علي اليوسفي: تنزيل المبادئ اللائكية على أرض الواقع -اللائكية والعلمانية في بلاد الإسلام | Marayana - مرايانا
×
×

علي اليوسفي: تنزيل المبادئ اللائكية على أرض الواقع -اللائكية والعلمانية في بلاد الإسلام

على عكس العلمانيات الغربية التي قامت على أسس تاريخية وفلسفية، وجاء بعضها نتيجة ثورات شعبية، ووضعت كلها الإنسان الفرد وحقوقه وحرياته في قلب اهتماماتها، فإن القاسم المشترك بين القوميات التركية، الإيرانية والعربية، هو أنها شجعت على تقديس شخصية الزعيم. وما مصطفى كمال أتاتورك ورضا شاه وابنه محمد رضا شاه وجمال عبد الناصر وصدام حسين وحافظ الأسد ولحبيب بورقيبة وزين العابدين بنعلي، إلا الصور الصارخة لهذا التقديس. لقد اعتبر كل هؤلاء أنفسهم آباء الأمة الذين يملأ تقديسهم فراغ هوية اصطنعت بعجالة، ولم تُهضم: تحول مصطفى كمال بقانون رسمي إلى أتاتورك؛ أي أب الأتراك، وقدست كلماته وخطبه. ولم يحد إيران عن تقديس الشخصية/ الفرد، إذ قدم محمد ريزا بهلوي نفسه على أنه الأمير الذي اختاره الله، وأنه المؤمن الذي يحميه الله. بل إنه ظل الله في الأرض.

إذا فهمنا العلمانية بالمعنى الذي فصلناه في المقال السالف؛ أي بما هي تسيير للشأن الدنيوي الاجتماعي وفقا لتوافق المجموعة الاجتماعية خارج أية قاعدة دينية، فإن الدولة الجنينية التي أقامها الرسول، انطلقت على أساس علماني (دنيوي)؛ ذلك أن صحيفة المدينة التي تعتبر التأسيس الأولي لهذه الدولة الجنينية، كان هدفها تحقيق التعايش والتساكن بين مختلف مكونات المدينة: مسلمين ويهود ووثنيين. يمكن أن نقول نفس الشيء عن الإمبراطورية الرومانية التي قامت على أساس علماني (دنيوي) واستمرت كذلك إلى حدود نهاية القرن الرابع الميلادي لتتحول تدريجيا إلى إمبراطورية مسيحية.

لكن النظام المديني سيتوجه تدريجيا من مجتمع ما فوق قبلي (دنيوي) إلى مجتمع موحد حول العقيدة، ويسير تدريجيا نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، ذلك أن الرسول ظل يقبل ببعض التقاليد التي نشأ عليها العرب، حتى يكون التغيير سلسا.

إذا كان الخلفاء الراشدون قد حرصوا على تعزيز الطابع الديني للدولة، فإن وصول بني أمية إلى السلطة كان خارج أية شرعية دينية. لقد سيروا أمور سياستهم على أسس قبلية قبل كل شيء، وإن حاول بعض حكامهم إضفاء الطابع الديني على دولتهم. لذلك، كان أحد أهم الشعارات التي أجج بها العباسيون غضب الناس ضد بني أمية “عدم امتثالهم للتعاليم الإسلامية”. أما العباسيون الذين وعدوا بإقامة دولة دينية وأسبغ خلفاؤهم على أنفسهم ألقابا من قبيل “خليفةالله” و”ظل الله في الأرض”، فإنهم ما إن وصلوا إلى السلطة حتى انساقوا بدورهم وراء حياة دنيوية باذخة، واستعملوا الدين لإضفاء الشرعية على سلطتهم من جهة وضبط المجتمع من جهة أخرى؛ مع إضفاء الطابع الديني على بعض المؤسسات: الحسبة والقضاء والضرائب، إلخ. بمعنى أن الدولة لم تكن لا دينية صرفة ولا مدنية صرفة، وإنما تراوح بين الوضعين حسب ضرورات السياسة.

أما الإمبراطورية العثمانية، فكانت أكثر وضوحا، بحيث لم تدّعِ الشرعية الدينية، واكتفى حكامها بلقب السلطان، وضمنوا شرعيتهم من خلال قدرتهم على تحمل مسؤولية السلطة وحماية المصلحة وضمان الإجماع. كان هنالك نوع من “الفصل” التلقائي بين السلط؛ ذلك أن الفقهاء، – الذين كانوا مكلفين بالتدريس في المدارس وبالقضاء – كانوا يشكلون الهيئة الثالثة للسلطة، إلى جانب هيئة الضباط المدنيين والضباط العسكريين. وهذا ما حقق توازنا نسبيا بين السلطة الدينية والسلطة السياسية في نوع من الاستقلال النسبي بين السياسي والديني. لم يجمع السلطان العثماني بين السلطتين السياسية والدينية إلا في نهاية القرن الثامن، عشر حيث اعتُبر خليفة للمسلمين بمقتضى وثيقة وقعها مع روسيا.

لا نستهدف من هذه الإطلالة السريعة إسقاط مفاهيم حديثة (العلمانية) على ممارسات قديمة، وإنما فقط التذكير بما قلناه في مقال سابق من أن البشرية عرفت أشكالا من العلمنة الجزئية التي تتماشى مع متطلبات المجتمع وحاجات الحكام والمحكومين على السواء، وذلك قبل الفكر الحداثي الغربي وأسسه الفلسفية والتاريخية.

التجربة التركية

أما العلمانية بمفهومها الغربي المنظر له فلسفيا، فإنما تسربت تدريجيا إلى العالم الإسلامي خلال القرن التاسع عشر، وعلى وجه التحديد إلى البلدان التي دخلت تحت السيطرة الغربية. وقد لعبت الماسونية الفرنسية والإيطالية دورا مهما في ذلك وخاصة في أوساط ضباط الجيش العثماني. لقد كانت العلمانية في مرحلة مخاض لدى حركة “تركيا الفتاة” التي كانت تضم مجموعة غير تقليدية من المثقفين والثوار الليبراليين والعلمانيين الذين وجدوا مرجعيتهم في نظرة لائكية للتاريخ.

لكن العلمانية لم تخرج إلى العلن في تركيا إلا مع مصطفى كمال أتاتورك، الذي كان يسعى إلى الارتفاع بتركيا إلى مستوى الحضارة المعاصرة، وكان يعتقد أن التحاق تركيا بنادي الأمم المتحضرة المغلق كان يمر عبر تحولها إلى أمة معاصرة وعلمانية. لذلك، عمل منذ سنة 1913 على تغيير نظرة الأتراك الدونية إلى أنفسهم. لقد كان عليه أن يخلق القومية التركية لأن العبور نحو الحداثة التي مكنت أوروبا من القوة يمر-في نظره- عبر تأسيس أمة تقوم على هوية مشتركة إثنية ولغوية وثقافية ودينية. وحتى يدير مصطفى كمال ظهره تماما للشرق – الذي ارتبط اسمه عموما بالجهل والتأخر والتخلف والخضوع-، لم يكتف ببناء الدولة الأمة، وإنما اختار لها بشكل قسري أن تكون لائكية حتى تبرز مثل أمة أوروبية.

لم ينص الدستور التركي على اللائكية إلا سنة 1937. لكن إصلاحات مصطفى كمال الجذرية باتجاه إرساء اللائكية انطلقت سبع عشرة سنة قبل ذلك. فمنذ تشكل التجمع الوطني التركي الكبير يوم 23 أبريل 1920، توالت الإصلاحات بوتيرة كبيرة، حيث عوضت رئاسةُ الشؤون الدينية شيخَ الإسلام، وتُبُنيَ دستور مؤسَّس على مبدأ السيادة الشعبية، وأُلغيت السلطنة، ثم انتخب التجمع الوطني التركي الكبير عبد الحميد الثاني خليفة يقتصر دوره على السلطة الروحية دون أية سلطة دنيوية. ويوم 29 أكتوبر من سنة 1923، أعلنت الجمهورية برئاسة مصطفى كمال، لتلغى الخلافة حوالي ستة أشهر بعد ذلك. وفي نفس السنة 1924، حُلت رئاسة الشؤون الدينية وإدارة الوقف، وحُذف التعليم الديني والمحاكم الدينية، ثم تُبُنيت قوانين مدنية وتجارية متأثرة بالقوانين السويسرية والإيطالية والألمانية.

سنة 1925، مُنعت الزوايا الدينية وألحقت ممتلكات الوقف بخزينة الدولة، ثم منع تعدد الزوجات وأصبح الزواج المدني إجباريا، كما حل القانون المدني السويسري محل القانون القرآني (الشريعة) في مجال الأحوال الشخصية، ثم استُلهم قانون آخر تجاري من القانون الفرنسي، كما استُلهم القانون الجنائي من القانون الإيطالي. ويوم 10 أبريل 1928، ألغيت من الدستور المواد التي تنص على أن الإسلام دين الدولة، وبعد بضعة أشهر من ذلك عُوضت الحروف الهجائية العربية بالحروف اللاتينية. ويوم 30 أبريل 1930، أعطي النساء حق التصويت في الانتخابات البلدية، قبل أن يحصلن يوم الخامس من دجنبر 1934 على الحق في التصويت والترشيح على المستوى الوطني. ويوم الخامس من فبراير 1937، ظهرت اللائكية في الدستور تتويجا لسبع عشرة سنة من التحديث اللائكي، لتتكرس لدولة التركية جمهورية، قومية، شعبوية، دولتية، لائكية وثورية”.

هكذا، يكون مصطفى كمال قد أحدث تغييرا جذريا ليس فقط في الدولة التركية وإنما في المجتمع التركي أيضا الذي تغيرت هويته بالقوة في ظرف سنوات معدودة.

وفي إيران؟

هذا المسار الذي اتخذه مصطفى كمال لإحداث الأمة التركية، هو نفسه الذي حاول تقليده رضا شاه لخلق أمة إيران مما يشبه العدم. لقد سحق رضا شاه كل الانتفاضات التي كانت تهدد وحدة التراب الوطني. كان وزيرا للحرب، ثم رئيسا لأركان الحرب، ثم وزيرا أول، فأغراه النموذج التركي بإقامة جمهورية مماثلة. لكن البريطانيين أقنعوه أنه من الأفضل إقامة مملكة سلالية جديدة محل سلالة القاجار، وذلك ما حصل حيث توج ملكا سنة 1926. وبدءا من هذه السنة، حل حكم آل بهلوي بدعم من الإنجليز محل حكم القاجار.

حكم رضا شاه إيران (1925-1941)، وحاول أن يجعل من إيران أمة حديثة، وذلك بالرفع من قيمة الماضي الإيراني الما قبل إسلامي، خاصة أن اسم بهلوي متجذر في الثقافة الإيرانية. من بين ما قام به، تعويض اسم بلاد فارس بإيران على مستوى جميع التمثيليات الدبلوماسية.

حظي رضا شاه بدعم المثقفين القوميين اللائكيين. ومثلما حدث في تركيا، حاول رضا، شاه إيران، إصلاح اللغة الفارسية بتعقب الكلمات العربية وتعويضها بأخرى فارسية، لكن مع الحفاظ على استعمال الحروف الهجائية العربية. وقد سار محمد رضا شاه بهلوي الإبن على خطى والده طيلة فترة حكمه التي امتدت من 1941 إلى الثورة الإسلامية سنة 1979.

إذا كان آل رضا شاه بهلوي قد توفقوا إلى حد ما في إعادة تشكيل الدولة-الأمة، فإن نصيب هذه الدولة من الإصلاحات العلمانية ظل محدودا جدا وأبعد من أن يقارن مع إنجازات مصطفى كمال أتاتورك. هكذا، وما إن عاد رضا شاه (الأب) من زيارة لمدة ستة أيام إلى تركيا سنة 1934 استقبله خلالها مصطفى كمال، حتى شرع في إصلاحاته التي كان من أهم ما شملته الشروع في حملة من أجل تحرير النساء، إنهاء إعداد القانون المدني الذي اعتُرف به بالإجماع (وهو القانون الذي لم تُلحق به الجمهورية الإسلامية إلا تعديلات طفيفة)، كما تُبُني تشريع جنائي مستوحى من القانون الأوربي، وسنة 1936 صدر قانون يمنع ارتداء الحجاب في الفضاء العام لأول مرة في العالم الإسلامي. أما العلماء، فأصبحوا ملزمين بمتابعة دراسات قانونية لعدة سنوات والخضوع لامتحان تنظمه الدولة إذا ما أرادوا الحصول على مقعد في المحاكم. وقد حصلت النساء على الحق في التصويت سنة 1963 في إطار الإجراءات الاجتماعية التي عرفت تحت اسم الثورة البيضاء.

ماذا عن الدول العربية؟

أما على المستوى “العربي”، فقد تشكلت القومية العربية كمرآة لنظيرتها التركية، وإن تأسست على شعور مناهض للأتراك.

لقد تأسست النهضة الثقافية واللغوية في القرن التاسع عشر على أساس البحث في التراث، وسرعان ما تحولت العروبة إلى أيديولوجيا قومية. وقد كان على رأس من نظروا للتصورات القومية العربية الصريحة ساطع الحصري (1880-1969) الذي تلقى تكوينه في إسطنبول كضابط في الإمبراطورية العثمانية، قبل أن يشغل منصب المدير العام للتربية في العراق. ويعتبر الحصري المنظر الأهم للقومية العربية الحديثة.

طور الحصري تصوره للوحدة العربية التي تتأسس على اللغة العربية والتاريخ أي على أساس لائكي (لا ديني)، مع أخذ الإسلام بعين الاعتبار كمكون أساس للهوية الثقافية العربية. ويَعتبر الحصري أن كل الشعوب الناطقة بالعربية من المحيط إلى الخليج تشكل أمة واحدة طامسا بذلك باقي المكونات اللغوية والثقافية والإثنية من أمازيغ وأكراد وأفارقة. إنها قومية عرقية تلك التي نظر لها ساطع الحصري وطورها كل من ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار.

من هذا المنظور، ستتأسس القومية العربية في إطار دويلات – أمة موروثة عن الانتداب أو الاستعمار، كانت من أولاها دولة العراق التي أحدثتها بريطانيا (سنة 1920) على غرار الدولة الأمة في أوروبا، أي على أساس الإثنية العربية.

إلى جانب العراق، اعتبر كل من الدستور الجديد في تونس ونظام البعث السوري نفسيهما لائكيين دون التصريح بذلك، علاوة على جمال عبد الناصر الذي كان أحسن من ترجم المبادئ الكمالية، لكنه كان يصنف نفسه تحت راية الإسلام.

على عكس العلمانيات الغربية التي قامت على أسس تاريخية وفلسفية، وجاء بعضها نتيجة ثورات شعبية، ووضعت كلها الإنسان الفرد وحقوقه وحرياته في قلب اهتماماتها، فإن القاسم المشترك بين هذه القوميات التركية، الإيرانية والعربية، هو أنها شجعت على تقديس شخصية الزعيم. وما مصطفى كمال أتاتورك ورضا شاه وابنه محمد رضا شاه وجمال عبد الناصر وصدام حسين وحافظ الأسد ولحبيب بورقيبة وزين العابدين بنعلي، إلا الصور الصارخة لهذا التقديس. لقد اعتبر كل هؤلاء أنفسهم آباء الأمة الذين يملأ تقديسهم فراغ هوية اصطنعت بعجالة، ولم تُهضم: تحول مصطفى كمال بقانون رسمي إلى أتاتورك؛ أي أب الأتراك، وقدست كلماته وخطبه. ولم يحد إيران عن تقديس الشخصية/ الفرد، إذ قدم محمد ريزا بهلوي نفسه على أنه الأمير الذي اختاره الله، وأنه المؤمن الذي يحميه الله. بل إنه ظل الله في الأرض.

ولم يخرج لحبيب بورقيبة عن هوس إيجاد موطئ قدم له في التاريخ، فبعد تحقق الجمهورية تعددت رموز “المجاهد الأسمى” في مختلف أنحاء البلاد، وشيدت لبورقيبة التماثيل في كل مكان من تونس؛ ونقشت على البوابة البرونزية الكبرى لضريحه الألقاب الملخصة لحياته: المجاهد الأسمى، باني تونس الحديثة، ومحرر المرأة. أما غرور صدام حسين، فقد تجاوز كل التوقعات، إذ عمل على إيجاد جذور لشرعيته في ما قبل التاريخ في بلاد ما بين النهرين. بل إنه دعا المناضلين البعثيين، في الثمانينيات، إلى قراءة التاريخ قراءة بعثية، ترفض أن تكون الأمة قد ولدت مع الإسلام، كما ترفض اعتبار ما قبله جاهلية، وتذهب بجذور الأمة إلى العصور القديمة. ومن ثمة، أخذ صدام يبدو استمرارا للملوك السومريين والبابليين… أي كوريث لعراق سرمدي.

أما على مستوى الشعوب، فإذا كانت أشكال اللائكية في البلدان العربية قد رُفضت عموما، أولا باعتبارها استمرارا لهيمنة الغرب، وثانيا لما مارسته من ضغط على المجتمع المدني، ولما اقترفه حملتها من الحكام من تجاوزات في حق شعوبهم، فإن اللائكية التركية قد قبلت من لدن المجتمع التركي واندمجت في ثقافته، لأنها ركزت على مفهوم الدولة الأمة المؤسسة على العرق وعلى اللائكية؛ أي على الهوية الإثنية والتركية، وذلك على الرغم من العنف النفسي الذي يمثله إدخال هذا الجسم الغريب ضمن مجتمع لا زال يحدد نفسه وفق معايير دينية.

 

من بين المراجع المعتمدة:

1.      Pierre-Jean Luizard, Laïcités autoritaires en terre d’islam, Fayard, 2008

2.      Maurice Flory -Bahgat Korany- Robert Mantran-Michel Camau – Pierre Agate, Les régimes politiques arabes, Presses Universitaires de France, 1990.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *