النموذج الذي نريده لنا ولأطفالنا، أم هناك إمكانية إيجاد نموذج بديل؟

هذا سؤال يطرح إمكانيتين: محاولة تغيير الديمقراطية الليبرالية بصيغتها الحالية، كي تتأقلم مع تحديات المرحلة الراهنة، أو تغييرها بإيديولوجية جديدة تحل محلها.

اقرأ أيضا: عبد القادر الشاوي يكتب لمرايانا: السلطة في زمن كوفيد المغربي… الاستثناء في مقابل الحرية والحقوق3/3

ربما تكون إحدى الحلول في الديمقراطية التي تضمن مجانية المنتوج الثقافي بمختلف أشكاله، وتضمن تكوين عقل نقدي لمواطنيها كي لا يسقطوا في فخ الشعبوية، وتدمج المشكل البيئي كأهم أولوياتها، فتشجع على الاستهلاك المحلي، وتتخلى على استنزاف ثروات الكوكب فقط لتحقيق نمو اقتصادي أكبر.

التحديات أكبر من أن يقدم شخص حلا شاملا لها، لكننا نثق في الذكاء الجماعي القائم على تفكير نقدي ومتحرر كي يجد مخارج ولو جزئية لرهانات المستقبل…

مهما كان هذا المخرج، فهو لن ينتج إلا عن استعمال العقل النقدي…

لقد صرح إدوارد سنودن بأن “الجواب على الأكاذيب ليس هو الرقابة، بل هو المزيد من النقاش العمومي”

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *